“معاريف العبرية”: هل توشك “إسرائيل” على التفكك؟
“المدارنت”
حملة الانتخابات وكل ما رافقها ويرافقها في اليوم التالي يضع دولة إسرائيل في واقع بشع ومقلق.
الاستنتاج الأول، أن الحديث لا يدور فقط عن أزمة سياسية بل عن أزمة هوية، وأساساً أزمة توافق على معنى الدولة.
انقسمنا إلى جماعات متنافسة بدلاً من أن نكون أمة واحدة. صحيح أن هذا ليس جديداً، فمنذ الأزل وهذا الشعب يتحرك في مبنى من القبائل. فالمجتمع الإسرائيلي لم يكن منسجماً ذات يوم؛ فثمة خلافات بين المتدينين والعلمانيين، اليمين واليسار، الأشكناز والشرقيين، وبالطبع بين اليهود والعرب. ولكن رغم ذلك، كان هناك إحساس بمصير مشترك، وأساساً في الساعات العسرة التي كان يمكن الشعور فيها بالوحدة الناشئة.
أما اليوم، فهذا القاسم المشترك آخذ في التقلص، يكاد لا يكون ملموساً ويخلف إحساساً بأن كل قبيلة ترى في الأخرى تهديداً على مستقبلها.
إضافة إلى ذلك، هناك فقدان ثقة خطير بمؤسسات الدولة، بالحجارة الأساس التي قامت عليها الدولة. المواطنون يفقدون الثقة بالحكومة، بالكنيست، بجهاز القضاء، بالشرطة، بـ “الشاباك” وبالجيش الإسرائيلي، بوسائل الإعلام وحتى بالموساد. عملياً، لم تتبق جهة وطنية واحدة متفق عليها يمكن أن تشكل جهة موحدة.
تنضم إلى هذا كله أسئلة عسرة عقب كارثة 7 أكتوبر: من المذنب، من المسؤول، من لم يحذر، من حاول الإخفاء، من ينبغي أن يقدم الحساب. لا جواب، وهذا بالطبع يفاقم إحساس فقدان الثقة.
دولة قوية يمكنها أن تنجو من خلاف سياسي، حتى لو كان حاداً. لكن وضعاً لا يؤمن فيه مواطنوها بأن الحكومة تعمل من أجل الشعب والدولة بل من أجل بقائها، وضع يقوض كل شيء.
وثمة فجوة نشأت بين الدولة اليهودية والدولة الديمقراطية. يوجد اليوم من يرون في الهوية اليهودية العنصر الأعلى. بالمقابل، يوجد من يخشون من أن التشديد على الدولة اليهودية جاء على حساب المساواة المدنية والديمقراطية. التحدي ليس الاختيار بين اليهودية والديمقراطية، بل الإثبات بأن التعايش بسلام نمكن لكليهما.

ينبغي أن يضاف إلى هذا كله الخطر الديمغرافي والاقتصادي والأمني. هذا واضح جيداً هذه الأيام، حين تتصدى إسرائيل لبضعة ميول بالتوازي: الأول، نمو متزايد لعدد السكان الذين لا يتحملون العبء الأمني ولا يشاركون بما يكفي في سوق العمل.
بعده، يتعاظم القلب من غلاء المعيشة وإحساس انعدام الأمن الاقتصادي. يضاف إلى ذلك تآكل شريحة الطبقة الوسطى والفجوات المتسعة بين المركز والمحيط، فيما يتضح أنه من الصعب في مثل هذا الوضع اتخاذ قرارات اقتصادية وأمنية. عندما يتضرر الاقتصاد، ويتعاظم الإحباط والتوترات الأمنية، وتنشأ أجواء الاستياء والغضب.
وأخيراً، يطرح السؤال: هل توشك إسرائيل على التفكك؟ قبل أن نجيب، تجدر الإشارة إلى أن إسرائيل ليست دولة فاشلة. لها اقتصاد متطور، وجيش قوي، ومجتمع مدني نشط، ومنظومة علم وتكنولوجيا استثنائية، وزراعة هي من الأكثر تطوراً في العالم، وتقاليد طويلة الزمن لشعب قوي مع قدرة رائعة على التصدي للأزمات. لكن من المهم التشديد على أن الماضي لا يضمن المستقبل.
الخطر لا يكون بالضرورة تفككاً مادياً للدولة، بل التفكك التدريجي حين تعيش كل جماعة وفقاً لمنظومة قيمها الخاصة، تكافح في سبيل مقدراتها وترفض قبول الآخر.
الحل ليس حكومة يسار أو يمين، بل إقامة إطار سياسي واجتماعي جديد يضع في المركز المصلحة القومية المشتركة الموحدة التي تتضمن المساواة في العبء والحقوق، والدفاع عن الديمقراطية وعن مؤسسات الدولة. سياسة تقليص الفجوات، الاعتراف بحقوق كل شرائح الشعب كشركاء في حياة الدولة. ومن المهم أن نتذكر بأن دولة إسرائيل يمكنها التصدي لكل أعدائها، لكنها إذا فقدت الثقة والتكافل الداخلي، فلا يمكن لأي قوة عسكرية أو اقتصادية أن تضمن مستقبلها.



