هلّا شققت عن قلبه؟!

خاص “المدارنت”..
ألبحث في المسائل الدينيّة دقيق وحسّاس، وهو يتطلّب الكثير من الإحتراز والحذر؛ كونه سيواجه مسلّمات إيمانيّة لا يُؤمَن جانب أصحابها؛ لأنّها ترسّخت فيهم مشبعة بمشاعر قد تفلت من عقالها لدي ذوي الإيمان السطحيّ لتتحوّل الى ضرب من العصبيّة العمياء التي لا يُؤتمَن أذاها ضدّ الآخرين.
ومع ذلك أراني أقدم على خوض هذا المعترك الخطير من منطلق الإقتناع بحقيقتين:
ألأولى:
ضرورة تعميق نظرتنا إلى النص الدينيّ، وأهميّة الخروج عن الموروثات الفكريّة القديمة التي تخرج عن فهم جوهر الدين نحو مفاهيم سطحيّة مغلقة، هذه الموروثات التي وصلت الينا من هذا أو ذاك من القدماء. إنّ هذه الموروثات لا بدّ أن تواجَه بالرأي العقلانيّ الحرّ والفهم المعمّق لجوهر الدين.
والثانية: أننا في مجتمع يضمّ طائفتين أساسيتين ، ومن الضروريّ ألّا يبنى التفاعل بين أبنائه على أساسات من التصنّع الذي ينطوي على التكاذب والنفاق.
من هنا أهميّة هذه المقالة في البناء بين الطائفتين على المشتركات الكثيرة وما تسهم به من تفاعل ايجابيّ بنّاء.
ينبغي أن نسلّم بداية أنّ الحكم في شأن العقائد الدينيّة إنّما يعود إلى الله؛ فالله وحده، من دون أيّ من خلقه، هو الحكم الصالح في هذا الشأن: “… إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ..﴾.
وإذا كان الله هو الحكم الفصل والمرجع الوحيد في الحكم بين العقائد، فمن المنطقيّ أن يكون هو الحكم أيضا” على إيمان أتباعها أو كفرهم ؛ وذلك لعلمه بما في ذات صدورهم ؛ فإذا تنطّح أحدهم لهذا الدور، فهو متنطّح لمشاركة الله في حكمه، أو لكأنّما يفترض ضمنًا أنّ الله فوّضه في هذا المجال، وهذا قمّة التطاول على وحدانيّة الله، وبالتالي فالذين ينصّبون أنفسهم لهذا لا يعرفون أنّهم يشركون بالله الشرك الذي يخرجهم من الدين.
والحقيقة أنّه لم يُعرَف عن الرسول أنّه وصف غير المسلمين بالكفّار، بل على العكس كان تعامله معهم قائما” على العدل والرحمة والتسامح والبرّ والإحسان ما داموا غير محاربين.
إنّنا لنفهم هذا الموقف الإيجابيّ للرسول من غير المسلمين، إذا علمنا أنّ القرآن حثّ المسلمين على البرّ والعدل مع من لا يشاركونهم في العقيدة، ولا يقاتلونهم بقوله: “.. لَّا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوٓاْ إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ”../ الممتحنة/ 8/.
وإذا كان هذا ما دعا إليه القرآن من برّ المخالفين في الدين، إلّا أنّه خصّ إهل الكتاب كاليهود والنصارى بمعاملة مميّزة. لقد خاطبهم بصيغة “يا أهل الكتاب…” او بما يشبهها، وهي كناية يقصد بها أنّهم أصحاب كتب ورسالات سماوية يلتقي معها الإسلام في الإيمان بإله واحد ودين واحد، أرسل الأنبياء والرسل للتبشير به، وإيصال رسالته.
وقد أوصى القرآن بحسن الحوار معهم، كما هو معلوم: “.. وَلَا تُجَٰدِلُوٓاْ أَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَٰحِدٌ وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ”.. العنكبوت/ 46/.
وانسجامًا مع هذا التوجّه أباح الإسلام مؤاكلة إهل الكتاب والتزاوج معهم، مع ما ينطوي عليه الزواج من محبّة ورحمة”… وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ. أي: ذبائح اليهود والنصارى حلال لكم يا معشر المسلمين…”.. /المائدة/ 5/.
وكان لله توصية خاصة بالنصارى، كما في النصّ القرآنيّ. “… تَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ”.
/المائدة/ 82/.
يبدو لنا ممّا تقدّم من القرآن والسنّة أنّ الإسلام دعا إلى المودّة والرحمة والخير في التعامل مع غير المسلمين ومع أهل الكتاب بعامّة والنصارى منهم بصفة خاصّة.
لكنّ بعضا” من المسلمين يشككون بهذا ، مستشهدين بآيات قرآنيّة تخدم غرضهم في تكفير الآخرين . إنّ هؤلاء يرددون في أنفسهم او على ألسنتهم: كيف لنا أن نحبّ ونحسن التعامل مع هؤلاء وقد نهانا الله في كتابه عن اتّخاذهم أولياء ، وإقامة علاقة الودّ معهم، كما في الآية: “.. يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوْلِيَآءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُۥ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ/ فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَٰرِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ ۚ… “.. /المائدة/ 51 و52/.
إنّ هذه الآيات وأمثالها هي آيات غير مطلقة الدلالة، ولم يكن يراد بها اليهود والنصارى جميعا”؛ وإلا لكان ثمة تناقض واضح بين آيات الكتاب؛ إذ تبدو مناقضة لما جاء في آيات أخرى، شرّعت التعامل بالمودة والرحمة والخير مع الاخرين، وبخاصة مع أهل الكتاب من يهود ونصارى، “… وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً…”../ الروم/ 21/.
علينا أن نفهم أنّ تلك الآيات التي يستشهد بها بعض قليل من المسلمين، كانت آيات موجّهة ضدّ قوم كانوا يعادون الإسلام وبحاربونه؛ فمثل هؤلاء لا يمكن مناصرتهم ومظاهرتهم (أي موالاتهم) واتّخاذهم حلفاء يُتقرّب إليهم وبطانة لهم (البطانة هم الخاصة الذين يفضى اليهم بالأسرار ).
ومن الآيات التي توضح حقيقة هؤلاء المعادين، “..يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ۖ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ 118.. هَٰٓأَنتُمْ أُوْلَآءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَٰبِ كُلِّهِۦ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلْأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ ۚ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ“../ آل عمران/ 118 و119/.
وهكذا نخلص من كلّ ما تقدّم إلى:
أنّ الحكم بتكفير العقائد السماويّة وأتباعها، أمر يعود لله وحده، دون أيّ شريك أو وكيل.
والذين ينتدبون أنفسهم لتولّي هذا الأمر، إنّما يطعنون عن غير قصد بالشريعة، ويخرجون أنفسهم عن جوهر الدين.
وقد جاء النصّ الالهيّ والسنّة النبويّة ليؤكّدا هذه الحقيقة الواضحة.
وحسبنا أن نذكّر هؤلاء بما نسب إلى الرسول من قوله لأحد أصحابه بعد أن قتل واحدًا من غير المسلمين على ظنّ منه أنّه جهر بالتوحيد خوفًا عن غير إيمان. “أفلا شققت عن قلبه!”
وهذه كناية عن ضرورة أن نحسن الظنّ بالناس، ولا نخوض في أسرار قلوبهم وفي الحكم على نواياهم وعلى ما ظهر في أقوالهم وأفعالهم.
الحَكَم الفصل في أمر العقائد وأتباعها هو الله وحده، ومن يرد أن يشاركه في ذلك فليعلنها صريحة واضحة.



