مقالات

لبنان وتعقيد المصائر..!

د. عبد الناصر سكرية/ لبنان

خاص “المدارنت”
يعيش لبنان ازمة مصيرية وجودية، ترتبط إرتباطا وثيقا بالوضع المشرقي – العربي وسورية وفلسطين تحديدا؛ وتنبثق أولا: عما هو فيه من إنقسامات من كل نوع، أخطرها الإنقسام المذهبي ثم الطائفي؛ وهو ما يهدد بمزيد من تدهور الوضع الداخلي، وتفاقم الأخطار والمزيد من تراجع فعالية مؤسسات الدولة، والمزيد من الأزمات المعيشية الخانقة.
ولعل أحد أبرز أوجه الأزمة اللبنانية، أن جميع القوى الفاعلة وذات السلطان والإمكانيات؛ لا تملك إستقلالية في التفكير ولا في التقرير، فهي ذات جذور وإمتدادات وولاءات تصل بعيدا خارج لبنان، وحتى خارج المنطقة العربية، وما يمكن أن يكون فعاليات إقتصادية أو رأسمالية محلية بكافة أوجه نشاطها ومقدراتها وبالتالي دورها ؛ ترتبط بمصيرها وتوجهاتها بإرتهاناتها الخارجية حيثما تنبع مصالحها وتتشعب إمكانياتها..نتيجة القول أنه يكاد لا يكون موجودا ما يطلق عليه في أدبيات السياسة: القرار الوطني المستقل..

المعضلة الإضافية أن معظم القوى والفعاليات الحزبية – غير الرسمية لا تملك مثل هذا القرار؛ وهذا ما يزيد الأمور تشابكا وتعقيدا وصعوبة.
العدوان الصهيوني على لبنان، مستمر، وقوات العدوّ العسكرية تحتل عدة مواقع في الجنوب،
المنكوبون والبيوت المدمرة بفعل العدوان، لا أفق لحل منظور لوضعها؛ الازمة المعيشية ضاغطة بل خانقة؛ بطالة تضخم غلاء، ومعها مؤسسات الخدمات العامة، لا تزال من دون المقبول ومن دون الجهوزية، والقطاع المصرفي في ضياع بين الشكوى وبين الشراكة في نهب مدخرات المواطنين؛ الفساد الأساس لم يزل على حاله.
أما موضوع السلاح، فهو الموضوع الراهن المتفجر الذي يطفو على سطح الأحداث، ويكاد لا يحمل مع ما هو مطروح حياله؛ آفاقا مطمئنة أو تطورات سارة..
ومما يبدو حسب مجريات الأحداث حوله؛ يمكن القول أنه يتخذ عنوانا لتمرير أو إخفاء توجهات أخرى مصيرية، لا تحترم سيادة لبنان، وأمن أرضه وأهله، وأخطر ما فيها يتمثل في الدور الأميركي الذي يتدخل ويطلب ويُملي، فيما يخدم أمن العدو الصهيوني، أولا وأخيرا، ولا يهمه بعد ذلك سوى أن يكون لبنان، ضعيفا مرتهنا بما يكفي ليبقى تحت الوصاية الصهيونية.
وفي ذات الوقت، لا يبدو أن “حزب الله”، يقبل بتسليم ما تبقى لديه من أسلحة؛ وبينما تناور أميركا لتحول إتجاه مطالبها، فتختبئ في بطون تحشدات ذات طابع مذهبي، تنذر بتفجيرات فيما بين أهل الوطن أنفسهم؛ وإذ يبرر الحزب رفضه تسليم السلاح، بأسباب لا تتعلق كلها بمقاومة العدو الصهيوني، فكثير منها يتعلق بالوضع الداخلي، وما يتصل به من دور للحزب، وفعالية وتأثير في مجمل السياسة اللبنانية؛ فضلا عن إنعكاسات ما يجري في سوريا، وإحتمالات إنتقال عصبيات مذهبية انتقامية منها إليه، وهذا تحديدا ما ينذر بإمكانية إستخدام السلاح في معارك بعيدة عن ساحات الوغى الجنوبية.

وإذا كان من الضرورة بمكان أن يمتلك لبنان، قوة تكفي في المرحلة الراهنة لوقف عدوان بني صهيون عليه؛ فإن فكرة تسليم سلاح القوى الحزبية، واولها “حزب الله” إلى الدولة ليست خاطئة، إذا ما وضعت لها ضوابط ومعايير ترعى حقوق الجميع، وتصون وحدة الوطن وسلامة أبنائه؛ أما الإبتزاز الأميركي – الصهيوني، فلن ينفع سوى المزيد من الضياع والتشتت والتشرذم الداخلي، وتراجع دور الدولة وفعاليتها.
وعلى الرغم من أن المناطق الجنوبية المحاذية لقلسطين، قد وقعت عمليا تحت الأحتلال الصهيوني؛ وأن “حزب الله” الذي وقع اتفاقا لتسليم سلاحه جنوب الليطاني، أي المنطقة التي تخصّ ضمان امن دولة العدو؛ إلا أن ذلك لا يعني تخلّيه عن كل مقومات قوته، وإلا فإنه يعترف بتراجع جوهري لدوره وفعاليته في الداخل اللبناني، وما عليه من إنعكاسات إقليميـة.
أما ما يباشره الدوره الأميركي من مواقف إعلانية، تسمي تسليم سلاح الحزب بأنه المدخل إلى الإصلاح والإزدهار؛ فلا يزيد عن كونه مخادعة كبرى لا تنطلي ولا يجب أن تنطلي على أحد من الحريصين على وطنهم، ومستقبل أبنائه، أمريكا هي الغطاء الرسمي لعدوان وأطماع وأخطار بني صهيون؛ فمن يظن أنها تريد سيادة الدولة وجيشها وقانونها فهو لا يدرك خلفياتها الآمبريالية الإستعمارية، وأطماعها في كل البلاد العربية.
وإذا كنا في هذه المقالة السريعة، لا نرى ضرورة تفنيد المصالح الأميركية وبيان خطورتها؛ إلا أنه يكفي النظر إلى مصير غزة، لنعرف ما ينتظر لبنان في مقبل الأيام؛ يكفي أن نعرف أن أميركا فرضت على لبنان، تدمير كل ما يتسلمه أو يصادره من سلاح، فلو كانت راغبة في تقوية الجيش، لما كانت فرضت عليه تدمير السلاح، من دون أي إمكانية للإستفادة منه.


هذا.. ومن المهم الإشارة إلى أن إستعادة هيبة الدولة وفعالية مؤسساتها، ليست مرتبطة فقط بمسألة السلاح غير الرسمي، فطالما بقيت أطراف نظام المحاصصة الطائفية الفاسد المرتهن؛ هي التي تمسك بمفاتيح سلطة الدولة وسلطانها؛ فلن يعرف لبنان، لا العدل ولا سيادة القانون ولا تفعيل الخدمات العامة، حتى لو سلم “حزب الله” كامل سلاحه.
تلك مخادعة بينة لا تنطلي إلا على البسطاء أو المنتفعين من أحد أطراف ذلك النظام، الذي يشكل العائق الأكبر والأساس، أمام وعود رئيس الجمهورية جوزف عون، والتي أجملها وإختار أجملها في خطاب القسم، أو أؤلئك المبشرين بالسياسة الأميركية، سواء لمصلحة خاصة أو فئوية؛ أو لإتساق مع حملات إعلامية مدفوعة الأجر؛ أو لإرتهان مصيري بالإملاءات الأميركية.

أمام هذا الواقع المعقد، نرى أنه يحتاج إلى حلول مركبة، تضمن مشاركة جميع اللبنانيين في تشخيصها وبلورتها، وتحمل تبعات تنفيذها معا..
إنطلاقا من هذا كله، وحرصًا منا على أمن وسلامة لبنان، أرضا وشعبا ومؤسسات، نطالب الرئيس عون بالدعوة آلى عقد: “مؤتمر وطني للقوى الشعبية”، يضم كافة المؤسسات الشعبية الثقافية والاجتماعية والنقابات المهنية والأحزاب والفعاليات الوطنية المستقلة؛ إلى جانب مؤسسات الدولة المعنية، وفي مقدمتها الجيش والأمن الوطني والوزارات الخدمية..
على أن يكون برئاسة الرئيس شخصيًا، وأن تتعهد جميع القوى المشاركة – خطيًا – بالتخلّي فعليا عن أي إملاءات خارجية، ومن ثم مناقشة الأمور من زاوية واحدة وحيدة، وهي مصلحة الوطن اللبناني؛ والإلتزام الفعلي بكل ما يتفق عليه المجتمعون..
وتكون مهمة المؤتمر مناقشة مجمل الوضع اللبناني، وتشخيص مشكلاته وتقييم واقعه الراهن وإتجاهاته؛ ووضع حلول لها وفق أولويات، تتناسب مع الوقائع والظروف والإمكانيات، ثم وضع برنامج عمل تنفيذي تفصيلي لها يشارك الجميع في تحمل مسؤولياته، وتنفيذ مهماته؛ على أن تتشكل قيادة ميدانية للمتابعة والتنفيذ بقيادة الجيش اللبناني مباشرة..
إن مصير الوطن فوق الجميع: جميع الطوائف والمذاهب والعقائد والمصالح والأحزاب والولاءات، لغير الوطن والشعب والأرض..

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى