مقالات

متى “يزورنا” الله؟

      د. بكري/ البرازيل

//خاص المدارنت//..

كتب د. بلال رامز بكري.. يزور العبادُ خالقَهم في كل عام، ولهذا يُطلق عليهم لقب “ضيوف الرحمن”. ولكن هل يزور اللهُ عبادَه؟ نعم، إن الله جلّ وعلا يزور عبادَه، ويكرمهم عظيم الإكرام، بحضوره الجليل في كلّ مرّة يقفون فيها مع المظلومين ضدّ الظالمين، في كلّ مرّة يكفكفون فيها دموع اليتامى والمحزونين، في كلّ مرّة ينصرون فيها الحق ويواجهون الفاسدين والمبطلين. إن اللهَ سبحانه وتعالى يزورُ عبادَه، في كلّ مرّة يقتربون فيها من ضمائرهم، ويبتعدون عن أهوائهم الفاسدة، ونزعاتهم المتسلّطة والمتجبّرة والكارهة للحق.

 إن الله سبحانه تعالى، يزور كلّ ربّ أسرةٍ يعطف على أهل بيته ويرفق بهم، ويجبر خواطر الضعفاء منهم، ويسعى الى إقامة أَوَدِهم. ويزور ذلك الرجل المتسامح مع زوجته، الذي يتغاضى عن زلّاتها، ويعينها على أعباء الحياة، ويتفهّم كافة احتياجاتها الروحانية والنفسية والمعنوية والجسدية، ويسارع إلى تلبيتها من دون تقصير أو تلكؤ. ويزور الأب العطوف على أبنائه، الذي يسعى إلى تنشئتهم تنشئة صالحة، وجعلهم أفرادًا ناجحين ومنتجين في الحياة.

إن الله سبحانه وتعالى، يزور المرأة التي تقوم بواجباتها مع زوجها وأبنائها. فتسهر على راحتهم، وتحرص على تأمين احتياجاتهم، وتقوّم اعوجاجهم، وتقيل عثراتهم، وتتسامح في الهفوات والزلّات، وتضع نصب عينيها إنشاء أسرة سعيدة، تكون النواة لمجتمع سعيد صالح. فالمرأة الصالحة الصابرة المجاهدة من أجل زوجها وأسرتها يزورها الله كلّ حينٍ وآنٍ، لأن مثلها لا يستطيع إلا الله إيفاءها حقّها، وإعطاءها أجرها الجزيل الجديرة به.

 والربّ جلّ وعلا، يزور واصلي الأرحام، واللّينين السهلين في تعاملهم مع الأقارب والأباعد، أولئك الذين يبغضون البغضاء، وينفرون من الشحناء، ويفرّون من الغلّ والأحقاد. هؤلاء يزورهم الله، وإن لم يزوروا بيته المعظَّم وحرمه المَصون، لأنهم الساعون بالسلام والمحبّة بين الناس، الناشرون للمودة والتراحم، والحريصون على سعادة ورفاه إخوانهم من بني البشر.

 والمولى عزّ وجلّ، يزور المتحابّين فيه، المتواددين في ظلّ رحمته وجلاله، المتراحمين تراحمًا يذلّل الصعاب، وييسّر العسير، ويعين على الشدائد. فالمحبّة والمودّة والتراحم ليست مجرد ألفاظ تنطق وكلمات تُقال، إنها تتطلّب الشجاعة والمثابرة والتواضع والإيمان العميق. وهذه صفات عباد الله المخلَصين، وهذه خصالهم، التي تطبع سِيَرهم وحيواتهم. وهذه الزيارات من الخالق جلّ في علاه، لا ترتبط بمواسم ومواعيد ومواقيت، ولكنها خالدة تالدة دائمة، ما دامت المحبّة وما دامت المودّة وما دام التراحم.

أما عندما يزور العبادُ خالقَهم، فإنّ لهم موقفًا في عرفات. ولكن رويدًا أيها الحاجّ وأيتها الحاجّة، فإن موقفكما في الحياة مع القريب والبعيد، وفي السرّ والعلن، هو أعظم شأنًا وأوصل قربة عند الله من موقفكما في عرفة. فإن كان موقفكما في عرفة شعيرة من شعائر الله، فإن موقفكما في الحياة هو الشعور الحقيقي بالتقوى. فبئس الذي وُفِّقَ بالشعيرة ولكنه حُرِمَ الشعور. وطوبى للذي حُرِمَ الشعيرة ولكنه فاز بالشعور. فلا غاية من الشعيرة إلا الشعور، لو كنتم تعلمون يا معشر الحُجّاج، ولموقفك في الحياة أيها الحاجّ، أعظم من موقفك في عرفة لو كنت تدري. فإن المواقف المشرّفة والنبيلة في الحياة تتواكب بلا ريب، مع زيارة الله لصاحب أو صاحبة الموقف.

 ويزور الله سبحانه وتعالى عبادَه وزوّاره وضيوفه، عندما يدركون أن السعي بين الصفا والمروة هو في صميمه سعيٌ نحو الصفاء والمروءة. فإن كان السعي بين الصفا والمروة يتم في زمنٍ قد لا يتجاوز الساعة، مشيًا وهرولةً على القدمين، فإن السعي نحو الصفاء والمروءة قد تفنى الأعمار دونه، وهو الغاية الأسمى للأمة التي خلق الله لها شعائره، لكي يعظّموها شهادةً على تقوى القلوب، فيسمو بها الشعور، ويرتقي بها الإحساس، وتنبل بها الأهداف والغايات. فهل توجد غاية أسمى من الصفاء والمروءة؟ ولا شكّ أنهما عندما يتحققان ويصبحان واقعًا ملموسًا، فإن الله يزورنا أنّى كنّا ولأيّ عصر أو جيل انتمينا.

 ويزور ربّنا الأكرم عباده، عندما يتمثّلون بأبي يزيدٍ البسطامي، ذلك الصوفي الذي أدرك أن الطواف حول الفقراء، هو أجلّ وأرفع وأقدس من الطواف حول الكعبة المشرّفة. فأولئك العباد الذين يقتربون من الفقراء والمساكين، ويسارعون الى تلبية حاجات المحرومين وجبر خواطر البائسين، أولئك يزورهم الله، وإن لم تكتب لهم زيارة بيته العتيق، وتكحيل عيونهم بالنظر إلى الكعبة المشرّفة.

ويزور ربّ العالمين عباده، عندما يدركون إدراكًا عميقًا أنّ نحر الأهواء والمطامع والأنا القتّالة الفتّاكة، وأن التضحية بالجشع وبالشره والحرص على المال والسلطة، أنها أهمّ وأعظم من نحر الهديْ ومن تقديم الأضاحي قربانًا إلى الله. يزورنا الله، عندما ندرك أن النحر والتضحية ليست مجرّد شعائر وطقوس، وإنّما معاني جليلة وغايات نبيلة علينا أن نتقصّاها، ونتعمق في دلالاتها، ونسعى إلى إحيائها في قلوبنا وفي ممارساتنا.

وحبّذا، لو ندرك أن زيارة الله لنا، أهمّ وأعظم من زيارتنا إياه، وكلا الزيارتين عظيمة وجليلة ومهيبة. ولكن الله جلّ وعلا، يريد منا أن نزوره لكي نتهيّأ وجدانيًا وروحانيًا لزيارته لنا، ولكي يذكّرنا أنّنا لا يمكن أن نكون عبادًا صالحين، إن لم نحسن ضيافة ربنا، كما هو جلّ وعلا يرأف بنا ويكرمنا، ويرحمنا في موسم الحج وفي سائر المناسك.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى