أوجه الشبه بين “شواطين” و”حمدوك”

//خاص المدارنت//… في العام 1973 زار فريق سانتوس البرازيلي لكرة القدم السودان. وكان وقتها الأميَز والأقوى في العالم على الإطلاق ويضم معظم لاعبي المنتخب البرازيلي الحائز على كأس العالم عام 1970 وعلى رأسهم الملك بيليه.
جاء لإقامة مباراة واحدة أمام فريق الهلال السوداني. وكان حدثًا فريدًا، يندر تكراره في بلد مثل السودان، جذب إهتمام وشغف من لهم صلة بعالم الرياضة وغيرهم من الفضوليين والهواة ومن باب حب الإستطلاع.
إشرأبت الأعناق وتطلعت إلى لقاء يبهر ويبرز فنون ومهارات وإبداعات الكرة البرازيلية والتي طالما شاهدوها أو قرأوا وصفا لها على صفحات صحف ذلك الزمان واستمتعوا بها أيّما إستمتاع، وها هي تأتي إليهم ماشية على رجليها في عقر دارهم، ليروها بالعين المجردة.
حانت اللحظة المرتقبة ودارت رحى المباراة. وأوكلت مهمة مراقبة ساحر الكرة بيليه إلى مدافع مغمور ملقب بـ”شواطين”، فظل ملازما له كظله حتى عند خروجه عن خط الملعب، قاطعا الإمدادات عنه ومحصارته في منطقة ضيقة. وأفشل كل محاولات الساحر فى تقديم عرض يرضي الجماهير الحاشدة، والتى كانت تمني نفسها بحالة مختلفة تمامآ. فخرجت محبطة وغير راضية.
وبعدها ذاع صيت شواطين وعمّ الآفاق. وصار لغلاة مشجعى الهلال بطلا قوميا وقف ندّا للمعجزة بيليه وأبطل مفعوله. ولغالبية القوم كانت لهم نظرة مغايرة للحدث، نتيجة حرمانهم من مشاهدة فنون اللعبة وجمالياتها وسحرها من الجوهرة السوداء بفعل ذلك “الشواطين”، وخلفت لهم فرحة لم تكتمل.
في سبتمبر من العام الماضي، وتحت وقع الأزمة الاقتصادية والسياسية المعقدة، كلف المخلوع عمر البشير السيد معتز موسى بتشكيل وزارة جديدة، وأعلن أن السيد عبد الله حمدوك سيتولى حقيبة الإقتصاد، وأن سيادته قبل بالمنصب بعد أن عرضته عليه مفوضة الشؤون الاجتماعية فى الإتحاد الإفريقي القيادية في الحزب الحاكم أميرة الفاضل.
وبعد فترة ترقب طالت أيام تراجع عن قبول المنصب، بعد تدخل بعض معارفه مطالبين له بالرفض وبحجج مختلفة، من بينهم الشاعر والكاتب والأديب المعروف فضيلي جماع، وقد يكون من أسباب الرفض أيضا حدوث مراجعة ذاتية، وكانت الفترة الممتدة من القبول حتى الرفض، كافية لظهور إسمه للعامة وللنخب السياسية لأول مرة.
تقول سيرته، إنه فى مراحل دراسته داخل السودان، كان ينتمي إلى الحزب الشيوعي. درس الإقتصاد الزراعي وعمل في وزارة الزراعة، ثم بُعث لدراسات عليا في المملكة المتحدة.
ضمن حملة التمكين والإحلال التى قامت بها الجبهة الإسلامية بعيد إنقلابها على السلطة عام 1989 ، فصل عن عمله، شأنه شأن الكثيرين من منتسبي الخدمة المدنية والعسكرية والأمنية والشرطية، وبعد حصوله على درجة الدكتوراه، عمل في بعض المنظمات الدولية في بعض الدول الأفريقية وأخيرا في الإتحاد الأفريقي. وكان معروفا في نطاق عمله .
لم يعرف له نشاطا سياسيا ظاهرا ضد نظام البشير، قبل الثورة التى أطاحت بذاك النظام، ولم تكن له ذكرى لدى عامة السودانيين أو حتى عند النخب السياسية.
الإتفاق السياسي والوثيقة الدستورية أعطت قوى الحرية والتغيير حقّ إختيار رئيس الوزراء والوزراء. وتوافقت وتراضت هذه القوى على أن يكون النظام المستقبلي للسودان برلمانيا، واختارت حمدوك رئيسا لمجلس الوزراء، كما اختارت ثلاثة مرشحين لكل وزارة، على أن يختار رئيس الوزراء واحدا منهم.
أقدم سيادته بعد توليه مهامه، على إحداث خروق واضحة في الإتفاق، حيث لم يلتزم باختيار الوزراء من القائمة المقدمة من قوى الحرية والتغيير، وطالب بإبعاد بعض الأسماء، وأرجعها أكثر من مرة. وفى نهاية المطاف اختار كثيرا من الوزراء من معارفه الخاصين، ولهم إنتماءات سياسية معروفة، متجاوزا الأسماء المقترحة، مُسقطا لشرط الإستقلالية السياسية.
ولم تصمد أو تفلح قوى الحرية والتغيير فى تثبيت أحد رموز الثورة، فى منصب وزير شؤون مجلس الوزراء المؤثر والفاعل في الأداء التنفيذي، ولم يقف عند هذا الحدّ، بل وضع شرطا آخرا، وهو تمثيل كل أقاليم السودان فى التشكيل الوزاري، مما أدى إلى عجزه في العثور على وزيرين من إقليم النيل الأزرق والشرق، ولا تزال الوزارتين شاغرتين حتى لحظة كتابة هذا المقال، وهذا الشرط سيقود إلى إشكالية المحاصصة الجهوية المؤدية إلى واقع جديد ومعقد، يتسامى على شروط الكفاءة والخبرة والتجربة والرؤية والرسالة السياسية. وفيه دغدغة ومغازلة لعواطف الحركات المسلحة ورضوخا لإبتزازها السياسي. وإذا كان الظن أن بهذا التصرف تعالج جذور مشكلات السودان، فهو ظن خاطئ. وجذور المشكلات الإثنية والجهوية لا تعالج بهذه السطحية الفوقية، إنما بدراسات عميقة وبخطط طويلة المدى، كما فعل مهاتير محمد في ماليزيا..
وهكذا فرض السيد حمدوك نفسه طرفا ثالثا فى المعادلة السياسية، وتواصل في طرح آرائه الخاصة فى تبنيه للنظام الرئاسي كأساس للحكم، خلافا لرؤية قوى الحرية والتغيير، بإدعاء بأنه هو الثابت والمستقر والمناسب للدول الإفريقية، سمّى دول بعينها، علما أن هذه الدول لا تمارس ديموقراطية صحيحة ومعافاة، فهي في مقدمة دول العالم في الفساد والمحسوبية وفي ذيلها في الشفافية وبسط العدالة، بينما معظم دول العالم الحر، التى تتبنى الديموقراطية الليبرالية، تتبع نظاما برلمانيا تسوده قيم العدالة والشفافية والحرية وكرامة الإنسان.
إن رئيس الوزراء حمدوك، سيظل تحت المراقبة والمحاسبة، ويمكن سحب الثقة عنه عند الضرورة بطريقة ميسرة يحددها الدستور، خلافا للنظام الرئاسي الذي لا يمكن عزله، إلا عبر إستفتاء وبإجراءات معقدة، مما يجعله عرضة للفساد والإفساد والطغيان.
وصرح سيادته أيضا، أن لا إقصاء سياسي لأحد، والإشارة مقصود بها فلول النظام السابق بالتأكيد لا لغيرهم، فهم بيت القصيد عند التحدث في هذا الأمر. وأردف قائلا: إن القضاء هو الذي سيحاكم المفسدين، وهذه من البديهيات المسلمات بها، ولا توجد عبقرية ثورية فيها، وكأن الثورة قامت ضد لصوص فى الحارة، وليست من أجل قلع وإسقاط لصوص استغلوا السياسية في كل ما هو موبق، وأهدروا ثلاثين عاما من عمر البلاد، كان من المفترض أن تكون قد عبرت بها الى مصاف الدول المتقدمة، بما يملك السودان من إمكانيات إقتصادية وبشرية هائلتين وفريدتين.
كان نظام المخلوع البشير، قد أسقط نظاما شرعيا منتخبا، وعطل الدستور والقوانين، ودمّر البنى التحتية والمشاريع المنتجة، وأشعل الحروب الأهلية فى معظم أقاليم السودان، وفصل الجنوب الذى يمثل ثلث السودان، ولا تزال ثلاث مناطق مهمة محتلة من دول الجوار، خرّب الحياة السياسية والمدنية، وقتل مئات الآلاف من المواطنين، واستولى على مفاصل الدولة الاقتصادية، وعاث فيها فسادا وتخريبا، وهرب عشرات المليارات من الدولارات في حسابات لبطانته في بنوك أوروبية وآسيوية.
كل هذه الجرائم السياسية لا تسقط بالتقادم، لم يرتكبها فرد واحد، إنما المئات من أعضاء الحركة الإسلامية، ومن تحالف معهم في صنع هذا الدمار الشامل، من نواب للطاغية ومستشارين ومساعدين له فب هيئة الرئاسة، وأعضاء مجالس الوزراء، وفي الهيئات التشريعية في المركز والأقاليم.
إن جلّ هؤلاء طلقاء وأحرار في حلهم وترحالهم، بينما مكانهم الطبيعي هو السجن. ثم إجراء التحرّي والمساءلة والتحقيق الشفاف والمحاسبة والمحاكمة العادلة أمام قضاء مستقل. ليأخذ كل منهم جزاءه وليكون عبرة لمن يعتبر. المطلوب سنّ قانون للعزل السياسي، لكل من ارتكب جريمة إنسانية وسياسية في حقّ الوطن والمواطنين.
من المحزن حقا، أن يقف السيد حمدوك يطالب صحافة نظام البشير، أن تتواصل معه حوارا ونقاشا، وكأن شيئا لم يكن، وكان واجبه يحتم عليه أن يوقفها ويسألها عن مصدر تمويلها، ويتحقق من صدق أرضيتها ومنطلقاتها، ليساعد في بناء صحافة حرة ونزيهة، وهي التي لا تزال تمارس دورا هداما في حقّ الثورة والثوار.
كل هذا يجعلني أتساءل، هل نحن أمام “شواطين” سياسي جاء من المجهول، لوقف الساحر الجوهرة “قوى الحرية والتغيير” في أن تؤسس لنظام ديموقراطي حقيقي، بديلا من النظام البائد، وبالتالي، يحرم الجماهير المتعطشة إلى الحرية والعدالة والسلام والحكم الرشيد، من الوصول إلى حلمها المنشود؟ إنها مباراة لم تكتمل أشواطها بعد.
قطعا، لن ترجع الجماهير خائبة ومتدثرة بعدم الرضا والإحباط، لأن مفاتيح النصر في يدها، وليس في يد “شواطين”.
*ناشط سياسي



