وقـائــع يــوم مـقـيــت.. 16/ تـ 2/ 1970.. إستيلاء الأسد على السلطة
خاص “المدارنت”..

أذكر ذلك اليوم المقيت، كأنه مرّ عليّ قبل أسابيع لا أكثر. يوم رمادي غائم بارد، لم أكن أتصور أن يصبح بداية لشتاء قارس على شعبنا، يستمر أربعين سنة قاحلة، ونظل نتذكره بعد كل هذه الحقبة الثقيلة المريرة .
كنت طالباً في السنة الأخيرة من المرحلة الثانوية، في ثانوية الارض المقدسة بحلب. كنت على رغم يفَاعتي، ناشطاً في أحد أحزاب المعارضة السرية، وعضواً في حركة فتح الفلسطينية، وكنت شاعراً ذا اسم معروف على مستوى المدينة، وبمحض الصدفة كان معظم طلاب فصلي منخرطين مثلي إلى أعناقهم في النشاط السياسي السري والعلني، المعارض والموالي، وكثير منهم صار له فيما بعد شأن، وذاع صيته. ولتكتمل المصادفة القدرية، توافق أن كان عدد لا يستهان به من مدرسينا ناشطين سياسيين بارزين ايضاً، كالأستاذ عبد الله الطنطاوي، مدرس اللغة العربية أحد أبرز قادة الاخوان المسلمين، ومحمد عبد الوهاب، أحد أعضاء الحزب الشيوعي، والاستاذ ابراهيم السلقيني رحمه الله. لذلك كان الفصل أشبه بندوة سياسية مفتوحة على الدوام، تحتدم فيها النقاشات والصراعات، وكثيرا ما تتطور لعراك أو شجار بالأيدي، ذلك أن المرحلة التي أعقبت هزيمة حزيران 1967 المأساوية، فجرت في أبناء جيلنا الحسّ الوطني والوعي السياسي بشكل مبكر، وجرفتنا في خضم تياراتها السياسية والاديولوجية الصاخبة، شأنها كشأن الانقلابات العسكرية المتوالية، التي حدثت منذ انهيار الوحدة مع مصر عام 1961، ثم العهد الذي كان يدعى الانفصال ثم انقلاب البعث، وانقلاب 1966 بين جناحي البعث، لعن الله الفريقين، فكل منهما كان أسوأ من الآخر، ولعن ثالثهما، الذي حمل حافظ الاسد للاستفراد بالسلطة .
في الليلة السابقة للحدث، أوينا الى بيوتنا مبكرين، وقد تناهت الى أسماعنا شائعات ومعلومات غير مؤكدة، ولا رسمية، عن انقلاب جديد قاده وزير الدفاع على رفاقه في القيادة، وإرسالهم بالجملة الى بيت خالتهم “سجن المز!”.
وعندما نهضنا صباحا، بحثنا في اذاعة دمشق وبقية المحطات، عن نبأ أو إشارة تؤكد أو تنفي، ولكن محاولاتنا ذهبت أدراج الرياح. وحين وصلنا قبيل الثامنة الى المدرسة، بدأنا نتهامس ونتوشوش، ونتبادل ما لدينا من شائعات وحكايات وأنباء عن انقلاب جديد. وتضاربت الروايات والمعلومات، لكنها اتفقت على أن الطغمة الحزبية الحاكمة صارت بأكملها في المزة، وأن اللواء حافظ الاسد أمسك بالسلطة، ومعه تابعه مصطفى طلاس رئيس الأركان، ومن ورائهما العميد علي المدني قائد الشرطة العسكرية، والعميد ناجي جميل قائد القوى الجوية .
في الثامنة، دخلنا الفصل بعد أن قرع الجرس، ولاحظنا ان مدير المدرسة وهو بعثي متطرف ومزايد، يدعى محمد الاسدي، غائب وغير موجود على غير عادته كل صباح، ولاحظنا أن معظم مسؤولي الحزب وشبيبة الثورة واتحاد الطلاب غائبون، وعلى رأسهم الزميل صالح الملاح مسؤول الشبيبة المفعم دائما بالعواطف البعثية الجياشة، وبالغرور بأمجاد الحزب القائد!
في الحصة الأولى، كان لنا مدرس للغة الانجليزية يمتاز بموهبة النكتة، وحسّ السخرية السياسية، فوجدناه يومها ضاحكاً مستبشراً يلقي النكات بلا حذر ولا خوف، وينتقل من نكتة الى أخرى، ولم يطلب منا لا فتح الكتاب ولا تقديم الواجبات.. كان مطمئنا إلى أن النظام انتهى، واليوم عيد يستحق الاحتفال .
الحصة الثانية، كانت للغة العربية، ودخل علينا استاذنا عبد الله الطنطاوي، وكان أشد حبوراً من سابقه، ولكن برصانة، وأخذ يطلب منا أن نكتب نصاً أدبياً عن حتمية انتهاء الطغيان، وسقوط الحكام الظالمين، ويطلب أن نستظهر ما نحفظه من أقوال مأثورة، وأشعار وحكم عن الموضوع. وصرنا نتبارى فعلاً، وجاريناه في مكره الحميد والجميل .
وبينما نحن هكذا، اقتحم علينا الحجرة بلا استئذان زميلنا صالح الملاح، أهم مسؤولي الحزب والشبيبة في المدرسة، كان هائجاً يرتعد ويرتعش، وشعره منكوش يتطاير، وعيناه محمرتان، وحركاته مضطربة. وقف أمامنا غير عابىء بالمدرس، وانفجر صارخاً كمن مسّه سعار: يا رفاق.. يا رفاق.. الحزب طار، لقد سيطرت طغمة عسكرية رجعية على الحزب، واعتقلت القيادة الشرعية وزجت بها في المعتقل.. يا رفاق اخرجوا الى الشارع، ودافعوا عن الحزب والثورة.. يا رفاق.. هذه مؤامرة على سوريا وعلى البعث، وعلى الأمة العربية وعلى فلسطين، كان يخطب بصوت عال ويداه تتحركان كالمروحة.. وينتظر منا التجاوب معه.
مدرسنا العتيد، التزم جانب الفصل ولاذ بالصمت، ووجهه بلا ملامح محددة، وعلى الإثر أخذ بعض الطلاب البعثيين بالنهوض من مقاعدهم، تجاوباً مع الزميل البعثي، متأثرين بهيجانه.. فخشيت أن يحقق مبتغاه، فنهضت واقفاً، وقلت له ببرود شديد وهدوء مصطنع جداً، متظاهراً بالغفلة والغباء: يا زميل صالح.. أرجوك اخرج ودعنا نكمل درسنا، فنحن طلاب بكالوريا، ولسنا “فاضيين” لهذه الأشياء، ولا نفهم عما تتكلم.. وتحركت من مقعدي وسحبته من يده ودفعته نحو الباب.. فجنّ جنونه أكثر، وأخذ يكيل الشتائم لي، ويقول: نحن نعرفك، أنت أصلاً ضدّ الحزب وضد الثورة، أنت رجعي.. كاد الموقف يتحوّل عراكاً، لولا أن زملاء آخرين تدخلوا وفصلوا بيننا، وأخرجوه، حيث ذهب لبقية الفصول واحدا بعد آخر، يحثّ الطلاب على الإضراب والخروج للاحتجاج على الانقلاب، وعدت أنا الى مقعدي بعد أن اغلقنا الباب، وقلت للمدرس: تفضل أستاذ أكمل لنا الدرس.. وكان هذا يضحك من أعماقه ويقول لي: أحسنت أحسنت !
في المساء، كانت الاذاعة الرسمية قد خرجت عن صمتها، وأعلنت قيام “الحركة التصحيحية”، واعتقال الزمرة المراهقة التي أضاعت البلاد وأشاعت الارهاب بين المواطنين”، ونمنا على وهم الخلاص من طغيان “الزمرة المراهقة”، ولم نتصور أن ما سيأتي سيجعلنا نتحسر على ما كان .
في اليوم التالي، عندما وصلنا المدرسة، علمنا أن زملاءنا البعثيين الذين أعربوا عن رفضهم ومعارضتهم للانقلاب في اليوم السابق، وكانوا موالين للزمرة السابقة، قد اعتقلتهم المخابرات العسكرية. وصرنا نتحدث عن سخريات القدر، ولكن فوجئنا مرة أخرى بإطلاق سراحهم بعد 48 ساعة فقط، وعودتهم الى المدرسة، وقد انصاعوا للعهد الجديد، وعاد زميلنا صالح الملاح، ليوزع علينا بياناً معاكساً للسابق، يشيد فيه بـ”الحركة التصحيحية” التي قادها “إبن الحزب البار الرفيق الفريق حافظ الأسد”.
وصرت كلما التقيته في الأعوام التالية، أذكره بما قاله عن الطغمة العسكرية التي أطاحت بالقيادة الشرعية، وتآمرت على الثورة والبعث.. وكان يتوسّلني ألّا اذكره بتلك الحادثة “العرضية”.
وللعلم، فإن هذا “الصالح الملاح”، صار فيما بعد رئيسا لغرفة التجارة في حلب، وصار حوتاً من حيتان الفساد الكبار في سوريا، ونائباً دائما في مجلس الشعبّ، بينما صرنا نحن وأمثالنا ملاحقين ومشردين في المنافي، نتنقل من بلد إلى آخر طوال خمسين عاماً، لا نملك حتى بطاقة هوية تثبت سوريتنا!
=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=



