إرادة العرب في لغتهم

//خاص المدارنت//… في البدء، لا بدّ من توضيح الآتي:
1 ـ لست من علماء اللغة، ولا من أدابائها، ولا من الأخصّائيين في علم اللغات، وما أنا سوى عامل في حقل الثقافة والتعليم، وما الأفكار الواردة إلاّ قراءات واستنتاجات واجتهادات في الميادين، الاجتماعية والسياسية والتربية والتعليم، التي عشتها وعملت بها.
ـ أفتخر إنني إبن هذه الأمة، الأمة العربية ـ الاسلامية، ولذلك، فإنني أتحدّث كمواطن عربي، يريد لأبناء قومه المزيد من العزّ والتقدّم، ولا سيما في الحقل الثقافي العربي والاسلامي، مع التأكيد على مدى الترابط، وأهميته بين الجانبين .
3 ـ إنني أدعو غيارى الامة الى العناية والاهتمام باللغة العربية، وإحلالها المحلّ اللائق، وهذا لا يعني الانتقاص من الاهتمام باللغات الاجنبية، والأهم ألاّ يكون اهتمامنا باللغات الاجنبية على حساب اللغة العربية، ومسخِها، ثم ننسب اليها، الضعف والقصور.

الفصحى لغتنا، لغة الأمة العربية، وعنوان شخصيتها، ومظهر كرامتها، ومعيار حضارتها، إن ارتقائها وازدهارها، دليل ارتقاء وازدهار حضارة أمتها العربية، والعكس صحيح. وهنا ينبغي التنويه إلى أن التفاعل الحضاري، والتعامل بين اللغات، لغات الاقوام، أمر طبيعي مشروع ومحمود، شرط الإحترام المتبادل، مع أحقيّة الاعتزاز باللغة القومية، أما تفضيل لغة ما، ومسخ أخرى، وإهمال استعمالاتها واستخداماتها، فهو تبعية ثقافية، كما وهو تنفيذ لارادة مستعمر متربص، وهذا ما يأباه كل مواطن كريم وحرّ.
كل ما نريده ونطلبه، هو أن نعمل من أجل أمتنا العربية ولغتها الفصحى، والتعاون الثقافي، وليس التبعية الثقافية، ولكن الواقع يبيّن عظيم الانزلاق نحو تلك التبعية، بوعي وقصد، أو من غير قصد ووعي، مِمّن هم في منزلة ومكانة المسؤولية، المدنية أو الدينية على سواء. والسبب في ما تفرضه مسألة وقضية تنازع البقاء، وبقاء الأصلح، والتي هي قضية كانت ولا تزال، فكرة حيّة في ضمائر الدول العظمى الاستعمارية، التي تعمل بها وتمارسها مع الآخرين، فتحقق ثقافتها في حروبها الخفية والمعلنة، متمثلة بغزوها الفكري المتربّص والمتربّع على صدر أمتنا العربية الإسلامية، هو خير دليل وشاهد على ذلك.
صدمات كثيرة متلاحقة، ولا تزال تتلاحق في يومنا هذا، يومنا المضرّج المصعوق المعوّق، تفرض على شعوبنا العربية الاسلامية هذا الخيار، إنه غراب واغتراب، يحلق وعلى الدوام. والحال بين أن نستسلم لاسباب الفرقة والتنازع والتلاشي، أو أن نستهدي إلى ما نملكه من أسباب الألفة والوحدة والقوة، التي نكافح بها، ونحيا وننتصر، ونحقق آمال شعوبنا .
إذن، الأجدى بنا كشعب عربي ـ إسلامي، أن نختار طريق الكفاح، انطلاقا من صحوة ذاتية، بدءًا من ترسيخ عقيدتها، وإحياء سِماتها، وتحقيق وحدتها، مع التأكيد لعلى إعادة وتثبيت حقيقة مقوّمات الأمة في لغتها، فحقيقة هذه المقوّمات، تبني في العربي، تلك الذات الأبية، التي تحيا تاريخها الصحيح، ضمن لغتها الفصحى وعقيدتها السليمة، وتحميه من كلّ دخيل، متميّزة بخصائصها الحضارية والانسانية، والتي لا تتناقض بإيمانها مع العلم، ولا تنكص عهد ما تقدمه التكنولوجيا من تطور علمي حضاري. وهنا وجب التأكيد إلى عدم الفصل بين تكوّن الإنسان، العقلي وبين لغته الفصحى، التي بنورها ودورها توجه ذلك المنهج العقلي نحو الإنصات المدرك الواعي، والمتدبر لها ولقواعدها، الصرف والنحو، والتي هي لغة الإنسان الحرّ، والمبين للصدق والحق، بما يتلفظه بحيوية كلماته وعباراته، إضافة الى أنغام وإيقاع صوته، بها يبدأ التعرّف على من هو؟ ومن ذاك العربي؟
الجدير بمكان، أنه قد تجسّدت حيوية اللغة العربية الفصحى، في نتاج الإنسان العربي الفكري قبل الإسلام، في الشعر والادب والقصص، وفي الأمثال والحِكم، ونتيجة لذلك، وجدت المراكز والمنتديات الثقافية، كما في سوق عكاظ والمجنّة والمربد، إضافة الى ما أضافته المعلّقات السّبع، من ثراء علمي وثقافي، برز من دون سابقة ولا تمهيد، كشعر فطريّ المضمون والمعنى، فبان الشعر الجاهلي من حيث الشكل في غاية الاناقة، نابعاً من لغة تفوق بدائعها أكثر الكلام عمقاً وثقافة، انطلاقا من النقد الأدبي، ثم إلى البيان، فتحاكي الفكر، وتصوّره في أبهى وأنقى العصور إنسانية، لذلك ينبغي نقل الألفاظ، والاساليب، من اللغات الاعجمية إلى العربية، وعليه، فقد حرص قدماء العلماء والمحدثين على ذلك، معتمدين لغة القرآن، فرصدوا كل معرّب ودخيل، واضعين العديد من المؤلفات لهذه الغاية.
ولكن ومن المؤسف، أنه في يومنا هذا، نجد أمتنا العربية قد تخلفت، عن ركب الأمم الاخرى، صناعة وعلوماً وفنون، والسبب ضياع أداة وجودها، مِما جعلها هدفا سهلا داخل مرمى خصومها، من فرنجة ومتفرنجين، متذرّعين زاعمين، أن لغتنا العربية عاجزة عن الوفاء بالتزامات العصر الحديث، علميا وتقدماً، مطالبين بالابقاء على التبعية، تحت شعارات واهية – الانفتاح والمعاصرة، الموضوعية، عدم التعصب، المحافظة على المستوى العلمي. ولفت النظر إلى أن أهل النخوة والمروءة، لم يتأخروا بالردّ على تلك المزاعم والأباطيل، فاظهروا بالدليل والبرهان، أن الفصحى لغة طيٌعة ليٌنة، فهي لغة تفرّدت بخاصة، تجعلها قادرة على استيعاب كافة المعارف والعلوم والفنون، واحتوائها، فهي غنيّة كل الغنى بالمفردات والتراكيب، وتملك من القوة ما يمكّنها من التوسّع والتطوّر، عن طريق الاشتقاق والتوليد، والنحت، والقياس، والتعريب… الخ.
في النتيجة، إن قوام أيّ حضارة ما، تتلخص باللغة، والفنون والصناعات والثقافة المعنوية، “عقائد وتشريع وآداب”. ومن هذه السّمات، برزت وبانت حضارتنا العربية الاسلامية بكل مقوّماتها وشخصياتها، معلنة أن ينبوع ثقافتها المعنوية، تمثل بنور رسالة الإسلام. وهذا دليل مدنية العرب حديثاص، بما شهد وأعترف به كثير من علماء الافرنج، على اختلاف أجناسهم، واضعين في ذلك كتباص ومؤلفات، نذكر منها كتاب”سيديو” و”خلاصة تاريخ العرب” معرٌب، وأيضاً، كتاب “غوستاف لويون ـ تطور الأمم”، وغيره، لا شك أن العرب الخُلّص الإقحاح، والمعروفة أصولهم في التاريخ، هم الذين كانوا سبباً لوجود الحضارة العربية.



