لهذا السبب يجب اسقاط “قانون قيصر”*..!

خاص “المدارنت”..
حالة من الصدمة والذهول والحزن، اصابت العالم، وهو يتابع تلك الصور المتواترة عن الانهيار السريع لالاف المباني في تركيا وسوريا… ولا نعتقد ان هناك انسان على هذه الارض يمكن ان يتابع هذه المأساة دون ان تحرك فيه شيء.. والاكيد ان هناك قناعة بان ما تعرض له الشعبان التركي والسوري يمكن ان يتعرض له اي كان… نقول هذا الكلام ونحن ندرك أن كل لحظة تمر على الالاف المطمورين تحت الانقاض جراء الزلازل المدمرة التي ضربت الحدود التركية السورية تعني بكل بساطة ارتفاع حصيلة الضحايا، بما يمكن ان يتجاوز كل التوقعات حتى الان.. المعركة اليوم من اجل الحياة والصراع مع الزمن لانقاذ اكبر عدد ممكن من الاطفال والنساء والبشر الذين مر عليهم اكثر من ثمان واربعين ساعة على وقوعهم تحت انقاض المباني المهدمة…
لسنا نريد الانسياق وراء المقارنة المرفوضة بين امكانيات الدولة التركية وما يتوفر لها من قدرات عسكرية ومالية وما حظيت به ايضا من دعم اوروبي واطلسي وعربي واسلامي وبين امكانيات سوريا، البلد الذي يعاني من تداعيات آفة الحرب والعقوبات والزلزال والثلوج التي تعوق اليوم عمليات الاغاثة وتوشك بمضاعفة حصيلة الضحايا… والحقيقة انه لا احد يقبل بحرمان تركيا من المساعدات التي تحتاجها، ولكن لا احد ايضا يمكن ان يقبل أن تعاقب سوريا بتأخر المساعدات، وان تحرم من وصول فرق الاغاثة والمنظمات الانسانية والدولية التي اعربت عن رغبتها في الوصول الى المناطق المنكوبة، لان هناك قانون يطلق عليه قانون قيصر، يعرقل عبور الطائرات العسكرية للاجواء السورية، ويعطل وصول المساعدات بما يفاقم مخاطر الزلزال ويضاعف عدد الضحايا، حرم سوريا من تدفق المساعدات.
من حق سوريا على العالم وعلى المجتمع الدولي أن يهب لمساعدتها في هذه المحنة… يقول المتحدث باسم الخارجية الامريكية نيد برايس ردا على الانتقادات الموجهة لبلاده بشأن استجابة الادارة الامريكية لاستغاثة سوريا: “أن الولايات المتحدة شريكة الشعب السوري، وقد قدمنا مساعدات إنسانية أكثر من أي دولة أخرى. نحن ملتزمون ببذل قصارى جهودنا على جانبي الحدود لمساعدة حلفائنا في الاستجابة من خلال جهود البحث والإنقاذ في المقام الأول. وستجري هذه الجهود مع مساعدات أمريكية عما قريب، كما أنها ستحظى بتمويل لجهود الاستجابة الأوسع نطاقا من أجل التعافي…”.
وقناعتنا ان هذا الرد الديبلوماسي جدا ياتي للتخفيف من الانتقادات الموجهة لواشنطن على خلفية قانون قيصر، الذي ينظر له اليوم، كسبب مباشر في منع وصول المساعدات الى مستحقيها… ويعتبر المسؤول الامريكي ان بلاده قدمت الكثير خلال الاثني عشر سنة الماضية، وان شريكها في سوريا هي المنظمات غير الحكومية التي تعمل على المستوى الميداني وتقدم الدعم الإنساني”.. والحقيقة ان المسؤول الامريكي اكثر من يدرك محدودية دور المنظمات الانسانية في حالات الكوارث الطبيعية خاصة عندما يتعلق الامر بالزلازل الشديدة التي سيتعين للقوات المسلحة من جيش وامن ومن هيئات الدفاع المدني التدخل فيها لانقاذ الارواح، بالنظر الى ما تحتاجه هذه العمليات من امكانيات واليات ولكن ايضا من تقنيات وتدريب و قدرة على الاستجابة لعمليات الانقاذ التي تشبه الى حد كبير دور الجراح..
لقد جاء قانون قيصر الذي فرضه الرئيس الامريكي السابق دونالد ترامب في 2019 بدعوى حماية المدنيين في سوريا، وبعد نحو عقد من زمن على سقوط توقعات الادارات الامريكية السابقة، منذ الرئيس اوباما، الذي راهن على ان سقوط نظام الاسد، سيكون خلال شهرين فقط و هذا ما لم يحدث… لسنا في اطار العودة الى ما شهدته سوريا والمنطقة طوال العقد الماضي من انتشار للجماعات المسلحة والحركات الارهابية والدواعش بمختلف مسمياتها والتي بدأت تفرض لها موطئ قدم في الموصل في العراق وادلب بسوريا. ولو لم يتم التصدي لها لواصلت امتدادها واقامة مشروع الخلافة الذي تتطلع اليه..
هناك اولوية اليوم تتمثل في انقاذ الضحايا من الموت اختناقا او جوعا او بردا تحت الانقاض وقانونُ قيصر لحماية المدنيين في سوريا لا يساعد على ذلك, و هو قانون لم يترك ثغرة ولو بحجم ثقب الابرة للنظام السوري فهو يفرض عقوبات على الأفراد والشركات الذين يقدمون التمويل أو المساعدة للرئيسِ السوري، كما يستهدفُ عددًا من الصناعات السورية، بما في ذلك تلك المُتعلِّقة بالبنية التحتية والصيانة العسكرية، وإنتاج الطاقة، وينص القانون ايضا على فرض عقوبات على كل من يعمد إلى توفير السلع أوالخدمات أوالتكنولوجيا أو المعلومات أو أي دعم من شأنه توسيع الإنتاج المحلي في مجال الغاز الطبيعي والنفط والمشتقات النفطية.. وهو يقيد عمليات البناء والاعمار ويمنعها ويفرض على سوريا عقوبات اقتصادية مجحفة وعلى من يتجرأ على كسرها واختراقها ايضا، وهو ما يفسر حالة التردد لدى اغلب الدول الاوروبية، وتلك التي يفترض انها سباقة في مثل هذه الماسي والعربية والاسلامية في اغاثة سوريا..
ولو بحثنا عن اصل التسمية لقانون قيصر سنجد انه نسب لصاحبه وهو شخصية مجهولة قد يكون جندي فر من الجيش السوري وقد يكون عنصر مخابرات هارب انشق ثم سرب معلومات وصور لضحايا تعذيب في سوريا بين عامي 2011 و2014… وتقول المصادر الامريكية ان الامر يتعلق باكثر من 55 الف صورة وان هناك خبراء اخضعوا القيصر لفحوصات نفسية وطبية للتأكد من مصداقيتها…
ينص القانون ايضا على فرض عقوبات على كل من يعمد إلى توفير السلع أو الخدمات أو التكنولوجيا أو المعلومات أو أي دعم من شأنه توسيع الإنتاج المحلي في مجال الغاز الطبيعي والنفط والمشتقات النفطية… وهو ما يمكن ترجمته بانه عملية حصار وتجويع وابادة و اهانة للشعب السوري. حدث كل ذلك بموافقة و قبول المجتمع الدولي الذي يقف اليوم، عاجزا امام هول المصاب في سوريا، وسيتعين عليه ان يبرر مستقبلا أنه لم يكن شريكا في المأساة المستمرة في سوريا..
لكل ما سبق نقول انه سيتعين اليوم اسقاط قانون قيصر، ومنح الاولوية لانقاذ حياة البشرو الانتباه لانات وصرخات الاطفال تحت الانقاض و الاستجابة لاستغاثات الاهالي والمنكوبين قبل فوات الاوان…
* نشر بالتعاون مع “مركز الحوار العربي” في واشنطن



