مقالات

وما زالت التساؤلات تبحث عن إجابة؟!

د. محمد الحسامي/ اليمن

//خاص المدارنت//… في يوم من الأيام، كنت شاباً يافعاً في بداية العشرينات، أحمل هموم ليس وطني فقط، بل أمتي بأكملها، بعد أن تربيت على فكرها القومي كجزء أصيل من الفكر الإسلامي وحضارتها العربية الإسلامية، وشابا حالما بإعادة أمجادها، مفتخرا بالإنتماء إليها، ومغبونا على ما آلت إليه.

كان ذلك في نهاية العقد قبل الأخير من القرن الماضي، حيث قُدّر لي أن أدرس الطبّ في إحدى الجامعات البولندية، “جامعة ياجولونسكي” في مدينة “كراكوف”، وبولندا كانت من ضمن المنظومة الاشتراكية وقتئذ، عشت فترة في ظل النظام الاشتراكي لذلك البلد.

.. فجأة. وفي نهاية العقد قبل الأخير للقرن الماضي وبداية العقد الأخير، حدث ما لم يكن في حسباني، حدث حراك التغيير في بلدان المنظومة الاشتراكية، وسقطت كل تلك النظم الاشتراكية، مع سقوط رمزها ورأسها ومنظرها والراعي الرسمي لها، الاتحاد السوفيتي وقتئذ، وسقط حائط برلين، وأزيل، وتوحدت ألمانيا، وما تزال تلك الصور التي رافقت ذلك على مستوى الواقع الذي كنت فيه، بولندا ثابتة في مخيّلتي، وما يزال مشهد سقوط جدار برلين وتحطيمه من قبل أولئك الشبان، وهو يُبثّ مباشرة على شاشات التلفزيون، مع ما رافقه من أغنية “the wall” ماثلاً أمامي، ولم يقتصر ذلك على تلك المنظومة، بل امتدت تلك الموجة من التغيير الديموقراطي إلى باقي العالم، أفريقيا وأميركا اللاتينية وآسيا، وتحوّلت فجأة تلك البلدان إلى بلدان ديمزقراطية، وشعر الفرد فيها بأنه عضو فاعل في بلده ومؤثر فيه، وبأنه أخيرا امتلك ذاته وذاتيته.

مع مرور الوقت، تحوّلت تلك البلدان في القارة الإفريقية إلى بلدان ديموقراطية، وتحوّلت جمهوريات الموز، أو جمهوريات الحديقة الخلفية للولايات المتحدة الأميركية كما كان يطلق عليها في أميركا اللاتينية، إلى دول ديموقراطية، وسقطت كل الأنظمة الديكتاتورية العسكرية فيها، وأصبحت دولاً لها كيانها الخاص بها، مع ما يُرافق ذلك من تنمية..

كل ذلك حدث، وأنا أعيشه واتفاعل معه، وفي نفس الوقت، عقلي ووجداني وأحاسيسي ووعي كلّه متجهاً صوب أمّتي، لعلّي أسمع بأن هناك شيئاَ ما حدث، أو مُنتظراً لشيء سيحدث فيها، تماشياً مع تلك الموجة الجديدة من التغيير الديموقراطي، ومرّت الأيام والسنوات، ولم أسمع شيئاً من ذلك…

أصبت بخيبة أمل كبيرة من جراء ذلك، لكن تلك الخيبة لم تفقدني الأمل بأمّتي، وبقدرتها واستطاعتها على إحداث التغيير إلى الأفضل، بل إن ذلك جعلني أعيد النظر في كثير من الأحلام الطوباوية التي أعيشها، والنظرة السطحية التي أنظر من خلالها مع الأشياء، وأنا في مقتبل عمري، ما جعلني أسأل نفسي وأتساءل معها: هل نحن أمّة تعيش خارج إطار التاريخ إن لم يكن جغرافيا فزمنياً؟! لماذا العالم تغيّر ونحن لم نتغيّر؟! لماذا الأنظمة الشمولية سقطت في بلدان العالم الآخر وما تزال الأنظمة الاستبدادية الاستعبادية التسلّطية الشمولية والطغيانية تتحكّم بمصيرنا كأمة ؟!

هل إنساننا غير إنسانهم؟ هل مجتمعنا غير مجتمعهم؟ هل أنظمتنا غير أنظمتهم؟ هل ثقافتنا غير ثقافتهم؟ هل ديننا غير دينهم؟! هل وعينا غير وعيهم؟! هل الإشكالية في طبيعة أنظمتنا؟ أم في طبيعة مجتمعاتنا؟ أم في كليهما معاً؟! هل الإشكالية داخلية خاصة بنا كأنظمة ومجتمعات؟ أم هناك عوامل خارجية تمنعنا من ذلك؟ أم كليهما معا؟ هل.. وهل.. وهل؟ باختصار شديد وموجز:

لماذا سقطت التسلّطية في العالم وبقيت عندنا؟ ولماذا نجحت الثورات الاجتماعية هناك وفشلت هنا؟ إذ كلما حدثت ثورة اجتماعية هنا، كانت نتيجتها الفشل الذريع والترحّم على ما قبلها، والحنين إليه، وتحميلها كل أوزار تلك الأنظمة، وكل ما نحن فيه وعليه.

منذ ذلك الوقت وحتى الآن، وأنا شخصيا ما زلت أبحث عن الإجابة لكل تلك الأسئلة التي طرحتها آنفا، وما منشوراتي إلاّ محاولة بسيطة ومتواضعة ومجزأة من ضمن تلك المحاولات.

وعليه: إن الإجابة على تلك الأسئلة المطروحة آنفا، ووضع الحلول المناسبة لها، ليست مهمة فرد أو جماعة أو مؤسسة، أو غيرها من المراكز والأبحاث في مختلف المجالات والعلوم الإنسانية والاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية والدينية والنفسية والفلسفية.. الخ لوحده، إنما بهم جميعاً ومن دون استثناء.

الخلاصة: إن الحلّ الصحيح لأيّ إشكالية من الإشكاليات، يتناسب تناسباً طردياً معها، فإن كانت بسيطة كان الحلّ بسيطاً، وإن كانت معقدة كان الحلّ معقداً، وإن كانت سهلة كان الحلّ سهلاً، والعكس صحيح، وإن النتائج بحسب مقدماتها، فإن كانت المقدمات صحيحة كانت النتائج صحيحة، والعكس صحيح، وإن التشخيص السليم والدقيق أساس العلاج السليم والدقيق، والعكس صحيح، وإن الشعوب والأمم مهما طال أمد سُباتها، لابد يوماً ما أن تستيقظ، وتنهض من ذلك السّبات، ولن يتم ذلك، إلاّ بالإنسان الفرد أولاً، ومن أجله، باعتباره الوسيلة والهدف والغاية من أي تغيير.

بكم يتجدد الأمل.. ويتحقق.. إن غداً لناظره أقرب وأفضل.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى