مقالات

نساء يَبكيهنّ العالم.. ونساء لا يُبكينَ أحدًا..!


“المدارنت”
في توقف بين مطارين عائدا من إجازتي الصيفية، أعدت تفعيل تنبيهات الأخبار في هاتفي بعد قطيعة قصيرة.

أول خبر قفز إلى الشاشة مستعجلا كأنه يسابق الأخبار الأخرى: «صمت الحركات النسوية عما يجري في غزة يكشف زيفهن.. ارتفاع حالات الإجهاض في القطاع إلى ثلاثة أضعاف خلال النصف الأول من العام الجاري، لتقترب من 4 آلاف حالة». (موقع زيتيو الذي أنشأه ويديره الصحافي مهدي حسن).

ذهبت لإحضار قهوة وعدت إلى مكاني. تنبيهات أخرى كانت قد وصلت إلى شاشتي خلال تلك الدقائق.
الخبر الثاني (من تطبيق صحيفة لوموند الفرنسية): «صحة النساء الأفغانيات في خطر… عناصر طالبان يسخرون عندما يقال لهم إن حمل النساء يجب أن يخضع لمرافقة طبية». كان هذا عنوان الجزء الرابع من تحقيق من 6 أجزاء عن النساء في أفغانستان. والمناسبة حلول الذكرى الخامسة لعودة طالبان إلى الحكم. هذه مقدمة الجزء الرابع: «النساء وحدهنّ يستطعن معالجة النساء، لكن البلاد (أفغانستان) لم تعد تُدرّب طبيبات وممرضات وقابلات. هذا وضع يجعل الوصول إلى الرعاية الصحية صعبا، بل يتحول أحيانا إلى مأساة، ويُضعف الصحة النفسية للنساء الأفغانيات، كما روين ذلك لموفدتنا الخاصة إلى كابول. فمن سيقوم بتوليد أبناء طالبان في المستقبل؟».

ثوان قليلة ويقفز التنبيه الثالث (من صحيفة الواشنطن بوست هذه المرة): «جئن من مختلف الولايات الأمريكية يلبسن الوردي ويحملن أطفالهن بين أذرعهن.. عشرات النساء يتجمهرن أمام محكمة في ماساتشوستس للتضامن مع امرأة (اسمها ليندزي كلانسي) تُحاكم بتهمة قتل أبنائها الثلاثة (أكبرهم في الثامنة وأصغرهم عمره ثمانية أشهر) متأثرة باكتئاب ما بعد الولادة».

لا أعرف هل هي صدفة أم أنه عمل من أعمال الذكاء الاصطناعي الذي تستعين به تطبيقات الهواتف الجوالة لرصد اهتماماتك، رتب لي تلك الأخبار دفعة واحدة.
لكن لاحظوا البون بين الأخبار الثلاثة. ولاحظوا التلاعب بالأولويات وبأهمية الموضوعات.

ليس لديّ شك في أن النساء في أفغانستان يعشن حياة مقرفة ومعقّدة تحت حكم نظام طالبان. ليس لدي شك أيضا في أن اكتئاب ما بعد الولادة مأساة لا يعرف عمقها وخطورتها إلا الأمهات اللواتي جرَّبنها. مأساة تجعل من السهل أن تقتل أمٌ في الغرب أطفالها إذا كانت الحالة مرفوقة بأزمات ذهنية ونفسية أخرى دفينة.

لكن كل هذا لا يجب أن يمنح الصحافيين والمراسلين حق التلاعب بالأولويات، وممارسة الكيل بمكيالين.
أتمنى أن تكون الأرقام عن الإجهاض في غزة غير دقيقة، وإلا فتلك وصمة عار لن تزول من على جبين كل إنسان على وجه الأرض.

أيّ إنسان يساوي بين مآسي نساء غزة وفتياتها، وبين النساء الأفغانيات أو امرأة فتك بها اكتئاب ما بعد الولادة في الولايات المتحدة، يكون قد تخلى عن جزء من إنسانيته.
لو حدثت أرقام الإجهاض في غزة (سقوط حمل لأسباب صحية وطبية من فعل إنسان) في أي مكان آخر من العالم، وكانت أقل عشر مرات، وكانت حرب إبادة هي السبب، لأخرجت الحركات النسوية كتائبها في الدول الغربية وأحرقت الشوارع في كبريات العواصم والمدن.

أستطيع أن أضيف استياء الحركات النسوية الأوروبية، ومن ورائها الإعلام الغربي، من الاضطهاد الذي يرد في الأخبار أن النساء الإيرانيات يتعرضن له على أيدي زبانية النظام الحاكم. بلغ هذا الاستياء ذروته فقامت الدنيا في الغرب في ربيع 2022 عقب مقتل الفتاة مهسا أميني (22 عاما) في أحد المراكز الأمنية. أبدعت الحركات النسوية الغربية (ومعها سياسيون وناشطون رجال) في إيجاد طرق التضامن مع النساء الإيرانيات على بُعد عشرات آلاف الأميال من طهران.

وأضيف أيضا النساء السودانيات والفظاعات التي يتعرضن لها في أتون الحرب الأهلية. الاهتمام الغربي بهن موجود وأفضل من نصيب نساء غزة، ولو أنه اهتمام إنساني وإعلامي محدود عجز حتى الآن عن وقف التنكيل والاعتداءات الجنسية عليهن.

مثل حالة إيران، الاهتمام بالنساء السودانيات لا يضر أحداً ولا يفضح النفاق السياسي والإعلامي في الغرب طالما أن القاتل والمغتصب ليس إسرائيل.
الشرق والنساء… الوصفة العزيزة المفضلة لدى الإعلام والسياسيين الغربيين. تتوفر فيها كل بهارات الإثارة، سهلة، مُربحة وتصلح لكل الأوقات. لا يجد المراسلون والقائمون على هذا الإعلام أيّ حرج في تناول أحوال النساء المسلمات بطرق تفتقر للدقة والموضوعية، منطلقين من كسل يمنعهم من التحرر من الأحكام الجاهزة التي تستتبد بهم.

لكن في تناولهم هذا يستثنون نساء غزة، وأمهات الضفة الغربية اللواتي يوميا تُنكب واحدة منهن أو أكثر بقتل ابنها أو زوجها برصاص الجيش الإسرائيلي أو المستوطنين اليهود.
عندما تكون إسرائيل هي الجاني يفقد الموضوع إثارته عندهم ويصبح محظورا عليهم فيديرون ظهورهم. تصبح غزة قطعة من كوكب آخر، ونساؤها لا يستحققن البكاء عليهن.

ليس هناك أسهل من انتقاد حركة طالبان أو أيّ حكومة عربية أو مسلمة واتهامها باضطهاد النساء، لأن جل، بل كل، هذه الحكومات لا تملك لوبيات مالية وسياسية تضغط بها في واشنطن ولندن وباريس، وتبرر لها قتل النساء وحرمان الرضّع من الأدوية وأمهاتهم من أساسيات الرعاية الطبية.

عادة يبرز التمييز الإعلامي والسياسي الغربي والكيل بمكيالين عند تناولهم القضايا عندهم وعند الآخرين. لكن عندما تعلق الأمر بالنساء، أصبح التمييز داخل الفضاء الواحد المتشابه.. بين إيران وفلسطين، وغزة والسودان وأفغانستان.

توفيق رباحي/ “القدس العربي”
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى