مقالات

واصف الحركة لـ”المدارنت”: سنطلق مشروعنا للتغيير قريبًا وإذا لم نفعل نكون مجرمين بحق الناس!

الناشط السياسي المحامي واصف الحركة
حاوره وليد الخطيب/ لبنان

خاص “المدارنت”..
على الرغم من كثرة المواعيد وزحمة اللقاءات وملفات القضايا الموضوعة على طاولته، استقبلنا مؤسّس “المرصد الشعبي لمكافحة الفساد” الناشط السياسي المحامي واصف الحركة، الذي برز على الساحة السياسية منذ تحركات 2011، ولمع نجمه في ثورة 17 تشرين 2019 في لبنان، حيث كان رأس حربة في مواجهة الفساد والنظام الطائفي والزبائنية والمحسوبية، ودافع عن ناشطين اعتقلوا في الميادين خلال مشاركاتهم في حراك 17 تشرين وما بعده.

وبعد دردشة سريعه، وتساؤلنا عن أمله بالتغيير في لبنان، قال الحركة:
“إن هذا السؤال يُشعرني بأن الإجابة محسومة، وهي استحالة التغيير، واعتبر أن هذه الإجابة مسبقة عن السؤال، فالمعطيات التاريخية كلها – موضوعيًّا وذاتيًّا – تقول ما من شيء أو حالة لم تتغيّر. فالسؤال الذي يجب أن يُطرَح ليس هل سيحصل تغيير؟ بل هل التغيير الذي سيحصل سيكون إيجابيًّا؟ بمعنى المواطنة وبناء الدولة. وليس الموضوع أنني آمل بالتغيير، فأنا أؤمن بأنه حتمي. فما من ركود دائم في الطبيعة ولا في الحياة وإن دام فترات طويلة. فالإيمان نابع من معطيات موضوعية أساسية وحقيقية عدة، بحسب حركة التاريخ، إضافة إلى معطيات ذاتية، والدليل على ذلك التحركات التي حصلت في العهد القريب، وهنا أقصد التحركات من 2009 إلى 2019 التي تغيرت بسببها أمور كثيرة كميًّا ونوعيًّا، وأهمها أن السلطة وُضِعَت في مواجهة واضحة مع الناس الذين كسروا فيها أكثر من حاجز الخوف، فقد كسروا فيها جميع “التابوات” والمحرّمات – بحسب عرف السلطة – التي كانت مفروضة”.
ورأى الحركة ان “نتائج المواجهة والمكاسب التي حصل عليها الناس، كثيرة، سنأتي على ذكر بعضها في معرض الكلام. فلا يعتقدنّ أحد أن المواجهة في السياسة تكون في حلبة ملاكمة تنتهي بالضربة القاضية – أي نعم، قد تنتهي مواجهة ما بالضربة القاضية، إذا حصل انقلاب عسكري في دولة ما – خصوصًا في لبنان، حيث المواجهة هي مع المدنيين. ما يحصل الآن بعد التحركات والمواجهات هو الحد من قوة النظام وقضم صلاحيات المنظومة إلى أن تنهار بالكامل وإن طال عمرها. ونحن، في لبنان، مواجهتنا مع هذه المنظومة زمنية بمعنى أن ما من ثورة انطلقت في العالم آتت أُكُلها خلال سنة أو اثنتين أو ثلاثٍ”…
وأوضح بشأن عدم التغيير في لبنان منذ عهد المتصرفية؟! أن “إشكاليات النظام في لبنان أكبر وأصعب منها في أي بلد في العالم. فالدكتاتورية فيه دكتاتورية متعددة الرأس نتيجة تعدد الطائفية السياسية. ونحن لا نواجه رأسًا واحدًا ولا نظامًا واحدًا، بل أنظمة متعدّدة – رغم اختلافها وتباينها – متفقة على قمعنا للمحافظة على وجودها ومكاسبها. فالطائفية لم تأتِ فيه بعد بناء الدولة المدنية، بل أُنشِئت هذه الأخيرة على حجم الطوائف وزعمائها السياسيين. لذا، المواجهة ليست سهلة كما يظن بعض الناس، لكنّها فعّالة، وخير دليل على ذلك، أنّ السرقة كانت في التسعينيات وما بعدها كشربة ماء في الدولة اللبنانية… ونتيجة معارضتنا ومواجهتنا المنظومة الحاكمة، سقطت المناقصة التي أطلقها وزير الأشغال في المطار، وهذا ليس تفصيلًا بسيطًا، لأن مواجهتنا منذ 2019 أصبحت مختلفة وتُحدِث فرقًا”.
 وجود 10 أو 11 نائبًا خارج المنظومة هو انتصار لقوى التغيير
وتابع: “صحيح أن هذه مناقصة واحدة قد سقطت، مقابل مشاريع وصفقات كثير مرّت من دون محاسبة، ومن دون دليل، أنا متأكد من ذلك، لكن المسألة ليست كُن فيكون، بل هي في قدرة الناس الكبيرة على المواجهة وتحمّلهم المشقات والمصاعب، ولا شكّ هم يعملون وفق سياسة النفس الطويل، لأنهم يدركون أن التغيير يحتاج إلى وقت ليس بقصير. لا ريب في أن ثمة ظروفًا تحكم، فقدرة الناس على المواجهة بعد فايروس “كورونا” ليست كما قبله. وكذلك بعد الأزمة الاقتصادية التي يعيشونها. لكن، هل الهبوط في مستوى المواجهة أو التخفيف من حدّتها يعني نهايتها الحتمية؟ الجواب: لا. وما أؤكده هنا أننا مستمرون رغم كل شيء في صوغ مشروعنا، وإن كان مشروعًا أقلويًّا لا أكثريًّا. فنحن لا نستطيع إنهاء النظام والمنظومة بالضربة القاضية، وكل ما نحاول فعله هو أن نجعلهما يضعفان ويخسران قوتهما شيئًا فشيئًا إلى أن ينهارا بالكامل. في المجلس النيابي اليوم، 128 نائبًا. إذا كان 10 أو 11 نائبًا ليسوا ضمن المنظومة، فهذا انتصار لنا كقوى تغيير، وإن كانوا لا يستطيعون إحداث فرق كبير، ولكن يكفي أن تكون أصواتهم معارضة للسياسات المتبعة داخل المجلس”.

قريبًا سنعلن عن رؤية واحدة “لقوى التغيير”
وشدّد الحركة على أن “القول أن هناك نائبين معارضين فعليًا من التغييريّين وليس الجميع، لأن بعضهم تماهى مع السلطة وانسجم معها، وصوّت لمرشح الرئاسة جهاد أزعور ضدّ (مرشح المحور السوري/ الإيراني رئيس تيار المردة) سليمان فرنجية، فيه ظلمًا كبيرًا وإجحافًا عظيمًا، فنحن لا نستطيع المحاسبة على القطعة، بل على التصرف وعلى المنهج وعلى المسار العام. فثمة مواجهات كثيرة خاضها جميع النواب “التغييريين”. منها ما نجحوا فيها ومنها ما لم يستطيعوا إحداث أي فرق فيها. أما التصويت لجهاد أزعور، فأنا شخصيًّا كنت ضدّه، ولكن ثمّة رأي كان يقول – وأنا هنا لا أبرّر التصويت لكني أتفهّم الرأي – أمام التعنّت الحاصل من الفرقاء الذين يريدون انتخاب – بحسب قولهم المرشح الوحيد التوافقي – سليمان فرنجية وأمام تعجرفهم، لا بد من تصويت إسقاطي، الهدف منه إسقاط الأخير، لا انتخاب أزعور. وهذا لأن ما من مرشّح آخر لانتخابه، ولا نستطيع أن نأتي بمرشّح من كوكب آخر يكون خارج المنظومة. وما أطلبه هنا عدم الحكم علينا وعلى النواب التغييريين خلال هذه الفترة القصيرة على القطعة، بل الحكم على مسارنا العام”، مضيفًا “أنا أعترف بأننا أخطأنا، فنحن لم نستطع أن نبلور مشروعنا التغييري إلى الآن، ولم نستطع أن نحدّد آليات العمل. الأخطاء حصلت وستحصل، ولكن على الصعيد الاستراتيجي نحن في المسار الصحيح. وهذا لأسباب موضوعية خارجة عن إرادتنا كالظروف، وذاتية، كالأنانية الموجودة عند بعضنا”.
نحن كمعارضة نحاسب أنفسنا لتصحيح المسار
ولفت الى “أننا نحاسب أنفسنا دائمًا كمعارضة، حتى نتجنّب الوقوع في الأخطاء الكبرى للوصول إلى مشروع موحّد. وثمة نقاشات واجتماعات دورية دائمة لمراجعة الأخطاء التي وقعنا فيها لتصحيح المسار والوصول إلى رؤية واحدة للقوى التغييرية، إن على صعيد المناطق أو على صعيد البلد ككل. ومن المفترض أن تتظهّر هذه الرؤية عاجلًا لا آجلًا، وسيكون لنا اجتماع قريبًا جدًّا للإعلان عن هذه الرؤية. وهذه القوى التغييرية تجمعها الأفكار الموحّدة رغم وجود الاختلافات البسيطة التي لا تتعدّى هذه الحدود لتصحيح أخطاء جوهرية. ويجب أن نتعلم من الأخطاء التي اقترفناها، وأن يكون توقيت كل قرار نتخذه سليمًا، لأنّنا في الماضي وقعنا في هذا الأمر، فقد كنا نتخذ قرارات في الوقت الخطأ. لذا، التوقيت السليم جزء لا يتجزّأ من عملية بلورة مشروعنا الذي نسعى إليه، وجزء من المواجهة للوصول إلى الانتصار”.
وأشار الى أنه “في ذروة المواجهة في 17 تشرين 2019، كان ثمة رأيان، رأي يقول فلندع الناس يقررون ما يريدون، حتى لا نظهر بمظهر الدكتاتوريين نملي عليهم آراءنا وإرادتنا؛ ورأي آخر يقول أن نضع خطة للمواجهة ونسير وفقها من ألفها إلى يائها… وهنا كانت الخطيئة الكبرى، إذ كان يجب أن نتبنّى رأيًا ثالثًا، يجمع بين الرأيين السابقين، حيث يكون القرار بالمواجهة واضحًا مع الأخذ بالخيارات الديموقراطية من الناس. فالمنظومة في 17 تشرين كانت خائفة، وكان يجب علينا استغلال هذه النقطة، وأن نخطو نحو التغيير، وهنا ارتكبنا الخطيئة العظمى، لأنّنا لم نتّخذ هذا القرار في ذلك الوقت الذي كان مناسبًا جدًّا”.
من هذا المنطلق، أنا من المتفائلين والمؤمنين بالتغيير وعندي ثقة كبيرة في نفسي وفي الناس، رغم كل ما حصل، ورغم ما أفرزته الانتخابات النيابية التي أُجرِيَت العام الماضي، فأمزجة الناس تتغيّر وتحكمها الظروف الحياتية التي تثقل كواهلهم، فثمة فئة كبيرة تريد التغيير لكنها محكومة مسبقًا في لقمة عيشها وفي دوائها وفي حياتها في شكل عام…”.
واجبنا كتغييريّين توعية الناس وإقناعهم بمشروعنا
وتابع الحركة: “في الانتخابات النيابية التي أُجرِيَت في العام 2018، حصلنا على 40 ألف صوت، وفي الانتخابات الأخيرة حصلنا على 400 ألف. وهذا يعني أننا مقبلون على التغيير، لكن المسألة تحتاج إلى وقت وجهد ومتابعة. فالتدمير بدأ ممنهجًا منذ التسعينيات، وقد طاول النقابات والاتحاد العمالي العام والمستشفيات والدوائر الحكومية والقطاع العام إجمالًا. لذا، علينا توعية الناس وتثقيفهم وإقناعهم بمشروعنا لنصل إلى الهدف المنشود”.
واوضح بالنسبة لتوعية الناس وبخاصة الشباب، أن ثمة نضال طلابي يحصل، ترتفع وتيرته وتهبط في أوقات معينة، ولكنه مستمرّ، ونحن في خضمه وهو يحتاج إلى عمل وتحضير وترتيب ليل نهار… وهو مواكب لنشاطات ثقافية توعوية على جميع الصعد… فخطوط النضال متعددة، ونحن نحاول أن تكون الثورة شاملة إياها كلها، لأننا نعتبر أننا نعيد صناعة المجتمع. فبمَ يختلف المواطن اللبناني عن المواطن الأجنبي؟ الاختلاف يكمن في إدارة دولة تؤمن بالمواطنة الحقيقية تصنع الإنسان، وهي ليست موجودة عندنا. فكيف تكون صناعة الإنسان؟ تكون عندما يحصل توازن بين حقوقه وواجباته، وتفتح له أفقًا للمستقبل. من هنا نحن مستمرون في محاربة الفساد وملاحقة الفاسدين والمفسدين ومحاسبتهم لبناء الدولة التي تصنع إنسانًا حقيقيًّا يكون دوره فعّالًا في المجتمع”، مضيفًا لقد ادّعينا على مديرَين في مستشفى صيدا الحكومي بتهمة اختلاس، وملفّ كل منهما أصبح عند قاضي تحقيق، وللمناسبة، تطهير القضاء جزء من معركتنا أيضًا، حيث فيه قضاة شرفاء وقضاة فاسدون. فالقائمون على الدولة هدموها وأنشأوا مكانها كيانًا مسخًا”.
وأيّد القول: أن “المنظومة تستضعف المعارضة، وتتمادى في خرق الدستور وإبرام صفقات مشبوهة”، لافتًا الى أن “المنظومة فعليًّا أقوى منّا، والاعتراف بقوة الخصم أمر ضروري لمعرفة كيفية محاربته، فجذور هذه المنظومة/ الخصم ممتدة تاريخيًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا حتى الأعماق، ومواجهتها تعني مواجهة فكرها وأدواتها ووسائلها. ونحن نحاول فتح الملفات كلها، والذي نقدر عليه سنسير فيه حتى النهاية والذي لا نقدر عليه نعتبر أننا في حالة ربط نزاع إلى حين اعتدال ميزان القوى. لكن التراجع غير وارد في قاموسنا. والموجودون في الحكم يراهنون على سأمنا وسأم الناس، وعلى يأسنا، وهم يحاولون تيئيسنا وإضعافنا بذكائهم الجهنّمي وبإجرامهم. فما المنتظر من أشخاص تاريخهم الإجرامي يشهد عليهم بأنهم كانوا أمراء حرب يذبحون بحسب الهوية؟ هل تعتقد أنهم سيتأثرون إذا جاع الناس أو مرضوا ولم يجدوا دواء؟ هؤلاء أشخاص أيديهم ملطّخة بالدماء، وهم يستطيعون فعل أي شيء ليس في مقدور الإنسان العادي فعله من دون أن يرفّ لهم جفن”.
العاجز عن تأمين الطعام والدواء لأولاده لن ينتظر كثيرًا
ورأى أنه “بسبب الأزمة الاقتصادية وعدم قدرة أقطاب المنظومة على استغلال الناس بالدواء والتعليم والغذاء… سيحصل تصادم بين هؤلاء الأقطاب وناسهم والمؤيدين لهم على مصالح شخصية لا على انتماء حقيقي أو على حب الوطن أو على مشروع وطني، فالذي لا يستطيع تأمين الطعام لعائلته، وكذا الذي لا يستطيع أن يؤمّن الدواء لأولاده أو التعليم… لن ينتظر كثيرًا. وعلينا نحن توعية الناس لنقلهم من الوعي المصلحي الشخصي إلى الوعي العام الذي يفيد أكثر من التفكير في المصلحة الذاتية، رغم أننا كقوى تغيير ما نزال مقصرين في هذا الإطار.، وعلينا أن نعمل أكثر لبلورة برنامج العمل الثوري التوعوي”.
ولفت لحركة الى أن “انفضاض الناس من حولهم، بسبب الملل من المواجهة ولعدم رؤية مشروع موحّد، إضافة الى سبب ثالث هو الأزمة الاقتصادية الخانقة. وأعتقد أن الانفجار الشعبي آتٍ لا محالة، وعلينا أن نكون نحن كقوى ثورية تغييرية جاهزين في الشارع، للتعبير عن الموقف السياسي حتى يسير الناس تحت شعاره… فالتغيير ليس مستحيلًا، لكن طريقه شاق وطويل ومحفوف بالمخاطر والتضحيات، وهو مكلف جدًّا، ما يقلقني، هو أن يكون الانفجار اجتماعيًّا لا ثورة تغييرية، يؤدي إلى ما لا تُحمَد عقباه”.
وقال: ” لا يمكن أن تدعونا المصلحة العامة الى التعامل مع المنظومة الحاكمة، فهذا لا يمكن، لأننا بذلك نخون أنفسنا ومبادئنا ومجتمعنا ووطننا وإنسانيتنا، ومن غير المعقول التعامل مع المجرمين، حيث إن التعامل معهم يعني الاعتراف بهم وإعطاءهم صكّ براءة ممّا ارتكبوه. ومن يتعامل معهم يكن شريكهم”.
وعن تعامله مع قوى التغيير وصدقهم في توجّهاتهم وطروحاتهم، قال الحركة:
“أنا أتعامل مع شركائي ومع الناس وفق قاعدة الظاهر لا الباطن، وأعتبرهم صادقين في ما يعملون حتى إثبات العكس. وقد ظهر أشخاص على حقيقتهم، وهذا أمر طبيعي يحصل في كل زمان وكل مكان.

وختم: “إننا سنكمل كتفًا بكتف مع الناس، من اجل الوصول إلى وطن يستحقنا. فهذا الوطن يستحق منا الأفضل، فكل شيء مختلف حتى شمسه مختلفة عنها في أي بلد آخر. وأعد بأننا سنبلور برنامجنا لمشروع التغيير ونطلقه قريبًا. وإذا لم نفعل وأطلنا أمده، ولم يُطلَق نكون مجرمين في حقّ الناس والبلد.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى