مقالات

مفهوم الهوية.. هل للأمة هوية؟! هل للوطن هوية؟!.. الجزء (3/2).

د. مخلص الصيادي/ الشارقة

خاص “المدارنت”..

مستويات الهوية
وإذ كرم الله الانسان بـ“العقل والمسؤولية”، فإن الانسان بهذا التكريم بات يقف على الأرضية التي يقف عليها بنو البشر جميعا، والتمايز بين الناس، والتفاضل بين الناس يكون بالعمل، وبما يقدم كل فرد لنفسه ولمجتمعه وللإنسانية جميعا، وبهذا التكريم يكون الله جل وعلا أعطى للإنسان هويته الأولى، باعتباره إنسانا، وجعل هذه الهوية سنة من سنن الكون، وهي سنة لا تتبدل ولا تتغير، وليس لأحد فضل فيها ولا منة عليها، ولا تميز فيها. هي عطاء من الله لكل البشر، ولكل المجتمعات، ولكل الأزمان، وفي كل الأماكن. هذا هو المستوى الأول للهوية، أو لنقل الهوية الأولى والأصيلة التي تميز الانسان، وهي بطبيعتها تفترض أن تكون كل هوية لاحقة منسجمة مع هذه الهوية الإنسانية الأصيلة وداعمة لها ومعززة لوجودها وميسرة لآليات تفاعلها وإبداعاتها.
يقول الله تعالى: “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم”. الحجرات 13.
ويقول تعالى: “ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون”. الروم 21.
ويقول الله تعالى: “ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين” الروم 22.
ليس لذكر فضل على أنثى ولا لأنثى على ذكر، وليس لأبيض فضل على أسود، ولا لأسود على أبيض، وليس لعربي فضل على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي.
ثم بعد هذه الرتبة من المساواة، وهذا المستوى من الهوية التي منحها الله للإنسان، والتي تميزه عن غيره، تأتي كل هوية أخرى، ويأتي كل تميز آخر، وكل ما سيأتي تحت هذه الرتبة يجب أن يكون منسجما معها منضويا تحت ردائها.
الكل في سنن الله واحد، ولا ينتج أو يتخلف عن هذه الوحدة والرتبة أي تميز أو مكانة أو دور، وإنما التميز والمكانة والدور يتولد عما يقدم الإنسان لنفسه ومجتمعه والإنسانية كلها، ويتولد كذلك عن مقدار ما ينسجم ما يقدم مع سنن الله في كونه، وهداية الله للإنسان.
لقد خلقنا الله للتعارف والتعاون والتفاعل والعطاء، وإذ نتحدث عن الهوية، فإننا نتحدث عما هو في عمق الانسان، عمق عقله، ووجدانه، وخلقه، وفكره، ذلك المختزن في “القعر العميق” الذي يحقق له أكبر قدر من الاستقرار، والذي يتولد عنه الإحساس بالانتماء، والذي يؤثر في خيارات الانسان ويفتح له سبل التفاعل والعطاء. أي يجعله في أفضل حالات العطاء.
وهذه هي الهوية الثانية التي تصوغ الانسان في مجتمعه، والتي نبحث فيها وعنها، ونحاول ان نحدد مكوناتها.
وعلى خلاف الهوية الأولى المعبرة عن سنن اجتماعية أودعها الله في البشر، فإن هذه الهوية “مكتسبة”، يصنعها الإنسان في مسيرته التاريخية الاجتماعية، وينميها ويهذبها ويرسخها بما يتيح له بناء مجتمع إنساني فاعل ومبدع.
وإذا كان الهوية الأساسية للإنسان مستمدة من كونه “إنسان”، فإن هويته الثانية المتفرعة عن هذه مستمدة من كونه كائن اجتماعي مسؤول، أي أن التفاعل مع غيره سمة من سمات الإنسان، وبناء علاقات ومجتمعا وبيئة يعطي من خلالها ويتفاعل هو المعنى الحقيقي لقولنا إنه كائن اجتماعي، لذلك فإن هويته الثانية بعد الهوية الإنسانية هي تلك التي تتيح له هذا العطاء وتفتح له سبل التفاعل والبناء.
هذه هي الهوية التي نبحث فيها، ونعمل على تحديد عوامل تكونها ونموها، ونحن نفعل ذلك بهدف أن نحدد أفضل فضاء لعملنا وتفاعلنا، وكذلك لنحدد مسؤوليتنا تجاهها.

في علوم الطبيعة، علوم المادة، الحيوية وغير الحيوية، على اختلاف تنوعها، تكون الصفات الجوهرية صفات ثابتة هي التي تحدد هوية المادة محل البحث، أما في العلوم الإنسانية، التي تتعامل مع الانسان باعتباره كائن اجتماعي فإن الصفات الجوهرية التي تحدد هويته هي صفات مكتسبة تم اكتسابها عبر زمن ممتد حتى صارت ملاصقة للإنسان ومجتمعه، يعرف بها وتعرف به.
وإذ نثبت صفة “الاكتساب” للهوية، فإننا بذلك نقرر حقيقة أنها تمثل حالة حيوية تزداد فعالية ونموا وتجذرا، أو أنها تنحو في الاتجاه الآخر أي تتجه نحو التراجع والضعف والتفتت. لكنها على الوجهين تحتاج إلى زمن ممتد، وإلى ظروف ذاتية معينة، وإلى حاضنة وبيئة محيطة فاعلة.
إن اللغة، والعقيدة، والجغرافيا، والاستقرار، عوامل مجتمعة قادرة على إعطاء الانسان هوية خاصة به، وعلى توفير ظروف قيام بيئة اجتماعية توفر فرص الابداع والعطاء لهذا الانسان في إطار مجتمعه الخاص.
إن عطاءات الانسان وابداعاته الفنية والأدبية والفكرية والروحية أو لنقل كل عطاءاته الحضارية كلها تزهر في بيئة تتوفر فيها هذه العوامل، فيزيد الانسان بعطاءاته هذه قيمة وقوة وفعالية تلك العوامل، أي أن التفاعل يظهر على حقيقته بين الانسان وهويته، فتتيح له هذه الهوية فرص العطاء والتقدم، ويتيح بعطائه لهذه الهوية التجذر والجاذبية.
ولأن هذه العوامل بطبيعتها عوامل راسخة عنيدة مقاومة وقادرة على مواجهة التحدي، فهي بالتالي تسمح لنا أن نشير إليها باعتبارها الصفات الجوهرية النوعية لمعنى الهوية.
الغزو الأبيض للقارة الأميركية استطاع أن يدمر ويقتلع هوية مجتمعات القارة الأمريكية المكتشفة، بتدمير تلك المجتمعات وإبادتها بشريا، وقد تمكن من ذلك عبر سلسة من الجرائم والمذابح لا نظير لها، كشفت عن أسوأ ما في الانسان حينما يفقد عناصر هويته الأولى والأساسية باعتباره إنسان. وأسوأ ما تلك المجتمعات حينما تنطلق من عقالها لا يوجهها إلا الجشع العنصري البغيض بعد أن تملك من القوة ما يستطيع بها أن يشبع ذلك الجشع.
الاستعمار الفرنسي الذي اخترع فكرة أن الجزائر قطعة من فرنسا، وجعلها المبرر لإلغاء هوية الشعب الجزائر لم يجد ما يساعده على تحقيق غايته إلا ان ينسف هوية هذا الشعب بالعمل على تغيير دينة ولغته باعتبارهما الأكثر رسوخا وتعبيرا عن هوية المجتمع بعد أن فات بفعل عوامل عدة فرصة إبادة هذا الشعب.
الاستعمار العنصري الأبيض لجنوب إفريقيا عمل جاهدا بالعنف والاستعباد والفصل العنصري كي يفرض هوية خاصة عنصرية بيضاء لمجتمع جنوب افريقيا وأن يغير الهوية الأصيلة لذلك المجتمع، لكنه عجز عن ذلك رغم كل ما فعله، ورغم كل الدعم الذي تلقاه من الغرب الاستعماري.
والاستعمار الصهيوني الاستيطاني في فلسطين المحتلة عمل ولا يزال عبر سياسة عنصرية ثابتة تتضمن الإرهاب والتهجير والطرد والاستيلاء على الأراضي والتمييز العنصري أن يدمر المجتمع الفلسطينية وأن يغير هويته.
لقد ارتبط النجاح الوحيد في تغيير هوية مجتمع وشعب بعملية الإبادة، إبادة الشعب إبادة حقيقية، قتل كل الناس، كل الهنود الحمر للسكان الحقيقيين لتلك البلاد، وخلاف هذا النجاح فإن كل المحاولات الأخرى رغم فظاعة ما تقوم به وتقترفه من جرائم، باءت بالفشل، وما بقي منها يقاوم هذا المصير فإن الفشل هو نهايته المحتومة مهما طال الزمن، فقد مضى عهد “الإبادة”، وما دام الانسان في مجتمعه موجود، فإن المقاومة مستمرة، وقدرة الهوية في التصدي لكل محاولات تفكيكها مؤكدة.
في مسار إنشاء الكيان الصهيوني وهو مسار أقامته ورعته قوى الاستعمار الغربي ومازالت، كانت سياسة تدمير وتفكيك الهوية الوطنية والقومية للفلسطينيين سياسة ثابتة: القتل والإرهاب، التهجير القسري، الاستيلاء على الأراضي وإقامة المستوطنات، العمل على اصطناع هوية لشتات اليهود المستقدمين الى فلسطين كي يصنعوا منهم شعب وأمة.
في عموم سياستهم تجاه اليهود يريدون أن يلغوا فعل التاريخ الحقيقي للمكون اليهودي، التاريخ المرتبط بمسارهم ومجتمعاتهم وعطاءاتهم في تلك المجتمعات، ويصطنعون مقابل ذلك كله تاريخا خاصا لهؤلاء، يقوم على “الدين العرقي السلالي”، ليجمعوه فيه ويريدون أن يعيدوا استنبات لغة موحدة لليهود.
ومن أجل تصنيع هذه الهوية فإنهم يزيفون قواعد علم الاجتماع حينما يخرجون اليهود من المسار التاريخي لتكًونِ وقيام المجتمعات فيجعلونهم خارج هذا المسار، وكثير من هذا المسار مسار ملتحم عضويا بالحضارة العربية الإسلامية وبالمجتمع العربي المسلم، بحيث يستطيعون هم وحدهم أن يتجاوزوا آلاف السنين ليصلوا ما انقطع من سالف تاريخ أولئك اليهود من بني إسرائيل، بحاضر ما تتم إقامته من مجتمع لليهود في فلسطين المحتلة، وفي هذا المسار فهم يزورون التاريخ، ويجهدون لاستنطاق الحجر والأثر عله يسعفهم فيما يريدون، بل إنهم يذهبون إلى أبعد من ذلك فيسرقون ويزيفون المنتج الاجتماعي الفلسطيني على تنوعه من الآداب إلى الأزياء إلى العادات، إلى أنماط الطعام بغية وضع حجر في تصنيع تلك الهوية المزيفة.
ومع كل هذا الجهد المكثف، ومع وقوف كل قوى الغرب الاستعماري والقوى الدولية العظمى إلى جانب هذا الهدف، ومع ما نراه راهنا من انتصارات يحققونها على غير صعيد لصالح هذا المشروع، ومن هوان وانصياع لأطراف عدة في النظام العربي، فإن الفشل هو المصير المحتوم.
والسبب الرئيس لمصير الفشل الذي ينتظر هذا المشروع الصهيوني أن الهوية راسخة عصية على الإزالة، وعلى التفتيت والتذويب، وأن صاحب هذه الهوية المستهدفة محاط من كل جانب بمن يحمل الهوية نفسها، فتكون هذه الإحاطة قوة حماية إضافية له.
هوية الشعب الفلسطيني هي التي تقاوم هوية الكيان والمشروع الاسرائيلي، وهي التي تنبت المقاومة المسلحة، والمقاومة غير المسلحة، وتغذيهما، وهي التي رسخت في أرض فلسطين المحتلة عام 1948، وجودًا فلسطينيًا مهما، فتجاوزت به محنة التهجير والمذابح، وباتت الآن الهوية الفلسطينية داخل مجتمع الكيان أحد عناوين فشل المشروع الصهيوني، وهي التي تعطي الأسرى الفلسطينيين في سجون العدو، والمهجرين واللاجئين الفلسطينيين في كل مكان القدرة على مواجهة كل الظروف الصعبة التي تحيط بهم والأمل في ان يستعيدوا كامل حقهم.
هي الهوية، هي الجوهر الاجتماعي المميز للإنسان في مجتمعه، وللمجتمع في محيطه الإقليمي والإنساني.
الهوية هي المكون الرئيسي لشخصية الإنسان، وذاكرته، التي تنتج في داخله حالة من الاستقرار والاطمئنان النفسي، وتمده بالقدرة على البذل والعطاء والتضحية، لذلك فإن من خصوصياتها أنها تختزن في داخلها اللغة والعقيدة والجغرافيا والتاريخ، أو لنقل إنها الناتج الحقيقي لتفاعل اللغة والعقيدة والجغرافيا والتاريخ، وعن تفاعل هذه العوامل تتولد العادات والتقاليد وأساليب الحياة وأنماطها، وحين ينتقص أي من هذه المكونات فإن خللا ما يصيب هوية الانسان/ المجتمع، فيتحول من حالة الاستقرار إلى حالة الحرج والقلق، ويبقى هكذا حتى يستعيد استقراره، أي يستعيد ما سلب منه، فيتجاوز النقص الذي طرأ عليه، فقلق الهوية بانتقاص أي من عناصرها أو العدوان عليه لا ينتج استقرارا في المجتمع وإنما يزيد من حالة هيجانه واضطرابه.
إن أكثر من يدرك هذه الأهمية والتأثير والوظيفة للهوية هم المهاجرون واللاجئون، الذين اضطرتهم ظروف طارئة ليتحولوا إلى هذه الحالة، وهم يعيشون في غربة حقيقية، وتنتقل هذه الحالة من جيل إلى آخر حتى يصل الأمر إلى أجيال قد انقطعت عن جذورها، عن لغتها، وعقائدها، وتاريخها، عن عاداتها وتقاليدها وقيمها، حين ذلك تكون قد أوجدت لنفسها هوية جديدة، لكنها بذلك لم تتحول إلى إضافة جديدة على تلك المجتمعات، وإنما باتت مجرد رقم إضافي، أي زيادة عددية في ذلك المجتمع.
والمجتمعات المتقدمة علميا واجتماعيا المجتمعات الواعية لهذه الحقيقة الاجتماعية باتت تدرك أن طمس هوية المهاجرين واللاجئين إليها، ذو أثر سلبي على هذه المجتمعات، لذلك راحت تدعو إلى الاهتمام بثقافة ولغة وقيم وعقائد هؤلاء المهاجرين باعتبار أن احتفاظ هؤلاء بدرجة من هذا المكون النفسي والثقافي والقيمي لهم يزيد من تحقيق توازنهم الذاتي في بيئتهم الجديدة، وبالتالي يزيد من غنى وثراء المجتمع الجديد الذي انتقلوا إليه.
إن هذا لا يعني ألا يندمج هؤلاء الجدد في مجتمعهم الجديد، ويتمثلوا هوية هذا المجتمع، لغته وتريخه وقيمه، وإنما يعني بدقة أن يضيفوا لمجتمعهم الجديد بتوازنهم وتفتحهم غنى وإيجابيات مجتمعاتهم التي قدموا منها.
هنا يبرز مفهوم استيعاب الجزء في إطار الكل، ولقد راعت الكثير من الدساتير هذه الحقيقة ـ التي باتت جزء من حقوق الانسان ومواثيقه الدولية ـ بتأكيدها على تعزيز خصائص الأقليات الثقافية واللغوية والروحية.
وإذا كان هذا صحيح ـ وهو صحيح بالتأكيد ـ فيما يتعلق بالمهاجرين واللاجئين الى مجتمعات جديدة، فكيف هو الأمر فيمن هم أصلاء في مجتمعاتهم يحملون هوية المجتمع نفسه، لكنهم يتميزون ببعض المزايا، ويحتفظون ببعض الخصائص الناجمة عن أصول ثقافية/ عرقية، أو دينية، أو جهوية. إن الأمر يصبح هنا ليس فقط ضرورة لتقدم ونمو المجتمع، وإنما قبل ذلك وبعده حق من حقوق المواطنة، يحرص المواطنون جميعا على توفيره وصيانته والتمكين منه.
في سوريا التي نتحدث عنها ونبحث فيها، فإن المكونات المختلفة للمجتمع السوري قديمة جدا، نقول ذلك دون أن نغفل أن هذا المجتمع تلقى هجرات وعمليات لجوء في مراحل مختلفة من تاريخه كان أحدثها في الربع الأول من القرن العشرين، وكانت هذه الهجرات على اختلاف ظروفها وتوقيتاتها تمثل شهادة لقدرة سوريا، بكل خصائصها اللغوية والثقافية والروحية والجغرافية والعرقية على أن تكون موئلا للقادمين إليها بحثا عن الأمن والاستقرار الذي افتقدوه في بلادهم.
وفي تدقيق المكون الثقافي والروحي واللغوي والعرقي السوري فإن عدد سكان سوريا “وفق المكتب المركزي للإحصاء في دمشق ـ المجموعة الإحصائية” للعام 2010 بلغ 20،619 مليون نسمة، ويرتفع هذا العدد إلى 23 مليون نسمة على الأقل مع حساب التزايد السكاني بمعدل نمو تقديري سنوي يبلغ 2،34%
ويشير تقرير وزارة الخارجية الامريكية للحريات الدينية إلى أن عدد المسلمين في سوريا على اختلاف مذاهبهم وطوائفهم يصل إلى 90% من إجمالي عدد السكان، وأن الباقي وهم 10% هم مسيحيون يتبع معظمهم الكنيسة الشرقية، أما اليهود فوجودهم ضئيل لا يمثل أي قدر معتبر من النسبة المئوية، حيث لا يزيد عددهم عن عدة الاف على أحسن تقدير، وتذهب تقديرات إلى أنهم باتوا يعدون بالمئات، وذلك بعد أن سمح لهم نظام الأسد بالمغادرة مطلع التسعينات من القرن الماضي.
وإذا كان مؤكدا أن جميع السوريين يتكلمون العربية، ويعتبرونها لغة التخاطب والتفاهم، ولو كانت لدى بعضهم لغته الخاصة، فإنه في إطار هذا التعداد السكاني تتجاوز نسبة من يصنف نفسه بأنه عربي في سوريا 90% من عدد سكان سوريا. فيما قد تصل نسبة الأكراد بصنفيهم (الذين كانوا مستوطنين سوريا منذ فترة طويلة، وأولئك الذي قدموا عقب هروبا من عنف السلطة الأتاتوركية بين عامي 1925 ـ 1935، وقدر باحثون عدد هؤلاء بنحو 25 ألف لاجئ أعطوا جميعا الجنسية السورية) إلى7%، وهناك أقليات عرقية من الأرمن والسريان والآشوريين والشركس والتركمان، وكل هؤلاء لا تصل نسبتهم مجتمعين إلى 3% من عدد سكان سوريا، ويتكلم هؤلاء الى جانب العربية وكل حسب عرقيته اللغات الكردية (على تعدد لهجاتها)، والآرامية، والسريانية، والأرمنية، والشركسية.
لقد ساهم هؤلاء جميعا في الحياة الاجتماعية والسياسية الثقافية السورية كل حسب الظرف والمرحلة التي وجد فيه، وفيما يختص بالمكون الكردي فإن القسم الأصيل القديم منه ـ وهو القسم الأكبر ـ لا يعرف لهم تميزا داخل المجتمع السوري لا على المستوى الحراك الاجتماعي والسياسي، ولا على مستوى العطاء الثقافي والعلمي والروحي، وهم مندمجون بالمصاهرة والسكن والتملك مع العنصر العربي، وجميعهم تقريبا ينتمون إلى الإسلام. وقد شارك هؤلاء دون استثناء في الهيئات العسكرية والدينية والأكاديمية والسياسية والحزبية في سوريا، وكان منهم أعلام وعلماء في اللغة العربية، وفي الدين الإسلامي، وفي الأدب، وفي الحياة العسكرية، وفي الحكومات السياسية، وفي قيادات الجيش.
ساهموا دون أي تميز في الانقلابات العسكرية، وتسلموا رئاسة حكومات، وشاركوا في الأحزاب والحركات القومية والوطنية والماركسية” الناصرية، والبعثية، والشيوعي، أحزاب الوطنية في مرحلة ما قبل الوحدة”.
بصورة إجمالية فقد صنع هؤلاء مع غيرهم من أبناء سوريا الحياة السورية في كل مراحلها، أي أن أنماط السلوك التي وسمت الحياة في سوريا صنعها السوريون جميعا،
وإذا كانت اللغة والدين والتاريخ المشترك، وأنماط السلوك هي المحددات الرئيسية لهوية مجتمع ما، فإن الأكراد ينتمون بشكل جلي إلى هوية المجتمع السوري وهي هوية “عربية إسلامية” لا لبس فيها.
وإذا كان الأشياء تعرف بأضدادها، فالسؤال الذي يطرح هنا، وإذا أردنا أن نبعد اللغة محدد لهذه الهوية لوجود جماعات لها لغة خاصة، وإذا أردنا أن نبعد الدين الإسلامي كمحدد للهوية لوجود من يتبع الدين المسيحي أو أديان وعقائد أخرى، وإذا كنا نرى أن هذه الجماعات كان وجودها في المراحل المختلفة وجود مستقل أو مميز، بمعنى أنه لم يستطع ان يقيم وحدة نسيج موحد لهذه المجتمع مع المكونات الأخرى، فما هي هوية هذا “المجتمع السوري”؟!

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى