مقالات

أصــنـــــام الـــمــجـــتـــمـــــــع..!

د. محمد الحسامي/ اليمن

خاص “المدارنت”..
يقول الدكتور عبد الجليل الطاهر (1971-1917)، الذي يعتبر من رموز علماء الاجتماع في العراق, في كتابه القيّم: “أصنام المجتمع – بحث في التحيز والتعصّب والنفاق الاجتماعي”, وذلك في نهاية الفصل السابع منه “مجتمع من دون أصنام”، الذي يعتبر نهاية كتابه:
“إن السبيل الوحيد لتحقيق الوصول إلى مجتمع من دون أصنام هو طريق الحرية الفكرية, والمناقشة, والتناقض, حتى لا يكون الفكر, وأوهام وأصنام لا تخضع للبحث العلمي والمنطق”.
ذلك الكتاب القيّم الذي (يسعى إلى عرض كيف انتشرت اليوم عبادة الأصنام? ما هي الأسباب لها من الضرورة والقابلية على نشر الإشاعات, والأراجيف التي تعظّم أصنامها, وتزيد في قدسيتها, وكيف تسهم السدَنة في حرق البخور, وتقديم القرابين والأضاحي, وصنع الأوهام والأساطير لنيل الحظوة, والجاه, والشهرة, والدفاع عن المصالح.
والخطر كل الخطر, أن تتغلغل قدسية الأصنام في ضمائر الناس, وعقولهم, وتدور حولها الأساطير والخرافات، حتى تغدو في نظر المنافقين والسذّج من الناس أنها جزء لا يتجزّأ من تكوين المجتمع, وأن وجودها شرط أساسي لإحلال التضامن بين أفراد المجتمع, واحكام التوازن بين الفئات الاجتماعية المتعارضة).
ويعرف تلك الأصنام في بداية الفصل الأول “الوضعية الصنمية” من كتابه القيم بقوله: “نقصد بالأصنام، شيوع بعض الأوهام والأساطير الفكرية المغلوطة، التي لا تخضع للبحث العلمي والمنطق, يتعصّب لها الإنسان, ويتحيّز, فتؤثر في كلّ وجوه حياته الفكرية, فتقيد عقله وتحدده وتقرر علاقته وصلاته مع الناس الآخرين.. كمًا وكيفَ, وتعمل على تقويتها واستمرارها حينا, وعلى تقليصها وقطعها وبترها ورتقها حينا آخرا! وبهذا تتجاوز التعريف المألوف الذي يشير إليه إبن الكلبي في كتاب الأصنام”.
ويستطرد قائلًا: “أصبحت عبادة الأصنام والركض وراء الأوهام والتسليم بالخرافات والأساطير والتعصب لفكرة معينة, والتحيّز غير المنطقي إلى فكر مغلوطة شروطا أساسيا لضمان الكفاح من أجل البقاء, ومن أجل القوت من جانب الضعفاء في مجتمع لم يقم على أسس احترام الفرد, وحرية التفكير, والتعبير عن الضمير”.
حيث أنه يحدد نوعية تلك الأصنام بقوله: “ليس من الضروري أن تكون الأصنام مصنوعة من الخشب او الذهب او الفضة على صورة الإنسان, فالأمر المهم أنها ترمز إلى بعض من القيم الاجتماعية والقوى الروحية التي تتصف بالقدسية, وتمتاز بالسلطة, يهابها الناس ويخشونها, تحاول أن تربط سير المجتمع وتكوينه الثقافي بإطار من الأوهام والأباطيل, وتعمل على طمس شخصية الفرد, وتمنع نموها وإزدهارها، ولا تسمح لها بأن تشغل المكانة الاجتماعية الائقة بها”.
وعليه, وبناء علي ذلك, وإزاء كل تلك الأصنام وما تنتجة من صنمية محاطة بهالة قدسية تقديسية قداسية بفعل سدنتها لضمان استمرارية مصالحهم.. إلخ, فإذا نظرنا وتمعّنا بعمق إلى واقعنا كمجتمعات عربية, كلية أو أحادية, طبعا مع إختلاف النسب هنا وهناك وليس إلغائها, لوجدنا بأن تلك الأصنام وما ينتج عنها, أشكالا ورموزا وسدنة وأنواعا, مادية وغير مادية, موروثة وحاضرة, بأنها متجذرة ومتغلغلة في مجتمعاتنا وبصورة واضحة وجلية وظاهرة وماثلة للعيان, تفعل فعلتها بها وبنا..
حيث أنه توجد الأصنام المادية ممثلة ومتمثلة بالأشخاص والأمكنة, والكتب… وتوجد الأصنام غير المادية، ممثلة ومتمثلة بالفكرة والثقافة والعقلية, دينية كانت أم غير دينية, ايدلوجية كانت أم غير ايدلوجية.. وتوجد أصنام اجتماعية ممثلة ومتمثلة بالأصنام الأسرية والسلالية والفئوية والطائفية والقبيلية والعشائرية والحزبية والعصبية..
بل أن الأخطر من كل ذلك, أنه وعبر نضال أمتنا وعبر قرون في سبيل الخلاص والتخلص من تلك الأصنام والكفر بها والتحرر منها.. فإنها لم تحصل على مرادها, إنما وعبر كل فترة وبعدها تتولد أصنام جديدة وسدنة جديدة بديلة لسابقاتها من الأصنام والسدنة، أو إعادتها بصورة وحلّة جديدة أكثر زيفا وقبحا.. وأشد أثرا وتأثيرا.. وأفظع وأنكل فعلا وسلوكا وتصرفا.. في ظل إنعدام شبه تام للمشاريع الفكرية للخلاص والتخلص والتحرر منهم, رموزا قبل كل شيء (نخبة.. )..
تلك الأصنام وما يرتبط بها ويتعلق, وما تنتجه ويترتب عنها وعليها, تعد إحدى الإشكاليات الخطيرة التي عانى وما يزال يعاني منها الوعي العربي قديما وحديثا, ماضيا وحاضرا, بصوره الفكرية والثقافية والعقلية, والتي أشرت إليها في أكثر من منشور, وفي أكثر من مقالة على المواقع الإخبارية المختلفة, ولا داعي هنا لإعادة كل ذلك, إنما من باب التذكير فقط.. إلخ.
وكأن حالنا وواقعنا يقول:
كل له صنمه..  يعبده ويقدسه
وكل بصنميته..   مكبلا ومقيدا
ولا يريد الخلاص والتخلص والتحرر منه عبر الكفر به أولا، إنما تبادل أدور وأمكنة بين ذلك الصنم.. وذلك الصنم.. كل يأخذ وقته وزمنه وحصته.. وتبقى الأصنام.. والصنمية.. هي السائدة.. إلخ.
كل ما أردت قوله، هو عبر تلك المقدمة المقتطفة من الكتاب القيم المشار إليه آنفًا, وهي تتمثل بحرية التفكير ودورها في تحطيم كل تلك الأصنام.. وخلق وإيجاد مجتمع حر وبدون أصنام.. فهي السبيل الوحيد للوصول إلى ذلك المجتمع.. مهما كان الزمن الذي نعيشه ونعيش فيه “التفكير.. في زمن التكفير..”…إلخ.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى