مقالات

ما رأي الكنيسة المارونية بقول البابا فرنسيس: “إمّا أن تكون الكنيسة

الصرح البطريركي في لبنان

كتب غسان صليبي/ لبنان

 “المدارنت”..
أحببت طرح السؤال لمناسبة عيد مار مارون، شفيع الطائفة المارونية. ربما يبعدنا ذلك عن مشهد قداس مار مارون، الذي تحتشد فيه عادة الزعامات الطائفية المتكاذبة، ويقرّبنا اكثر من المعنى الأصلي للكنيسة. فإضافة الى معناها المادي، اي كمكان للعبادة في الديانة المسيحية، ان معناها البشري هو “تجمع أو جمهرة من المسيحيين الذين يشتركون بالعقائد نفسها”.
في عظته الاخيرة، الأحد الفائت، وفي جانبها الديني، تناول البطريرك (الماروني) بشارة الراعي ما قاله يسوع حول مساعدة المحتاجين، كشرط لدخول ملكوت السماوات: “لاني جعت فأطعمتموني، وعطشت فسقيتموني، وكنت غريبا فآويتموني، وعريانا فكسيتموني، ومريضا فزرتموني، ومحبوسا فأتيتم اليّ”.
عندما سُئل متى فعلنا لك ذلك، اجابهم: “الحق أقول لكم، بما انكم فعلتموه بأحد اخوتي هؤلاء الاصاغر فبي فعلتم”.
في تعليقه على ما قاله يسوع، أكد الراعي “أنّنا في مساء الحياة سنُدان على المحبّة الإجتماعيّة، التي فصّلها يسوع على سبيل المثل في ستّ حالات يمرّ فيها كلّ إنسان ويحتاج إلى محبّة الناس تجاهه، وفي الوقت عينه هو مدعوّ ليساعد من هم في إحدى هذه الحاجات”.
موقف رأس الكنيسة المارونية واضح، بالنسبة الى ضرورة “مساعدة” المحتاجين الفقراء. وهذا ما تقوم به الكنيسة عمليا عبر مؤسسات وأنشطة كثيرة. لكني اريد في هذا النص أن أتساءل عن نوع “هذه المساعدة” وحدودها. ابدأ بتعاليم يسوع، لانتقل الى ما قاله البابا، وماذا يمكن ان يكون موقف الكنيسة المارونية منه.
التوفيق أو المساواة بين الحياة الأرضيّة والحياة الأبدية يظهر جليّاً في تصنيف يسوع للوصايا وترتيبها بحسب الأولوية. “الوصية الأولى: أحب الرب إلهك بكل قلبك وكل نفسك وكل فكرك وكل قدرتك. الوصية الثانية مثلها: أحب قريبك مثلما تحب نفسك”.
يدمج يسوع في تعاليمه دائماً بين الوصيتين ويعتبرهما غير منفصلتين. “القريب” في مفهوم يسوع هو الإنسان بالمطلق، ولا يميّز بين الصديق والعدو: “سمعتم انه قيل أحب قريبك وأبغض عدوك. أما أنا فأقول لكم: أحبّوا أعداءكم”. انه حب للإنسانية جمعاء، بغض النظر عن طبيعة العلاقات بين البشر.
لكن حب يسوع للإنسانيّة جمعاء لا يخلو من “تمييز” لصالح الفقراء والمنبوذين. فهو قال: “مرور الجمل في ثقب الإبرة أسهل من دخول الغني ملكوت الله”. وفي المقطع الانجيلي الذي ذكرناه اعلاه حول من يدخل ملكوت السماوات، أعطى الأهميّة الأولى لمن يهتم بالفقراء والمعوزين، لمن يطعم الجوعان ويسقي العطشان ويؤوي الغريب ويكسو العريان ويزور المريض أو السجين.
“إنسانيّة” يسوع لا تخلو من تبنٍّ لنوع من العدالة الاجتماعية. ففي مثلٍ يعطيه عن عمّال في حقل، يدافع عن فكرة إعطاء الحد الأقصى للأجر اليومي وبالتساوي، لجميع العاملين بغض النظر عن ساعات العمل. ويسوع هنا يقترب من المقولة الاشتراكية: “من كل حسب طاقته ولكل حسب حاجته”.
البابا فرنسيس من جهته، وعلى خطى يسوع، صرّح منذ سنوات قليلة: “اما ان تكون الكنيسة كنيسة الفقراء او لا تكون كنيسة المسيح”. يمكننا إعطاء ثلاثة معان مختلفة لتصريح البابا: اولا، ان الكنيسة تضم فقراء فقط، ولهذا المفهوم معناه السوسيولوجي البحت، ولا يترتب عليه بالضرورة مواقف او أعمال محددة. ثانيا، انها مؤسسة تخدم الفقراء، ويمكنها ان تتكون من فقراء وغير فقراء ويكون لها مواقف واعمال متعددة خاصة بالفقراء او بغيرهم. ثالثا، انها تمثل الفقراء في مصالحهم، وتعبر عن ذلك في جوهر مواقفها وأعمالها.
متابعتي لآراء البابا فرنسيس، تجعلني أميل الى الاعتقاد، انه لم يقصد حتما المعنى الاول، وانه يتبنى على الارجح المعنى الثالث.
التجربة والمواقف تؤكد لنا في المقابل ان الكنيسة المارونية تتبنى اليوم المعنى الثاني. وسؤالي حول موقفها مما قاله البابا، ليس افتراضيا ولا نظريا، في محاولة مني لامتحان الكنيسة المارونية في عيد مؤسسها، على ضوء موقف لرأس الكنيسة الكاثوليكية التي تنتمي إليها. فالكنيسة المارونية هي اليوم فعليا، بالمعنى البشري للكلمة، كنيسة فقراء، اذ إن معظم الشعب اللبناني، ومن ضمنهم الموارنة بأكثريتهم، قد أصبحوا فقراء، اي يعيشون دون خط الفقر، او ينزلقون اليه، يوما بعد يوم.
كما أن الكنيسة المارونية تواجه في ظروف لبنان الحالية تحديين آخرين. الاول ان الكنيسة المارونية، كمؤسسة، هي غنية، فيما معظم رعاياها أصبحوا فقراء. التحدي الثاني هو ما قاله الراعي بنفسه، في عظته الاخيرة. فقد أكد بوضوح “ان حالة الشعب اللبنانيّ الذي يعاني من الفقر والجوع، ومن حرمانه الدواء والغذاء، ومن فقدان الحقّ والعدل، إنّما هي نتيجة سوء إداء السياسيّين الممعنيين في خيانة الشعب”. المعالجة لا يمكن أن تقتصر اذا في هذه الحالة على “المساعدات”، بل يجب أن تشمل الصراع مع هذه السلطة باسم الشعب، وفقرائه تحديدا.
انهي نصي كما سبق وأنهيت كتابي “انسانية يسوع”: “مع زحف الفقر إلى بيوت اللبنانيين، لا اعرف بعد كيف سيكون تأثير ذلك على الكنائس المسيحية. هل ستُجيِّر امكاناتها الضخمة لنشل الفقراء من واقعهم، ام انها ستستخدم الفقر لترسيخ المزيد من التبعية بينها وبين رعاياها؟ وماذا سيكون موقف رعاياها من الفقراء، هل سيتشكل عندهم وعي إيماني جديد أقرب إلى ما علّمه يسوع، يضع المحبة قبل الطقوس، ويؤدي بدوره إلى إجبار الكنائس على تغيير سلوكياتها؟
الموقف من السلطة هو موقف من الفقراء. فكلما كانت الكنائس اقرب إلى السلطة، كانت ابعد من الفقراء الذين يعانون تحديدا جراء سياسات هذه السلطة وبشكل لم يعد يحتاج إلى إقناع. فهل يحسم البطريرك الراعي مثلا امره، وبدل ان يدافع عن موقع رئاسة الجمهورية أو حاكمية مصرف لبنان، يأخذ موقفا قاطعا منهما، كلما تعارض سلوكهما مع مصالح الناس والفقراء”؟
المصدر: “النهار”..

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى