مقالات

وئـــام لا خـصــــام!

د. محمود المسلماني/ لبنان
خاص “المدارنت”..
وُجد الإنسان بذرة حيّة، وسرعان ما تطوّرت مع الزمن، فنمت مداركها وبلغت عاقلتها سنّ الرشد .
خلال هذه المرحلة وما تلاها، كانت عاقلته مسرحًا لأسئلة كبرى، لا تملك إزّاءها أجوبة شافية: مَن الذي أوجدني؟ ولماذا كان هذا الوجود؟ ما هو مصيري بعد الموت؟ هل أنتقل إلى عالم آخر؟ وهل من ثواب في جنّة، أو جزاء في جحيم؟!…
أسئلة كثيرة تراود هذا الإنسان، وتبحث عن أجوبتها في عالم الماورائيات.
كان الإنسان قد بلغ سنّ القدرة على التعلّم، فتلقّى على مقاعد الدراسة أنّ الأداة التي تصلح لمعرفة هذا العالم الماديّ المحسوس، هي العلم؛ فهذا هو ميدانه وموضوع اختصاصه. ورغم أنّ معرفته له هي معرفة تقريبيّة، إلّا أنّها المعرفة التي يُعتدّ بها، وتُعتمد حقائقها لديه.
أمّا ذلك العالم الميتافيزيقي (عالم الماورائيات) الذي لا يدخل في نطاق التجربة، ولا يمكن التحقّق من موضوعاته عن طريقها، فهو عالم خارج اختصاصه، فلا يقارب موضوعاته بالنفي أو التأكيد؛ لأنّ أداته المعرفيّة تعتمد على التزاوج البنّاء بين التجربة والعقل في إنتاج حقائقها، وهو أمر غير متاح لعدم إمكانيّة خضوعه لمبدإ التحقّق عن طريق التجربة.
لكنّ الأسئلة التي تراود الإنسان، لا تنفكّ تلحّ على صاحبها لتوفير إجابات شافية؛ فمن أين تأتيه الإجابة التي تريح النفس ويطمئنّ إليها الخاطر؟
إنّه الدين لدى أغلبيّة الناس. والدين معتقد يقوم أساسًا على الإيمان، والإيمان في مفهومه تصديق واطمئنان. والإنسان في ما يتعلّق بهذا الجانب الإيمانيّ، حرّ لا يقيّده واجب علميّ ما دام العلم يقصر موضوعاته ودوره على عالم المادّة والمحسوس، ولا يتناول بأحكامه إيماننا بموضوعات عالم لا يخضع لمنهجه في المعرفة والتحقيق، وهو يعتبر أنّ من حقّ كل إنسان أن يبحث عن أجوبة لأسئلته المتعلّقة بذلك العالم الميتافيزيقيّ، على النحو الذي يرتاح إليه، على أن يترك لمعرفة هذا العالم الماديّ أداته المعرفيّة الخاصّة التي هي العلم.
وفي المقابل ، فالدين لم يقف موقفًا سلبيًّا من هذا العلم، بل دعا إلى طلبه والتزوّد بمعارفه واعتماد مناهجه في تناول مسائل هذا العالم، فيكون بذلك قد أرضى حاجتين أساسيتين في شخصيّة الإنسان: الأولى: تتعلّق بكيانه المادّيّ، وما يتعلّق به من علوم في السياسة والإقتصاد والإجتماع، وأخرى: تتعلّق إيمانيًّا بتلك الماورائيات، وتجيب عن أسئلته فيها.
وهكذا، نحن إذًا أمام خطّين متقاطعين، هما خطّ العلم وخطّ الإيمان. وهما خطّان يتقاطعان عند مصلحة الإنسان بتلبية حاجاته الماديّة والروحيّة في الآن نفسه.
وإنّ هذا التقاطع يفترض بطرفيه، ألّا يعيشا حالة نزاع وخصام، بل في أجواء من الإنسجام والوئام، لتكتمل بهما مصلحة الإنسان المادّية وطمأنينته النفسيّة.
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى