مفهوم الهوية.. هل للأمة هوية؟! هل للوطن هوية؟!.. الجزء (1/ 3).

خاص “المدارنت”..
… أسئلة قد تبدو للبعض غير مهمة، ولا قيمة عملية لها، أو هي أقرب للترف الفكري في وقت تتعرض فيه أوطان وشعوبنا إلى أخطار متلاطمة لا تتيح مجالا لمثل هذا الترف.
لكن وأنا أراجع كتابات وحوارات حول العلمانية كانت أبحاث معينة تذهب إلى ضرورة طي فكرة الهوية، واعتبار الوطن هو البديل الجامع لحياة الناس في بلد معين، واعتبار الهوية مفرقة للمجتمعات، ويذهبون إلى أن الحديث عنها يحمل الدولة ما لا يجوز أن تحمله، فالدول لا هوية لها.
وظهرت هذه المسألة أكثر ما ظهرت لدى قطاع من المثقفين السوريين وهم يبحثون عن مستقبل بلدهم الذي مزقته الحروب، بمثل ما مزقه الاستبداد، وخربت الطائفية بنيته الاجتماعية بمثل ما فعل الفساد ذلك، ثم جاء القتل والدمار الذي مارسه النظام القائم، ومارسته قوى العنف والطائفية المختلفة ليرسم مستقبلا مشكوكا فيه لوحدة السوريين مجتمعا ووطنا.
ولقد وضعت مفهوم الهوية ضمن بحث العلمانية لأن شطرا من أصحاب هذا الرأي هم من العلمانيين، وهم يعتبرون أن العلمانية تعارض فكرة الهوية، وفكرة أن يكون للوطن والمجتمع هوية محددة يقاس الناس عليها، وتكون حاكمة لهم أو عليهم.
ومفهوم الهوية هو بالأساس مفهوم للتمييز، أي لإظهار عناصر الوحدة بين مكونات هذا المجتمع أو ذاك، وعناصر الاختلاف عن غيره من المجتمعات، وليس الغرض في إظهار الاختلاف والتميز هو الدفع إلى الصراع والكراهية مع الآخر، وإنما تحديد أطر الحركة والتفاعل، وأولوية الأهداف والأدوات، وأيضا التمكين لعوامل القوة والاجتماع والتآزر في المجتمع الواحد حتى تفعل فعلها في بناء هذا المجتمع وفي التضحية من أجله، وفي تعزيز تقدمه و أمنه، أي أن وضوح هوية المجتمع: هوية الشعب والدولة إنما يستهدف وضوع استهدافات أجهزة الدولة ومؤسساتها وأولويات الحركة والبناء فيها.
وتحرص المجتمعات على تحديد هويتها في أهم وثيقة تلتقي عليها وهي الدستور، إذ في دساتير الدول تحديد لهوية الشعب أو الأمة أو الجماعة التي يحكمها هذا الدستور، وتخضع لموجباته.
هل للدولة أو المجتمع لغة أو لغات يعرف بها، وبالتالي، يكون للدولة ومؤسساتها دور في حماية ودعم وتعزيز لغة المجتمع؟
هل المجتمع وللشعب فيه عقيدة أو دين معين، يعرف فيه وبه، ويكون للدولة التزام تجاهه، ودور في التمكين له وحمايته؟
هل للمجتمع قيم عامة جامعة تكونت عبر التاريخ وصارت بحكم رسوخها وتأريخيتها حاكمة للسواد الأعظم من الناس في هذا المجتمع، وما دور الدولة في حراسة هذه القيم، والتمكين لها؟
هذه مجموعة أسئلة هي في مجموعها وجوهرها تحدد معنى هوية الأمة وصلة الدولة فيها.
** لماذا يجتمع السوريون في سوريا، والأتراك في تركيا، ولماذا يجتمع الايطاليون في إيطاليا، ولماذا يعتبر الفرنسيون فرنسا وطننا لهم.
لا شك أن لسوريا وفرنسا وإيطاليا تركيا…. الخ جغرافيا محددة، فهل يصح أن نعتبر هذه الجغرافيا هي محدد الانتماء، ثم من أين أتت هذه الجغرافيا؟ كيف تم تحديدها؟ لماذا نوليها هذه الأهمية؟
** هل اللغة الخاصة بكل بلد هي التي تحدد هويته، فيكون من يتحدث الإيطالية هو الإيطالي، ومن يتحدث التركية هو التركي، ومن يتحدث الفرنسية هو الفرنسي، وهكذا؟
** هل الدين هو صانع الهوية وهو أساسها، فيفرق البشر على أساس أديانهم ومعتقداتهم الدينية، فيكون للمسلمين هوية واحدة، ويكون للمسيحيين هوية واحدة، ويكون للبوذيين هوية واحدة، ويكون للكونفوشيين هوية واحدة… الخ؟
** هل العرق، أو الانتماء العرقي يصنع هوية لمجتمع أو جماعة، فتصبح الأمم متميزة بأعراقها، الأبيض والأسود والأصفر… الخ، بغض النظر ما إذا كان هذا التميز يولد امتيازا “عنصرية” أم لا يولد؟
**هل التاريخ هو صانع الهوية، فيكون التاريخ الواحد لجماعة من الناس هو صانع هويتهم، وبالتالي هو من يتحكم فيمن ينتسب إلى هذه الهوية ومن يخرج عنها؟
** ثم هل سمة الهوية عنصر ثابت، أم أنه يمكن أن تجري عليه تحولات، فهي تزيد وتنقص؟
** وهل الهوية نتاج عملية تاريخية ممتدة، تصنعها حركة التاريخ وعوامله، أم أننا يمكن أن نُصنِعها، وبالتالي نجعل لهذه الجماعة أو لهذا المجتمع هوية معينة، والذي يَصنع هوية يمكن له أن يغيرها، وبالتالي هل يمكن تغيير هوية مجتمع ما؟
** هل البيئة والتحديات هي التي تصنع هوية الإنسان، فيصبح أولئك الذين يواجهون التحدي نفسه يمتلكون الهوية نفسها، وبالتالي يمتلكون الفرصة والحق في صنع مجتمعهم الواحد.
** هل الآمال والتطلعات والرغائب الواحدة هي التي تصنع الهوية فتصبح هذه التطلعات والرغائب ركائز تقوم عليها هوية قادرة على بناء مجتمع ودولة وتحقيق تميز يصنع فرقا.
** ثم هل وجود هوية واحدة لشعب أو أمة أو مجتمع يعني بالضرورة انتفاء وجود هويات أخرى فرعية فيه، يربط بين أفرادها عامل واحد أو أكثر من عوامل تشكيل الهوية، عامل موجود بشكل أقل أو غائب عن مكونات الأمة الأخرى.
** وأخيرا هل الهوية قضية فردية شخصية أم أنها قضية اجتماعية جماعية، هل يستطيع كل فرد أن ينشئ أو يقيم لنفسه، أو يحدد لها هوية خاصة، أم أن الهوية هي مجال يحيط بالإنسان ويحدد له خياراته. (هنا كمثال حديث عن الانتماء الطبقي).
هذه تساؤلات تطرح في مسألة الهوية، وهي كلها تصب في تبيان ما يميز مجموعة من الناس عن غيرهم تمييزا يسمح بأن يكون لها مجتمعها ومجالها الذي تظهر فيها الأنواع المختلفة لإبداعاتها، وبأن تشعر بالانتماء لهذا المجتمع وبأنه يمثلها فيكون هذا المجتمع بشكل ما “هي هذه الجماعة” لكن على نحو أوسع مدى، وأعمق غورا، وأكثر غنى، فتجد فيه ذاتها، فتطمئن له، وتضحي من أجله.
نقطة البدء في بحثنا أننا نتحدث عن الانسان وهويته من خلال وجوده الاجتماعي، أي أن كل مكون من مكونات هويته نقيسها ونحاكمها وندقق بها من زاوية “الوجود الاجتماعي للإنسان”، من زاوية دوره الاجتماعي وحقوقه، وواجباته، وتميزه، وفكره.
“يتبع”


