مقالات

أزمة سلاح أم قيام دولة!

مصطفى الترك/ فرنسا

خاص “المدارنت”
السلاح خارج الدولة وأزمة قيام الدولة في لبنان
في النقاش اللبناني، حول السيادة، غالباً ما يُطرح أن الدولة عاجزة بطبيعتها عن احتكار السلاح وإدارة شؤونها، وكأن هذا العجز قدر لا مفر منه. لكن قراءة دقيقة للتجربة اللبنانية تظهر أن هذا العجز ليس بنيوياً أو حتمياً، بل نتيجة مباشرة لوجود قوى مسلحة خارج سلطة الدولة، تمتلك قدرات عسكرية وبُنى تحتية تفوق قدرات المؤسسات الرسمية، وتصادر القرار السيادي.
في الحالة اللبنانية، هذا السلاح لم يعد فقط أداة لحماية الحدود، بل أصبح جزءاً من شبكة تحالفات إقليمية تتجاوز الجغرافيا اللبنانية. فارتباطه بمحاور إقليمية، وفي مقدمتها المحور الإيراني، جعله جزءاً من استراتيجيات عسكرية وسياسية تشمل العراق وسوريا واليمن، ما يعني أن قرار استخدامه قد يُتخذ أحياناً انطلاقاً من اعتبارات خارجية لا تتطابق بالضرورة مع مصلحة لبنان، أو مع إرادة أغلبية شعبه. هذا التداخل في المهام والولاءات جعل من الصعب على الدولة اللبنانية استعادة سيادتها الكاملة، إذ لم تعد تواجه مجرد قوة مسلحة محلية، بل مكوّناً من منظومة إقليمية عابرة للحدود.
ولا يمكن فهم هذه المعضلة من دون العودة إلى سنوات الوصاية السورية، التي ساعدت على ترسيخ نفوذ هذه القوى، ومنعت أي محاولة جدية لبناء دولة فعلية، مروراً بانبطاح غالبية الزعامات السياسية أمام الأمر الواقع، وصولاً إلى إحباط كثير من محاولات إعادة بناء الدولة، حتى تلك التي قادتها قوى 14 آذار، بعد انسحاب الجيش السوري عام 2005.
التجارب التاريخية القريبة تحذّر بوضوح من أن ازدواجية السلاح هي تهديد وجودي للدولة. فالعراق، بعد 2003 شهد نشوء ميليشيات مسلحة مرتبطة بأجندات إيرانية، ما أضعف الدولة وأدخلها في صراعات داخلية لا تنتهي. واليمن، الذي انقسم بفعل سيطرة “ميليشيا الحوثي” المدعومة من إيران على صنعاء، تحوّل إلى ساحة حرب أهلية إقليمية الطابع، وانهارت معه إمكانية قيام دولة موحدة قادرة على حماية شعبها. هذه الأمثلة تؤكد أن فقدان الدولة لقرارها العسكري لصالح قوى خارجية، يؤدي حتماً إلى انهيار بنيتها السياديـة.
ولا يمكن فصل هذه الأزمة عن العمق البنيوي التاريخي في لبنان، إذ لم يُبنَ الكيان اللبناني منذ تأسيسه القسري عام 1920 على عقد اجتماعي شامل، يُجمع الأطراف المختلفة على بناء دولة موحدة ذات سيادة. بل كان نظامًا هشاً قائماً على توازنات بين مكونات طائفية متناحرة ومصالح محلية وإقليمية متداخلة.
منذ البداية، كان لبنان رهينة للوصاية وانتدابات أجنبية، من الانتداب الفرنسي إلى النفوذ السوري والإيراني لاحقاً، ما حال دون تشكيل دولة مركزية قوية.
واحدة من التجارب القليلة التي حاولت تغيير هذا الواقع، كانت تجربة الرئيس الراحل فؤاد شهاب في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، حيث سعى الى بناء مؤسسات دولة حديثة، وتعزيز سلطة الدولة على كامل الأراضي، وتحقيق قدر من التوازن الوطني القائم على المواطنة لا الطائفية. لكن هذه المحاولة أجهضت بفعل الضغوط السياسية المحلية والإقليمية، التي أعادت إنتاج منطق الطائفية والانقسام.
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل دور وثيقة الوفاق الوطني 1943، التي كرست نظام التوازن الطائفي في الحكم، لكنها لم تضع عقداً وطنياً جامعاً قادراً على بناء دولة ذات سيادة
وكذلك يشكل اتفاق الطائف 1989 محطة أساسية، حيث دعا بوضوح إلى نزع سلاح جميع الميليشيات وتسليمه إلى الدولة، مؤكداً حق الدولة الوحيد والحصري لإمتلاك السلاح واستعماله في الدفاع عن حدود الوطن، لكنه في الوقت نفسه تغاضى عملياً عن سلاح “المقاومة”، الذي اعتُبر ضرورة دفاعية ضد الاحتلال “الإسرائيلي”، مما أتاح لهذا السلاح البقاء خارج إطار الدولة، وتعقيد ملف السيادة المسلحة حتى اليوم.
إن قيام الدولة اللبنانية، ذات السيادة الكاملة، يتطلب تجاوز هذه العقبات البنيوية، وتشكيل مشروع وطني جامع يُعيد للدولة سلطة القرار ويجمع الشعب حول عقد اجتماعي، يحترم التعدد ويؤسس للمواطنة، ويجعل من الدولة الحاضنة الوحيدة لكل القوى والمصالح الوطنية بعيدًا عن تدخلات المحاور الإقليمية.
الحل لا يكمن في حصر السلاح في يد دولة عاجزة، ولا في الإبقاء عليه خارج الدولة، بل في بناء دولة قوية قادرة على إدارة مواردها وحماية شعبها، وفرض سيادتها كاملة على أرضها وحدودها وقرارها. وهذا يتطلب إرادة سياسية جامعة، ومشروعاً وطنياً لا يخضع لمعادلات المحاور، بل يضع مصلحة لبنان فوق كل اعتبار.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى