مقالات

هل تشكّل زيارة رئيس الحكومة إلى الشمال بدايةً لإزالة الحرمان عن هذه المنطقة؟

نبيل الزعبي/ لبنان

خاص “المدارنت”
لقناعة راسخة في عقل كل لبناني، ينتمي إلى منطقة يعشعش فيها البؤس والحرمان لعقود وعقود، إن ذلك لم يكن سوى انعكاساً لسياسة كيدية مورست على هذه المناطق، بسبب مواقف لم تكن لترتاح اليها منظومة الفساد الحاكمة، ومن يقف خلفها من قوى الوصاية الخارجية وأدواتها في الداخل.
وللولوج في تفاصيل ما تقدم، نضع طرابلس وعكار والضنية، كحاضرات شاهدة على هذا الاهمال، وما تسبب فيه ولم يزل من بؤسٍ وحرمان، آن أوان رفع الغطاء عنها وتسمية الأشياء باسمائها، لا سيّما بعد زيارة رئيس حكومة لبنان د. نواف سلام، واثنين من وزرائه إلى طرابلس، مؤخراً، وعزمه على زيارة عكار، محمّلاً بترجمة وعد الإنماء إلى واقعٍ حقيقي لطالما حلمت به، بمعزلٍ عن سائر أقضية الشمال اللبناني، لزمن بعيد جداً، حيث ان طرابلس كعاصمة ثانية للبنان، بقيت مع هذا التوصيف اسماً على غير حقيقة ما هي عليه، منذ أن تمّ زجّها منذ اوائل ثمانينات القرن الماضي، في صراعات محلية، عناصرها غير لبنانيين، تقاتلوا للسيطرة على المدينة، ولم يجدوا غير الفقراء وابناء المنطقة الواحدة في باب التبانة التي تضم بعل محسن في الجغرافيا، والعيش الواحد، لزجّهم وقوداً لهذا الصراع، الذي امتد لما يقارب الأربعة عقود من الزمن.
و”تفرّخت” في هذه المنطقة، الأزمات التي أعاقت المدينة، ليس على صعيد هدر طاقات ابناء مناطقها الفقيرة التي امتدت إلى القبة والمنكوبين والزاهرية والسويقة والأسواق الداخلية وحسب، وانما عطّلت مشاركة هؤلاء في كل عملية تغيير اجتماعي، بغية تحسين اوضاعهم المعيشية الاقتصادية والاجتماعية، لإغراقهم في المزيد من البطالة، التي، وفي العُرف والتوصيف هي أم الرذائل والموبقات، فاقم منها أن باب التبانة التي كانت يوماً ما معروفة بـ”باب الذهب”، لما فيها من أسواق تجارية ومحلات كبرى للمال والقبان، تمّ إفراغها من كل مقوماتها الاقتصادية، بل وتدميرها عن سابق تصور وتصميم، ليبقى شارع سوريا، الشريان الاقتصادي الوحيد للمنطقة، شاهداً على كل ما تقدم، وهو الممتد على طول جغرافية المنطقة من سوق القمح إلى الملولة.
ولم تكلّف الحكومات المتعاقبة نفسها حتى يومنا هذا، سواء بإعادة ترميم هذا السوق، كما كان، او باستعادة دوره لما يستوعب من فرص عمل وإنهاض اقتصادي للمنطقة بشكل عـام.

هكذا “كوفِئَت” طرابلس، التي لم تكتفِ الوصاية بتدميرها، وانما زجّت بخيرة أبنائها في سجون صيدنايا والمزة السورية، بعد المرور، في بلدة عنجر اللبنانية، وفرع فلسطين واخوانه من فروع المخابرات السورية، ناهيك عن تهجير وتشريد الآلاف في بلاد الواسعة، هرباً من الجور والظلم الذي بدأ الإعلام المحلي والخارجي يتحدث اليوم عن جرائمه، من دون ذكر ان طرابلس، كان لها النصيب الأكبر في دفع الأثمان الباهظة من البشر والحجر.
وبالانتقال إلى عكار، التي جعلوا منها محافظة ادارية على الورق، تم الاكتفاء بجعلها خزاناً انتخابياً للقوى السياسية، متجاهلين ما تمتلكه من مقومات اقتصادية، أهمها وجود امكانية حقيقية لمطار في منطقة القليعات، بُحّ الصوت لتفعيله إنشاءً وتعميراً واعتماداً كمطار جديد للبنان، وما يمكنه من توفير انماءً حقيقياً لهذه المنطقة، يمتد في خدماته لمحافظة بعلبك/ الهرمل، وكل أقضية الشمال وجبل لبنان، ويجعل مناطق كالقموعة مثلاً، منتجعاً شتوياً وصيفياً، يوازي منتجعات اوروبا مناخاً واستجماماً، يمكن ان يتكامل مع مرفأ العبدة غير المعترف به، ومرافىْ المنية التي اُحتُسِبَت يوماً بلا شرعيتها ومن دون شرعنتها، والتوجه إلى ما تمتلكه اراضي عكار والضنية من تنوّع مناخي، يواكب فصول السنة الأربعة سياحياً ومخزون زراعي وتربةٍ خصبة تعيد إلى الاعتبار مقولة: “فلاح مكفي، سلطان مخفي”، وبالامكان اعادة الاعتبار لها بكل تأكيد.

من هنا، ومع إعلان رئاسة الحكومة، عن البدء في اعداد ما يلزم من دراسات لـ”مطار الشهيد رينيه معوّض” في بلدة القليعات/ عكار،، نؤكد على اعداد دراسة مرفقة لمشروع نفق ممتد من مستديرة العبدة من الجهة الجنوبية للمطار، لغاية جهته الشمالية، وهو شبيه بالنفق الذي يصل “الكوكودي” بخلدة، وصولاً إلى “مطار الشهيد رفيق الحريري الدولي في بيروت، ليس على سبيل تسهيل الوصول إلى المطار، يتجاوز عجقة السير اليومية في المنطقة، وانما من اجل تعزيز دور المطار، وتوفير أي مشقّة على المسافرين، سواء المغادرين من الأراضي السورية القريبة، او لابناء محافظات الشمال وطرابلس وبعلبك – الهرمل بشكل خاص، مع تثمين الالتفاتة الحكومية الأخيرة، نحو انشاء فروع للجامعة اللبنانية في عكار، والتأكيد على توافق الجميع على اختيار المواقع الجغرافية المناسبة لها، كي لا تُستَغَل الخلافات حول ذلك لتأجيل التنفيذ او المماطلة به.
اما الضنّية – المنية، ففضلاً عن جغرافيتها التي تصل أعالي الجرد الشمالي قرب البحر المتوسط، فإن ما تختزنه من ثروات طبيعية ومناخ معتدل، تطرح على الملأ ما يمكن أن تستحقه هذه المنطقة المترامية الأطراف، من وضعها على خارطة السياحة اللبنانية، صيفًا وشتاءً، ولا تحتاج سوى للاستثمار فيها، وهي التي لا تقل عن كل مراكز الاصطياف شأناً واهميةً ومواقع خلّابة.
ان طرح ما تعانيه هذه المناطق، لا يجب ان يحجب ما تحتاجه محافظات النبطية والجنوب والبقاع وبيروت، من تضميدٍ للجراح، لما قدمته من تضحيات في الأرواح والمدن والبلدات والقرى التي دمرّها العدو الصهيوني، والمباشرة في اعداد خطط الإعمار من جديد، والتعويض على النازحين من أبنائها، وتوفير الملاذات الآمنة لهم حتى تحقيق هذه الغاية.
لقد جاءت اللامركزية الادارية في صلب ما تم اقراره في “اتفاق الطائف”، كدستور جديد للبلاد، غير انه لم يُعمَل به للأسف، شأنه شأن البنود الأخرى التي لم ترَ النور بعد، واكتفت حكومات ما بعد الطائف، بإضافة محافظات جديدة: بعلبك – الهرمل في البقاع، النبطية في الجنوب، وعكار شمالاً، ولكن هل تنفع التسميات من دون وضع محافظات لبنان الثمانية وبلدياتها على خرائط الانماء من جديد، كخطوة اساسية تتطلبه اللامركزية الادارية أمس واليوم وغداً.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى