مَن يطفئ نار الحرب في اليمن!
“المدارنت”
الحرب العراقية/ الإيرانية استمرّت ثمانية أعوام قبل أن تنتهي بلا غالب أو مغلوب. ولكن من الناحية المادّيّة، كانت خسائر البلدين البشرية والمادّيّة كبيرة جدّا، إذ يقدّر عدد قتلى الطرفين بأكثر من نصف مليون إنسان، بالإضافة لأكثر من مليون معوّق.
ويرى البعض أنه ليس هناك «حرب عادلة»، وأن العقلاء هم الذين يتحاشون الحرب بأي ثمن. وبرغم أن الحرب عادة تعني القتل والموت وهدم المنازل وتدمير الديار، لكنها تستهوي بعض أطراف النزاع عندما تفشل وساطات الحل أو التهدئة. كما أن وجود جهات دولية عملاقة تسترزق من الحروب يدفعها للعمل بشكل غير مباشر، لإذكائها خصوصا شركات تصنيع السلاح وتجّاره. هذه هي الحروب، وهذه نتائجها. فليس هناك حرب «نظيفة»، كما ليس هناك طرف منتصر بمعنى الكلمة، فكل شيء في الحرب يعتبر «نسبيًّا». فالمنتصر فيها مهزوم، والرابح فيها خاسر.
ولذلك سعت الدول الغربية لتفادي الصراع المسلّح بعد ما عانته أوروبا من خسائر في الحربين العالميتين. وقد توجّهت إيران، بعد توقف الحرب في يوليو 1988 لإعادة بناء البلد، وحقّقت بذلك إنجازات ضخمة في مجالات التصنيع والبنى التحتية والتطوير المدني، بالإضافة للتطور الكبير في مجال البحث العلمي. وجاءت الاعتداءات الأخيرة من قبل «إسرائيل» و الولايات المتحدة لتحدث دمارا هائلا، برغم محاولات قادة الجمهورية الإسلامية عدم توسيع الحرب.
لذلك فإن اندلاع حرب واسعة بين السعودية واليمن سوف يؤدّي إلى دمار واسع يقضي على ما تحقق من إنجازات في الجزيرة العربية على مدى عقود أربعة. ومهما تباينت قوّة طرفي الحرب، فإن نيرانها تحرق الأخضر واليابس، ولن يكون الطرف الأقوى بمنأى عن الدمار والخراب. لذلك تقتضي الحكمة أن تسعى الرياض وصنعاء للتعجيل بوقف النزاع قبل أن تفلت الأمور وتصل الحرب إلى نقطة اللارجعة. فالطرفان قادران على إلحاق الضرر أحدهما بالآخر.
إن لدى السعودية إمكانات عسكرية تفوق أضعاف ما لدى اليمن، بعد عقود من التسلّح والإنفاق غير المحدود لشراء أحدث الطائرات المقاتلة الأمريكية، في مقابل ما يملكه اليمن من طائرات روسية أغلبها تم شراؤه قبل عقود. ولكن برغم هذا التباين، فإن السعودية لن تستطيع الحفاظ على ما أنجزته من مشاريع صناعية ومعمارية عملاقة وما حققته من إنجازات في البنية التحتية ما دامت الحرب مشتعلة. فلدى الطرف «الضعيف» وسائل أخرى غير الطائرات الأمريكية المتطورة وباهظة التكلفة.
فقد كشفت الأسابيع الأخيرة أن اليمنيين قادرون على الوصول إلى أبعد نقطة في المملكة السعودية. بل أن حقول النفط ومصانع تكريره القريبة من سواحل الخليج أصبحت في مرمى القوات اليمنية. كما أن مشاهد النيران وهي تلتهم المدن السعودية بشكل جنوني يؤكد ضرورة استعجال الطرفين للخروج من مستنقع الحرب ودمارها.
هناك حقائق يجدر ذكرها لتوضيح ما يجري في جنوب غربي الجزيرة العربية. أولها: أن اليمن والمملكة السعودية كيانان قائمان منذ عقود، وقد استطاعا تفادي النزاعات المسلحة مرارا. وليس من نافلة القول الاعتقاد بأن البلدان المتجاورة محكومة بالتنافس أو النزاع أو الاحتراب. وفي المنظور العصري أصبح الجوار سببا للتقارب والدخول في تحالفات لتحقيق مصالح البلدان المتجاورة. ثانيها: أنه في الوقت الذي تُعتبر الدولة القومية فيه تعبيرا عن تمزق الأمة وفرقتها، فإن بالإمكان تجاوز الفواصل بين الدول وتحقيق مستويات من التعاون والتقارب وتجاوز الحدود.
فأوروبا المتشظّية استطاعت إعادة تنظيم علاقاتها ضمن منظومة الاتحاد الأوروبي، وهناك منظمة «شنغهاي» التي تضم عددا من الدول المتجاورة في جنوب شرق آسيا. ثالثها: في الحالة المثلى تنبري الدولة الكبرى لمبادرات إيجابية تؤدّي إلى لمّ الشمل وتمتين الأواصر وتطوير العلاقات، ولا تنتظر أن تأتي المبادرات من خارج المنطقة. كما أن الدول الصغرى تجد من مصلحتها أن تعيش في ظل منظومة متقاربة تتعاون اقتصاديا وعسكريا وتوقّع اتفاقات الدفاع المشترك لحماية أمن الدول الأعضاء. رابعها: أن مواطني الدول المتجاورة خصوصا في العالم العربي، كثيرا ما تربطهم أواصر عائلية وعلاقات نسب وقربى، خصوصا إذا نشأت وترعرعت في المناطق الحدودية.
وهذه الحقيقة عامل مشجّع لتوقيع اتفاقات التعاون المشترك بين الدول المتجاورة وتفادي النزاعات المسلّحة. خامسها: أن العالم في المرحلة الحاليّة يجد نفسه في حاجة ماسّة لعمل جماعي لمواجهة التحديات العملاقة التي تواجه البشرية، ومنها قضايا الذكاء الاصطناعي والمناخ وارتفاع درجات حرارة المحيطات، وكذلك النزعات نحو الصراعات المسلّحة في عالم اختطفت اقتصاداته شركات تصنيع السلاح الغربية بشكل خاص، ولا يستطيع أن يتجاهل ذلك، بل يُفترض أن يرفع شعارات التعاون والتحالف والعمل المشترك وترسيخ التوجه للسماح بالحرّيّات العامة. سادسها: في هذه الظروف فإن الحاكم الناجح هو الذي يطفئ التوترات في البؤر الساخنة، ويشجّع الحوار بدل الصراع، ويسعى لتقليص الإنفاق العسكري من أجل البناء الذاتي، ويتصدّى لنزعات التمرد والانفصال والاعتداء.
هذه الأسس التي يُفترض أن يقوم عليها النظام السياسي الدولي والإقليمي تصلح أن تكون منطلقا لمبادرات تهدف لاحتواء الأزمة المتصاعدة على الحدود السعودية – اليمنية. ولكن تفعيلها ليس أمرا متيسرا في غياب مبادرات من الدول الصديقة الحريصة على تقارب البلدان العربية والإسلامية وتحاشي التوترات التي تؤدّي إلى الحرب. وإنه لأمر مستغرب جدّا غياب مثل هذه المبادرات برغم وجود القادرين على ذلك.
وهناك بلدان عديدة تستطيع طرح مبادرات لنزع فتيل الأزمة الحاليّة وما قد يحدث من أزمات مستقبلية. ومن هذه الدول أندونيسيا وماليزيا وباكستان وإيران ومصر والجزائر ودول أخرى كذلك. فلماذا تغيب روح المبادرة برغم انتماء هذه الدول لدينٍ يحثّ قرآنه على الإصلاح ونزع فتيل النزاع: «إنما المؤمنون أخوة، فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله». ويقول تعالى: «وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلا فأصلحوا بينهما». وعندما يدفع الإسلام أتباعه لحمل راية السلم وإصلاح ذات البين، ودرء مخاطر الحرب ونزع فتيل الاختلاف، فإنما ينطلق على أساس تثبيت مبدأ إعمار الأرض مادّيّا، وكذلك إعمارها إيمانيّا.

ليس من المنطق في شيء ترك الحبل على الغارب عندما يرى المرء حريقا يشتعل في منزل جاره فيتجاهله ويمضي في سبيله. فالانتماء للإسلام تتبعه مسؤوليات يفرضها ذلك الانتماء. وما أكثر الأحاديث التي تشجع المسلم على توسيع أفق تفكيره والخروج من الأطر الضيّقة والأولويات المتداخلة، والولوج إلى عالم الفعل والموقف والقرار والمبادرة. فالإيمان لا يتحقّق إذا لم يدفع صاحبه لتوسيع دوائر اهتمامه ليشمل كافة أصناف البشر بهدف تكريس حبّ الخير وترويج السلم ونزع فتيل الحرب، بالإضافة لأعمال الخير الأخرى كإغاثة الملهوف وكسوة العريان وإطعام الجائع وفكّ العاني.
تجدر الإشارة إلى ظاهرة التخندق الفكري والديني والمذهبي، ودور ذلك في تحجيم عالم المؤمن وانكفائه التدريجي عن الشان العام وحصر الاهتمام بالمجال الفردي والهموم الشخصية. وهنا يبرز الموقف إزاء الصراع السعودي/ اليمني، وما إذا كان لدى أبناء الأمّة الإحساس بضرورة التحرّك ليس لمنع توسع دائرة النزاع فحسب، بل لتضييقها تدريجيا حتى تزول. فإذا كانت حكومات الدول العربية والإسلامية الكبرى قد تلكأت في التصدي لوقف النزاع، فإن جماهير الأمّة تستطيع ممارسة الضغوط وتوجيه الأنظار على طريق احتواء الأزمة وأداء دور فاعل لتحقيق قدر من الوئام بين أطراف النزاع.
إنّ أصحاب القرار في كل من السعودية واليمن مطالبون بالاستماع لنداءات وقف الحرب بدون تأجيل أو تسويف. كما أن عليهم التخلّي عن فكرة تحقيق «انتصار ساحق» على الطرف الآخر. مطلوب إعادة بلورة المواقف لكي يتضح للفرقاء أنّ الحرب القائمة عبثية لن تحقق نتائج تُذكر لأيٍّ من الطرفين، وغوغائية بلا منطق أو مبرر مشروع أو هدف واضح. ولا يخفى على أحد أن كلا من «إسرائيل» وأمريكا يشجّع استمرار الحرب ويحرّض عليها.
إنها فرصة لطرح مبادرة عربية/ إسلامية جادّة لوقف الحرب وبدء المفاوضات وتقديم ضمانات لمنع تكرار ما حدث، وطمأنة كل من السعودية واليمن بوجود قرار عربي – إسلامي عاجل لاحتواء الأزمة ومنع تكرارها مستقبلا. فإذا لم يحدث ذلك، فليس مستبعدا أن يكون النزاع المسلّح في جنوب غربي الجزيرة العربية بداية لمزيد من التشظي والاحتراب والاستقطاب بين أبناء الأمّة.



