مقالات

متى يتوقف العرب عن أن يكونوا مكسر عصى؟

معتز فخر الدين/ لبنان

خاص “المدارنت”

متى يتوقف العرب عن أن يكونوا مكسر عصى؟
من الاستجابة عند الخطر إلى المبادرة لبناء الأمن القومي العربي

كيف تتكرر الاعتداءات على الدول العربية، فيما يبقى الرد العربي متفرقاً، وتجد كل دولة نفسها مضطرة إلى البحث عن وسائل حماية أمنها بمفردها؟ لا تنقص العرب الموارد ولا الإمكانات، لكنهم لم ينجحوا في تحويلها إلى قوة سياسية واستراتيجية تحمي مصالحهم. وهكذا، بدلاً من أن يكونوا شركاء في تقرير مصير منطقتهم، يجدون أنفسهم أمام نتائج صراعات لا يملكون مجتمعين الأدوات الكافية للتأثير في مساراتها.

ليست هذه أزمة طارئة، ولا يمكن تفسيرها بالخلافات الراهنة وحدها. فمنذ عقود، تتكرر الدعوات إلى التضامن والعمل العربي المشترك، لكن المسافة بين الخطاب والممارسة ظلت واسعة. واتفاقية الدفاع العربي المشترك قائمة منذ زمن طويل، ومع ذلك لم تتحول إلى منظومة فاعلة تضمن موقفاً عربياً واضحاً عندما تتعرض دولة عربية لاعتداء. المشكلة ليست في نقص الاتفاقات، بل في غياب الإرادة السياسية التي تحولها إلى التزامات فعلية.

والسكّين التي وصلت إلى رقاب الجميع؛ لم تُنتج بعد إرادة مشتركة. سدّ يخنق مصر، وحروب بالوكالة تحاصر الخليج العربي، وأزمات أضعفت مؤسسات الدولة في عدد من البلدان العربية، والكيان الصهيوني يوسّع عدوانه، وحدود تُختبر كل يوم. تختلف هذه المخاطر في أسبابها وطبيعتها، لكن اجتماعها يضع العرب أمام سؤال لا يجوز تأجيله: كيف يمكن لدول تتعرض مصالحها وأمنها لمخاطر متشابكة أن تظل بلا إطار جدي لتنسيق مواقفها وتقدير الأخطار التي تواجهها؟ والسؤال لم يعد: “هل نحتاج مشروعاً عربياً للأمن؟” بل: “متى ندرك أن التأجيل نفسه صار خطراً؟”.

لا يمكن إنكار أن الخلافات العربية عميقة، وأن دولاً عدة منشغلة بأزمات داخلية تستنزف قدراتها، كما في السودان وليبيا واليمن ولبنان والعراق. والجزائر — بقوتها العسكرية — تقف خارج أي ترتيب عربي جامع، ولها اعتباراتها السيادية التي لا يمكن تجاهلها. كذلك، لا تتطابق حسابات الدول العربية ولا تقديراتها لمصادر الخطر، وبعضها يراهن على علاقات مع قوى خارج المنطقة لتأمين مصالحه. لكن انتظار زوال هذه الخلافات قبل البدء بأي عمل مشترك يعني تأجيل المشروع إلى أجل غير معلوم. فالعمل العربي لا يحتاج إلى اتفاق على كل شيء بقدر ما يحتاج إلى تحديد المصالح التي يمكن الالتقاء حولها والاستعداد للدفاع عنها.

من هنا، يمكن التفكير في نواة صلبة من الدول القادرة والمستعدة للالتزام بتعاون أمني ودفاعي واضح، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام سائر الدول العربية. لا يتعلق الأمر بإنشاء محور جديد أو تكتل يستبعد الآخرين، بل بإطلاق مسار قابل للتوسع، يبدأ بالتشاور المنتظم وتبادل المعلومات والإنذار المبكر والتنسيق الدفاعي. أما اشتراط الإجماع الكامل منذ البداية، فقد يتحول إلى وسيلة لتعطيل أي خطوة، حتى عندما تكون الحاجة إليها واضحة. فانتظار اكتمال النصاب العربي يعني انتظاراً أبدياً، والتجربة العربية — من اتفاقية الدفاع المشترك إلى غيرها — تشهد بأن الشمولية كانت دائماً ذريعة التعطيل.

ولا يعني بناء قدرة عربية مشتركة أن تتخلى الدول عن علاقاتها الدولية أو التحالفات التي تراها ضرورية لأمنها. المقصود ألا تصبح تلك العلاقات بديلاً من القدرة العربية، وألا يبقى أمن المنطقة معلقاً على حسابات قوى خارجية قد تتغير أولوياتها أو تتراجع التزاماتها عندما تتعارض مع مصالحها.

في هذا السياق، تكتسب استعدادات مصر لتقديم الدعم اللازم للمملكة العربية السعودية، إذا طلبت ذلك، أهمية تتجاوز الموقف الثنائي بين البلدين. فالتضامن المصري السعودي ركيزة أساسية، لكن اللحظة تطرح على القاهرة سؤالاً أكبر من حدود الاستجابة: هل تنتظر مصر أن يُطلب منها التحرك كلما تعرضت دولة عربية للخطر، أم تبادر إلى جمع الدول القادرة على العمل حول تصور مشترك للأمن العربي؟

ومع ذلك، فإن ما أُعلن حتى الآن يبقى في حدود الاستجابة، لا المبادرة. فمصر — التي طالما كانت قلب المشروع القومي العربي — لم تتقدم بعد بطرح واضح لإطار أمني عربي، واكتفت بانتظار الطلبات بدلاً من صناعة الإجماع. وهذا التقصير لا يُحسب على مصر وحدها، لكنه يضع عليها مسؤولية أكبر: فمن يملك الثقل الأكبر يتحمل تبعة المبادرة الأولى. والسؤال إذن ليس عن نية مصر، بل عن توقيتها: متى تتحول القاهرة من موقع المستجيب إلى موقع المبادر؟

والنقد هنا ليس تجريحاً، بل مطالبة بما تستحقه مصر من دور. فمصر، بما تملكه من ثقل سكاني وعسكري وثقافي وموقع استراتيجي يجسر المشرق بالمغرب، تستطيع أن تدفع باتجاه انتقال عربي من التعامل مع الأزمات بعد وقوعها إلى بناء قدرة تحد من احتمالاتها وآثارها. وإذا كانت الظروف الراهنة قد أعادت أمن السعودية وأمن البحر الأحمر إلى الواجهة، فلا ينبغي أن تنتهي المعالجة عند حدود الخطر المباشر، بل أن تصبح مناسبة لطرح إطار أوسع يحمي المصالح العربية ويمنع ترك كل دولة لمواجهة الأخطار وحدها. فالردع يمنع الحرب، والتنسيق الدفاعي يبني الثقة، وبناء الأمن المشترك يمنح الحوار السياسي قوة، ويجعل احترام السيادة مصلحة محسوبة لا مجرد مطلب أخلاقي.

يمكن أن تبدأ الخطوة بدعوة مصرية إلى قمة عربية استثنائية تبحث تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك وتطوير آلياتها، لا الاكتفاء بإعادة تأكيد مبادئها. والمطلوب أن تبحث القمة ما يمكن تنفيذه فعلياً: تبادل المعلومات، والإنذار المبكر، والتنسيق الدفاعي، وآليات التشاور والتحرك عندما تتعرض سيادة دولة عربية أو أراضيها لاعتداء.

لن تستطيع مصر إنجاز هذا المشروع بمفردها، كما لن ينجح من دون شراكة سعودية فاعلة ومشاركة الدول العربية المستعدة لتحمل مسؤولياتها. لكن المبادرات لا تبدأ باجتماع جميع الأطراف على كل التفاصيل، بل بطرح رؤية واضحة، وحشد الإرادة السياسية حولها، ثم معالجة الخلافات من خلال التفاوض والتوافق.

إن الترتيبات الأمنية التي تشهدها المنطقة تطرح على العرب سؤالاً لا يجوز تجاهله: هل سيبقون متلقين لنتائج التحولات التي تصوغها القوى الأخرى، أم سيعملون على بناء إطار يعبّر عن مصالحهم ويحفظ استقلال قرارهم؟ فليس المطلوب الدخول في مواجهة مفتوحة مع إيران أو الكيان الصهيوني أو أي قوة أخرى، بل امتلاك القدرة على حماية الدول العربية ومنع تحويل أراضيها وممراتها الحيوية إلى ساحات لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية من دون أن يكون لها موقف مشترك مؤثر.

لقد دفعت الدول العربية أثماناً باهظة لتفرقها، لكن الدرس لم يتحول بعد إلى سياسة. فلا التضامن الذي يظهر عند وقوع الاعتداء يكفي، ولا الضمانات التي تطلبها كل دولة على حدة توفر أساساً مستقراً لأمن المنطقة.
العرب ليسوا مكسر عصى بسبب ضعف مواردهم أو عجز شعوبهم، بل حين يعجزون عن تحويل إمكاناتهم المتفرقة إلى قوة سياسية واستراتيجية مشتركة. ولن يتغير هذا الواقع بتجديد الدعوات إلى التضامن، بل بإرادة سياسية تترجم المصالح المشتركة إلى التزامات فعلية. فليكن شعار المرحلة: لا انتظار للخطر، بل بناء لقدرة تمنعه.

إن مساندة المملكة العربية السعودية عند طلب المساعدة واجب، لكن المبادرة إلى بناء أمن عربي يحمي السعودية ومصر وسائر الدول العربية مسؤولية تتجاوز الموقف الآني إلى مستقبل المنطقة بأكمله. إن مصر التي تملك الثقل السكاني والعسكري والثقافي، والتي كانت دائماً حجر الزاوية في أي مشروع عربي، لا يُقبل منها أن تبقى في موقع المنتظر. فالمبادرة ليست تفضلاً على العرب، بل استحقاق لدورها. ومتى تأخرت، فإن الفراغ الذي تتركه لا يملؤه أحد — بل تملؤه قوى أخرى لا تحمل مصالح العرب على أولويّاتها.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى