مقالات

مـتــــى نـعــــي ونـفـهــــم ونـسـتـــــوعـــــــب؟!.. الجزء (1-2)

خاص “المدارنت”..
“إن المسألة ليست على الإطلاق مسألة أخلاقية؛ فليست أمريكا، في عالمنا المعاصر، هي الفتى القوي الشرير، الذي يجرُّ أصدقاءه معه إلى هاوية الفساد، وإنما الموضوع في أساسه موضوع نظام لا يملك إلا أن يسير في هذا الطريق؛ لأنه هكذا بدأ، وهكذا نما وتوسَّع، وهكذا يتحتم عليه أن يسير.
إن أمريكا، بحكم تكوينها ومصالحها الحيوية، لا تستطيع إلا أن تكون كذلك. أما نحن فما زالت أمامنا فرصة للاختيار، وليس هناك على الإطلاق ما يرغمنا على أن نختار طريقًا ثبت لنا أنه لن ينفع بلادنا الغنية ولا الفقيرة، ولن يوجِّه من ينقاد له إلا إلى طريق الهاوية”.
هكذا، وبهذه العبارات، يختتم د. الراحل فؤاد زكريا، كتابه القيّم هذا، الذي يحتوي على ستة فصول موزعة على خمسين صفحة.
هذا الكتاب، وعلى الرغم من قلة عدد صفحاته “50 صفحة”، إلا أنه غنيًا بأفكاره، وعميقا في طرحه،. فهو كتاب مرجعي لمن أراد معرفة النظام الأمريكي، نشأة وتجذرا وفلسفة ومصالحا.. إلخ، ليس للعامة فقط، بل وللخاصة، ولجميع المؤسسات البحثية والاستراتيجية..
حيث “تَتعالى صيحاتُ البعضِ مطالِبينَ بتطبيقِ النموذجِ الأمريكيِّ في عالَمِنا العربي”، بل إن البعض يتوهم بأن هناك فرقا بين النظام الأمريكي والكيان الغاصب والمغتصب “إسرائيل” (كيان الإرهاب الصهيوني في فلسطين المحتلة)، موهِما نفسه بأنه يستطيع الحد من تلك العلاقة التي تربطهما..
ترى: “فما إمكانيَّةُ تحقيقِ هذا؟!”، حيث “يُناقِشُ هذا الكتاب هذه الفرضيَّةَ، مُؤكِّدًا استحالةَ تطبيقِ التجرِبةِ الأمريكيَّة؛ نظرًا لصعوبةِ تَكرارِ نفسِ الظُّروفِ والاستثناءاتِ التي قامتْ عليها أمريكا؛ فكما يقولُ علماءُ التاريخ: «التاريخُ لا يُعِيدُ نفسَه»، زمانيًّا أو مكانيًّا. ويُرجِعُ المؤلِّفُ اهتمامَ الوِلاياتِ المتحدةِ بالشرقِ الأوسطِ بعدَ الحربِ العالميةِ الثانيةِ إلى ثلاثةِ مَحاور؛ الأوَّلُ وجودُ دولةِ إسرائيلَ والرغبةُ في حمايتِها، والثاني البترولُ وسَعْيُ الوِلاياتِ المتحدةِ للاستفادةِ منه، والثالثُ رغبةُ أمريكا في تطبيقِ أيديولوجيتِها في الشَّرق. وأخيرًا، فإنَّ أمريكا كما يَرى مؤلِّفُنا ليستْ قُوى شرٍّ مُطلَقٍ أو خيرٍ مُطلَق، وإنَّما هي دولةٌ تَسعى للحفاظِ على مَصالحِها، وعلى الشَّرقِ أنْ يختارَ الطريقَ الذي يُحقِّقُ له الخير”.
في الفصل الخامس من هذا الكتاب القيم بعنوان “قضية “إسرائيل)”، يناقش المؤلف العلاقة بين النظام الأمريكي والكيان الصهيوني الغاصب والمغتصب “إسرائيل”، مبيننا العلاقة الجدلية بينهما، ومثبتا زيف الوهم والادعاء الكاذب لمن يرى عكس ذلك.
حيث يقول في هذا الفصل، وهنا أنقله حرفيا من دون تدخلات:
“لا بدَّ لكل من يُبهِره النموذج الأمريكي، ويحلم بتحقيقه في بلده العربي، أن يواجه مشكلة أساسية، هي التوفيق بين إعجابه المُفرط بأمريكا، وبين ما يعرفه عن الارتباط الوثيق بين أمريكا و”إسرائيل”. والذي يحدث عادة هو أن المعجبين بأمريكا يصورون هذا الارتباط بصورة مشوهة، أو مخفَّفة، لا تُعبر عن حقيقته، وإنما تعبر عن رغبتهم — الواعية أو غير الواعية — في الاحتفاظ بصورة نقية لأمريكا من جهة، مع عدم التفريط في موقفهم تجاه “إسرائيل” من جهة أخرى. وتدور هذه الصورة المُشوَّهة عادة حول فكرة رئيسية، هي أن الارتباط بين أمريكا و”إسرائيل” مُؤقَّت، وأن في استطاعة العرب، لو أجادوا استخدام الأساليب السياسية والديبلوماسية، أن يفكُّوا هذا الارتباط، ويوجِّهوا السياسة الأمريكية نحو الانحياز لهم، وأن يضمنوا على الأقل وقوفها على الحياد، بحيث تتَّخذ في نهاية الأمر خطًّا متوازيًا بين الطرفين.
هذه الفكرة تستهدف في واقع الأمر، أن توفِّق بين شيئين لا يمكن أن يتلاقيا، وهما الحرص على إرضاء أمريكا من جهة، والتصدي لإسرائيل من جهة أخرى. والواقع أنه، إذا كانت أحداث الأعوام الثلاثين الأخيرة قد أثبتت شيئًا، فهو أن الارتباط بين أمريكا و”إسرائيل” ارتباط عضوي لا ينفصم، وأننا لا يمكن أن نكون جادِّين لو حاولنا أن نحتفظ بصداقتنا لأمريكا، وأن نقف في الوقت ذاته موقفًا حازمًا في وجه النزعة التوسُّعية الإسرائيلية. فهذان موقفان لا يجتمعان، وكل تجاربنا السياسية الماضية تثبت ذلك.
فكل من يختار البديل الأول، أعني صداقة أمريكا وتأييد اتجاهاتها العامة وترك المجال أمامها لكي تتغلغل استراتيجيًّا واقتصاديًّا في المنطقة، لا بدَّ أن ينتهي به الأمر إلى موقف متهاون في القضية الأخرى، قضية “إسرائيل”. وكل من يأخذ البديل الثاني مأخذ الجِد، أعني من يريد الوقوف بحزم وصلابة في وجه الأطماع الصهيونية، لا بد أن يصطدم، بشكل أو بآخر، بالمصالح الأمريكية، وأن يتخلَّى عن وهم الاستعانة بأمريكا من أجل زحزحة إسرائيل عن مواقفها.
هذه هي القضية في شكلها البسيط، الصريح، الذي لا يعرف الالتواء أو المواربة.
•••
إن موقف أمريكا من “إسرائيل” يرتبط ارتباطًا جوهريًّا وأساسيًّا بقضية البترول، ومنذ اللحظة التي أدركت فيه أمريكا خطورة الثروة البترولية الكامنة في الأرض العربية على مصالح الغرب كله، اقتصاديَّا واستراتيجيًّا، اتخذت قرارها الحاسم: وهو أن تقف إلى جانب “إسرائيل” على طول الخط، وأن تحافظ على وجودها كما لو كانت ولاية أمريكية، أي كما لو كان الاعتداء عليها اعتداء على أراضي أمريكا ذاتها، وأن تُؤيِّد جميع مطالبها، مشروعة كانت أم غير مشروعة، على حساب العرب.
وإني لأكاد أُجزم، عن طريق الاستنتاج وحده، بأنه يوجد في مكان ما من أدراج مكاتب صانعي السياسة الأمريكية، تقرير أو تخطيط استراتيجي أساسي وُضِع في أعقاب الحرب العالمية الثانية، يوجِّه السياسة الأمريكية إلى تأييد إقامة دولة لـ”إسرائيل” على أرض فلسطين، وإلى تبنِّي القضية الصهيونية، والاعتماد على إسرائيل بوصفها الركيزة الكبرى للسياسة الأمريكية في المنطقة. هذا التقرير لا بدَّ أنه يستند إلى أساسين مترابطين:
الأساس المباشر: هو أن “إسرائيل” خير ضمان لتدفُّق البترول العربي، بإمكاناته الهائلة، إلى مصانع الغرب وشركاته.
والأساس غير المباشر: هو أن وجود “إسرائيل” سيخلق مشكلة سياسية وعسكرية وحضارية كبرى لسكان المنطقة العربية، تحتل مكان الصدارة في تفكيرهم، وتشغلهم عن قضاياهم الأخرى، وتمتص طاقاتهم الاقتصادية وتوقف نمو بلادهم، بحيث تظل في حاجة دائمة إلى العون الخارجي والعون الأمريكي بوجه خاص، وبحيث ينتهي بها الأمر إلى الاستعانة بأمريكا نفسها ضد “إسرائيل”، أي بأمريكا ضد أمريكا!
وأكاد أجزم بأن هذا التقرير الأمريكي يُحذِّر صانعي السياسة في هذا البلد من أن إمكانات العرب البترولية يمكن أن تخلق في المنطقة العربية دولة كبرى في المدى الطويل، وذلك إذا تجمعت الثروة البترولية مع إرادة الوحدة بين شعوبها، وإذا أمكن التوفيق بين ضخامة الموارد البشرية لبعض البلاد العربية (مصر مثلًا)، وإمكانات الاستغلال الواسعة النطاق في بعضها الآخر (السودان والعراق مثلًا) وتوافر الموارد المالية عند بعضها الأخير (البلاد البترولية). مثل هذه الدولة ذات الإمكانات الضخمة يمكن أن تشكل خطرًا جسيمًا على مصالح الغرب، لأنها ستوجِّه مواردها لخدمتها هي ذاتها قبل كل شيء، ومن هنا كان لا بد من الحيلولة دون سير تاريخ المنطقة العربية في هذا الاتجاه.
وأكاد أجزم أيضًا بأن هذا التقرير قد انتهى إلى أن هناك وسيلتين رئيسيتين لتوجيه الأحداث في المنطقة العربية على النحو الذي يحول دون إقامة هذه الدولة العربية القوية، المُوحَّدة، الغنية، المستنيرة.
الوسيلة الأولى: هي إقامة “إسرائيل” كجسم غريب، مدجج بالسلاح، في قلب الأرض العربية.
والثانية: هي إدخال لعبة الانقلابات العسكرية في الوطن العربي، وإخضاع أهم وأكبر شعوب المنطقة لأنظمة حكم أُحادية الرأي، أُحادية الاتجاه، تقمع كل معارضة، وتتخذ من الاستمرار في الحكم هدفًا يعلو على كل هدف آخر.
ولو تأملنا الارتباط الوثيق بين هاتين الوسيلتين، والتوافق الزمني العجيب بين قيام دولة إسرائيل ووقوع أول انقلاب عسكري في المنطقة، لأدركنا إلى أي حد نجحت أمريكا في تنفيذ هذا المخطط الاستراتيجي الأساسي.
* فصل من كتاب: “العرب والنموذج الأميركي”، للكاتب الراحل د. فؤاد زكريا/ تاريخ الإصدار الأصلي في العام 1980/ الفصل الخامس/ قضية “إسرائيل”.
“يتبع”

د. محمد الحسامي/ اليمن
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى