مقالات

لوقفة موضوعية مع “الحليف والجار” التركي.. وذلك أضعف الإيمان

//خاص المدارنت//..

                محمد خليفة

كتب محمد خليفة/ أوروبا... يا سامعين الصوت كان عندنا “إئتلاف وطني” وضاع، فمن يعثر عليه فليعده الينا وله “حلوان!”.

يا سامعين الصوت، كان عندنا معارضات تدعي أنها سورية وطنية وغيورة على بلدها وشعبها، وتصدر بيانات في كل مناسبة، وفجأة أصابها البكم والصمم والعمى على ما يجري في ادلب وحماة، وفي شمال سوريا عموما، وكأنها لا ترى ولا تسمع ما يصيب أهلنا في خان شيخون والهبيط واللطامنة وكفر زيتا.. إلخ، أو كأنه لا يعنيها.

يا سامعين الصوت، كان عندنا هوية وطنية سورية وضاعت في سوق النخاسة الدولية، والولاءات للدول الأجنبية، منصّة لروسيا، ومنصّة للسيسي، ومنصّة لباريس، والباقي لتركيا، فمن وجدها نرجو أن يعيدها لنا، لأنها مصدر شرعيتنا وقيمتنا وعنوان شرفنا.

هذه هي النتيجة التي وصلنا اليها بعد تسع سنوات من الحراك والقتال والثورة. خسرنا الهوية الوطنية، وفقدنا الغيرة على أرضنا وأهلنا والشعور بالانتماء الى سوريا، وصرنا جماعات تتنازعها وتتقاسمها الولاءات للدول التي تتصارع على أرض سوريا لاقتسامها، ولذلك لا بد أن نتوقع خسارة سوريا بالكامل، لأن هذه الحالة تعكس في معناها العميق، مشاركتنا بوعي أو بغير وعي في تدمير سوريا والمتاجرة بها، أو على الأقل الرضى بما يجري لها من تقسيم وتقاسم، بين دول الاقليم ودول العالم الكبرى.

المعارضة السورية كلها، السياسية منها والعسكرية، مسؤولة عن هذه المآلات الخائبة والخاسرة والمعيبة، وعلى رأسها “الائتلاف” بكل مكوناته. لأن صمته وتخاذله في اعلان الموقف الوطني بجرأة على ما يحدث لا علاقة له بحياء العذارى، ولا معنى له سوى التواطؤ مع تركيا أو سواها من الدول، التي تستبيح حرماتنا وتتقاسم الفريسة، إنه قرينة قوية على افلاس وطني واخلاقي، وقرينة على خيانة سافرة.

لقد باعت “الفصائل المسلحة” في الشمال نفسها للدول تباعا وفرادى، مقابل أن تحصل على أودها وفتات الطعام لها ولأتباعها وجماعاتها، وبحجج متشابهة لا تقنع احدا، فهان عليها في النهاية أن تبيع سوريا، وتتنازل عنها لمن يسرقونها ويقتلون شعبها، فأمست سوريا بلا أبناء وحماة ولا محامين مخلصين .

أصدقاء سوريا وأشقاؤها لم يتخلوا عنها ولم يخذلوها فقط، ولكنهم في لحظة الحسم حالفوا أعداءها،  وشاركوا في ذبحها وتقطيعها إرباا.

إذا كان “الائتلاف الوطني” يستحق وصف الممثل الشرعي الوحيد للشعب السوري؟ فلماذا يخرس عما تفعله دول المحور الثلاثي “روسيا وايران وتركيا” والنظام في ادلب وحماة؟ وكيف يقبل ما تخطط له الدول الثلاث، من محاصصات وصفقات عبر مساري آستانة وسوتشي؟ هل كان هؤلاء يتصورون أن روسيا وايران تعملان لمصلحة الشعب السوري؟ وهل انضمام تركيا الى الدولتين يجعلهما حليفتين صالحتين؟ وكيف تقبل الفصائل التي تسمي نفسها الجبهة الوطنية للتحرير صفقة “حماة وادلب مقابل المنطقة الآمنة في شرق الفرات؟”.

ولماذا يتردد فرسان الائتلاف عن مواجهة الحليف التركي، وسؤاله عن مغزى رفع العلم التركي في عفرين وقبلها في جرابلس؟ ولماذا لا يناقشونه بموضوعية وشجاعة تليق بمن يدعي حمل راية الثورة وشرف المواطنة السورية، والدفاع عنها في وجه الروس والايرانيين؟ّ

بين الأصدقاء والشركاء الذين تجمعهم علاقات عمل وعلاقات تعاون ووحدة مصير، ثمة حاجة دائما الى وقفة موضوعية، ومكاشفة جادة وجريئة، ومراجعة صريحة للعلاقات الثنائية ومسيرة التعاون بهدف تصحيح الاخطاء، وحمايتها من هيمنة طرف على حساب الآخر.

نعم، نحن السوريون بحاجة ماسة وفورية لوقفة موضوعية مع الصديق التركي، وسؤاله عن خياراته ومساراته في سوريا، والتي مالت عن محورها المبدئي الاصلي منذ العاشر من اغسطس عام 2016، حتى وصلت الآن الى ما وصلت اليه من نكوص وتراجع، قبل أن نقول بالفم الملآن إنها مالت الى عدوينا اللدودين ايران وروسيا .

لا حاجة لتكرار القول إن تركيا دولة كبرى في الاقليم، لها مصالحها الجيو ـ سياسية، التي قد تلتقي مع مواقفنا مرة وتختلف مرة أخرى، ولا حاجة للقول إن القيادة التركية تعاملت مع المسألة السورية ببراغماتية تامة، حتى لا نقول أكثر. وعلينا أن نعترف أن المصالح بيننا وبين الجار أو الحليف التركي افترقت وتضاربت، منذ أن صالحت روسيا في قمة العاشر من اغسطس 2016 بين بوتين واردوغان، الذي ذهب يومها الى موسكو صاغرا ومطئطئا راسه للقيصر الروسي. يومها ضحى اردوغان بمصالح وأماني الشعب السوري، وانحاز الى صالح بلاده القومية، فتوصل الى عقد صفقة كبرى مع روسيا، ثم مع ايران، التي رفعت حجم مبادلاتها التجارية عام 2017 من أربعة مليارات دولارات الى عشرين مليارا، وأصبحت تركيا ركنا ثابتا من أركان محور آستانة. وكان لها دور محوري في صفقة جرابلس مقابل حلب، وفي صفقة عفرين مقابل الغوطة. وها هي تتكرر في صفقة ريف حماة وادلب، مقابل المنطقة الآمنة في شرق الفرات .

وكما ضغطت تركيا على بعض الفصائل لتشارك في آستانة، وتبرم صفقات مزيفة وخداعة مع عدونا الرئيسي روسيا، ضغطت ليشارك “الائتلاف وهيئة التفاوض” في مهزلة سوتشي 2018، وما تلاها. ثم دخلت قواتها ادلب، مقابل وصول قوات النظام الى شرق ادلب. وذهبت الى عفرين مقابل السكوت عن اسقاط الغوطة ومجازرها.

للأسف، الجميع يربح على حسابنا، والخاسر الأوحد هو سوريا وشعبنا المذبوح .في كل هذه الحالات، انحازت القيادة التركية الى مصالحها القومية، ووجدتها مع أعدائنا الروس، ووجدت أنها لم تعد تلتقي مع مصالحنا وتطلعاتنا، ولا مع مواقفنا من عدوينا اللدودين الروسي والايراني. فلماذا الخجل من المفاتحة والمكاشفة دفاعا عن بلدنا وحقوقنا وشرفنا كسوريين وكثوار؟ّ

المعارضة السورية ممثلة بالقوى الوطنية والثورية المسلحة، التي لم تدجنها تركيا ولا غير تركيا “جيش العزة مثلا”، والقوى السياسية المستقلة والنظيفة، التي لم تدجن عبر الائتلاف او غيره، مطالبة كلها بتحمل مسؤولياتها والدفاع عن كل شبر من سوريا بالسلاح والنفس، أو بالكلمة وإعلان الموقف، وذلك أضعف الايمان! لا فرق بين ارض تحتلها روسيا وارض تحتلها تركيا أو ارض تحتلها إيران أو تحتلها اسرائيل، فكل الاحتلالات سواء .

من دون هذا الموقف الواضح الحاسم، تصبح كل المواقف خيانة، حتى ولو تخفت أو تلونت تحت مزايدات سخيفة، أو مبررات سمجة. الثوار والاحرار الشرفاء مطالبون بوقفة جادة وجريئة مع كل الأطراف التي تتقاسم سوريا الآن، وتتاجر بدمائنا، والتي تنكرت لعهودها ووعودها. وإذا لم نفعل هذا فلا قيمة ولا معنى لبياناتنا البكائية عن مأساة ادلب وخان شيخون وريف حماة، ولا حاجة للنازحين والمهجرين والشهداء والمصابين بنا وبدموعنا الزائفة .

وليكن معلوما، أن عفرين عزيزة علينا كالغوطة، وحلب وحمص ودرعا ودير الزور، وسكانها جزء عزيز من شعبنا، ولا يجوز أن نبكي على أهل الغوطة، ولا نبكي على أهل عفرين (طبعا نحن نقصد سكانها المدنيين الابرياء من جرائم بي يي دي).

ما يجري اليوم، هو تقسيم لسوريا، وتقاسمها بمسميات ومبررات وتكتيكات مضللة، حسب مصالح الدول، لا مصالح شعبنا الذي وثق بنا، ومنحنا الثقة لنحمل قضيته الى العالم وندافع عن بلدنا. لذلك، علينا على الأقل أن ندين ما يحدث، وأن نسمي الأشياء بمسمياتها الصحيحة، ونفضح الأطراف كافة، بلا مواربة ولا ازدواج معايير. وهذا اضعف الايمان!

نحن نخسر سوريا، بشهادة المبعوث الاممي السابق ستيفان دي ميستورا، الذي حذر من تقاسم سوريا بين روسيا وشريكيها. وإذا اكتملت المؤامرة وضاعت بلدنا الوحيدة.. فما الذي يبقى لنا لنخاف عليه من الصراخ في وجوه كل من خانونا وباعونا، لكم مصالحكم ولنا مصالح..؟!

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى