الأعـــداء الـكُـثـــر لـ”حـــركـــة فـتـــــح”!

“المدارنت”..
يواجه أقوى فصيل في “منظمة التحرير الفلسطينية”، تحديات متزامنة في أسوأ مرحلة على الإطلاق للحركة الوطنية الفلسطينية.
صبّت التصريحات المُستهجَنة حول اليهود التي أدلى بها محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية و”منظمة التحرير الفلسطينية”، في صالح أعداء القضية الفلسطينية. فقد أسهمت في تشويه سمعة منظمة التحرير، ومكوّنها الأساسي “حركة فتح”، بشكل إضافي، في وقتٍ تواجه الحركة تحديات في جميع أنحاء المنطقة قد تتسبّب بإضعافها كثيرًا.
مُضحكٌ كيف تتبدّل الأحوال. ففي تسعينيات القرن المنصرم، كان عباس أحد الموقّعين على “اتفاقية أوسلو” الأولى، واعتُبر منذ ذلك الحين رجل سلام. ولاحقًا، حين تم التنديد برئيس منظمة التحرير الفلسطينية “الراحل ياسر عرفات”، لرفضه اقتراح إرساء السلام في قمة “كامب ديفيد” في تموز/ يوليو 2000، (وهي وجهة نظر دحضها أحد الأميركيين المشاركين في القمة)، وإطلاقه شرارة الانتفاضة الثانية،
أصبح عباس بديلًا يحظى بالاحترام للزعيم الفلسطيني. في هذا الصدد، لم يأتِ أحدٌ على ذكر كتاب نُشر في العام 1999، من تأليف محمد داوود عودة، المعروف باسم أبو داوود، الذي وصف كيف نظّم عملية احتجاز رياضيين “إسرائيليين” (صهاينة) كرهائن خلال الألعاب الأولمبية في “ميونخ” في العام 1972. واستذكر عودة في مذكّراته تولّي عباس تأمين التمويل اللازم لعملية ميونخ.
إن “منظمة التحرير الفلسطينية” و”حركة فتح” اليوم، محاطتان بالأعداء. والمُربك أن هؤلاء الخصوم يكنّون العداء لبعضهم البعض. من جهة، تقف بعض الدول العربية و”إسرائيل” (الكيان الصهيوني) التي أبرمت، بدعمٍ من الولايات المتحدة، اتفاقات سلام أو تدرس إمكانية ذلك، بغضّ النظر عن كيفية تأثير هذه الخطوة على الفلسطينيين.
ومن جهة أخرى، تقف إيران، وإلى جانبها حلفاؤها أو وكلاؤها، “حزب الله” و”حماس” و”الجهاد الإسلامي” والمجموعات المسلّحة في العراق واليمن، التي تعتبر أن نسج روابط بين الدول العربية و”إسرائيل” (الكيان الصهيوني) يشكّل تهديدًا استراتيجيًا، وتسعى بالتالي، إلى تشكيل ائتلاف من القوى المعارضة للتطبيع لمواجهة هذه “الديناميكيات”.
أما “حركة فتح”، فهي عالقة في قلب هذه المعمعة، وقد بدأت تتكبّد خسائر لصالح الطرفَين. وهذا ما أكّده زميلي مهنّد الحاج علي، على نحو متبصّر في مقال كتبه لـ”ديوان” في مطلع آب/ أغسطس، قائلًا: “ربما نشهد على الصعيد الإقليمي معسكرًا عربيًا، يسعى إلى تقويض حركة فتح من خلال تطبيع العلاقات مع “إسرائيل” (الكيان الصهيوني)، وإلحاق ضرر إضافي بأي آفاق لإرساء السلام، بين “الإسرائيليين” (الصهاينة) والفلسطينيين، ومعسكرًا آخر مواليًا لإيران يدعم خصوم فتح”.
وبالفعل، يبدو أن التشنّجات المتواصلة في مخيم عين الحلوة، الذي يُعدّ أكبر مخيم للاجئين الفلسطينيين في لبنان، مرتبطة بشكل وثيق بهذا التطور. لقد نفى كلٌّ من “حزب الله” و”حركة حماس” و”حركة الجهاد الإسلامي”، أي ضلوع في الاشتباكات الدائرة منذ أسابيع في المخيم، بين “فتح” و”مجموعات مسلّحة إسلامية” أصغر، حتى إن “حماس” و”الجهاد الإسلامي”، أصدرتا بيانًا مشتركًا للتنديد بهذه الأحداث. لكن الاستنتاج الأكثر واقعيةً هو أن حلفاء إيران، يحاولون بشكل غير مباشر الحدّ من هيمنة “فتح، في المخيمات الفلسطينية في لبنان، في ظل الوضع المأزوم الذي تعيشه السلطة الفلسطينية، والمعركة قيد التشكّل حول خلافة عباس.
ضربت “صحيفة الأخبار” الموالية لـ”حزب الله”، على وتر هذه المخاوف، في مقال جادل بأن “حركة فتح”: “لم تعد الممثّل الشرعي والوحيد” لفلسطينيّي الشتات. وبحسب الصحيفة، قد تشمل الجهود المبذولة لتهدئة الوضع في المخيم قريبًا، تشكيل قوة مشتركة، تضمّ ممثلين عن “فتح” و”حماس” و”جماعة جهادية سلفية” هي “عصبة الأنصار>. وهذه خطوة من شأنها ذلك أن تسمح لـ”حماس”، بتأدية دور أساسي كوسيط في حلّ النزاع، ما سيحسّن سمعتها في أوساط سكان المخيم.
في هذا السياق، ترى إيران وحلفاؤها أن بإمكانها تحقيق فائدة كبرى من تعزيز نفوذها في أوساط فلسطينيّي الشتات، الذين لا تزال “حركة فتح”، تتمتّع بشعبية كبيرة لديهم.
ففي لبنان، من شأن ذلك أن يمنح “حزب الله”، هامش مناورة أكبر لاستهداف “إسرائيل”، (الكيان الصهيوني)، وسط حديثه عن “وحدة الساحات وترابط الجبهات” ضدّ العمليات التي تنفذّها القوات العسكرية وقوات الشرطة “الإسرائيلية”، (الصهيونية)، وأن يتيح له أيضًا درجة من الإنكار.
فكلّما يتم إطلاق صواريخ مجهولة الجهة من لبنان، يمكن أن ينكر “حزب الله” مسؤوليته عنها. وهذا ما حدث في مطلع نيسان/ أبريل، ومجدّدًا في تموز/ يوليو، حين استهدفت مجموعة مجهولة “إسرائيل” (الكيان الصهيوني)، وقد أتى الهجوم الأول عقب قيام “الإسرائيليين” (الصهاينة) بالاعتداء على مصلّين في المسجد الأقصى، وتلا الثاني عملية عسكرية شنّها الجيش “الإسرائيلي” (الصهيوني) في جنين.
يدرك “حزب الله”، المخاطر التي تنطوي عليها هذه الاستراتيجية، والتي قد تؤدّي إلى إطلاق شرارة حريق أوسع يدمّر لبنان. ولكن ذلك لن يدفعه سوى إلى تغيير تكتيكاته فقط لا غير. وهكذا يجب على جميع مَن اعتقدوا أن الاتفاق الذي جرى التوصل إليه قبل عام حول الحدود البحرية بين لبنان و”إسرائيل” (الكيان الصهيوني)، سيقود إلى التهدئة في الجنوب، أن يعيدوا النظر إزاء هذا الواقع.
يريد “حزب الله” أن يضمن قدرة لبنان على الاستفادة من احتياطياته من النفط والغاز، في حال ثبُت وجودها فعلًا، ولكنه يبحث عن طرق بديلة للاستمرار في ممارسة الضغوط على “إسرائيل” (الكيان الصهيوني)، من دون أن يؤدّي ذلك بالضرورة إلى وقوع نزاع مباشر. فالهجمات الصغيرة النطاق التي تشنّها مجموعات مسلّحة تعمل في الظل، تمنح “حزب الله” و”إسرائيل” هامشًا من التحرّك لتجنّب صدام كبير. وفي حال تكلّلت هذه الهجمات بالنجاح، فمن شأنها أن تفرض “قواعد اللعبة”، بما يتيح لـ”حزب الله” الثأر من مجموعة من الممارسات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة وغزة وسوريا.
في الجانب الآخر من المعادلة، تسعى “إسرائيل” إلى دفن المشكلة الفلسطينية بصورة دائمة، فيما تُظهر الولايات المتحدة وعدد من الدول العربية، تناقضًا في علاقاتها مع الفلسطينيين. لقد أكّد الكثير من هذه الدول تكرارًا دعمه للحقوق الفلسطينية، فيما يتجاهلها في سياساته.
أما بالنسبة إلى الأميركيين، فقد أعادت إدارة بايدن فتح القنصلية الأميركية في القدس، بعد أن أغلقها دونالد ترامب، علمًا بأنها غيّرت اسمها، ليصبح مكتب الشؤون الفلسطينية. وعمدت واشنطن أيضًا إلى زيادة التمويل للأونروا، أيّ وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى، بعدما أقدمت إدارة ترامب على قطع جميع أشكال الدعم المالي عنها. ولكن سعيها للتوصّل إلى اتفاقات سلام منفصلة بين الدول العربية و”إسرائيل”، وآخرها مع السعودية، لا يسهم سوى في تصدّع الدعم السياسي الإقليمي للفلسطينيين.
وليس موقف واشنطن من اللاجئين مطمئنًا. استغل ابراهيم الأمين، رئيس تحرير صحيفة “الأخبار”، والناطق مرارًا باسم “حزب الله”، ذلك ذاكرًا في مقال نُشِر في 18 أيلول/ سبتمبر أن المسؤولين الأميركيين شجّعوا على دمج اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، في إطار مجهود أوسع لإنهاء المشكلة الفلسطينية. وأشار الأمين إلى اجتماع يُقال إنه عُقِد في عمّان قبل تسع سنوات، وأبلغ فيه مسؤول أميركي لم يُكشَف عن هويته نظراءه اللبنانيين، أن عليهم التوقّف عن ترداد معزوفة قرار الجمعية العامة 194، الذي أُقِرّ في كانون الأول/ ديسمبر 1948، وسعى إلى إعادة اللاجئين الفلسطينيين إلى إسرائيل” (فلسطين المحتلة)، أو التعويض على أولئك الذين امتنعوا عن العودة، وأن يُسمَح لهم بدلًا من ذلك بأن يصبحوا جزءًا من المجتمع اللبناني. ليس الأمين مصدرًا موثوقًا، ولا شيء يثبت صحّة روايته، ولكن من الواضح أيضًا أن لا شيء في السلوك الأميركي يثبت عدم صحّتها أيضًا.
لقد أظهرت الولايات المتحدة، في مرحلة ما بعد أوسلو، أنها تدرك أن منح اللاجئين الفلسطينيين حق العودة إلى ما كان ديارهم في العام 1948 يشكّل تهديدًا ديمغرافيًا لإسرائيل. في كانون الأول/ديسمبر 2000، ورد في مقترحات السلام “الإسرائيلي”/ الفلسطيني التي قدّمها الرئيس الأميركي آنذاك بيل كلينتون، أن الفلسطينيين بإمكانهم العودة إلى ديارهم، أي الأراضي المحتلة التي أعادتها “إسرائيل” إليهم، ولكن “ليس هناك حق محدّد في العودة إلى “إسرائيل” نفسها”. وجاء في الاقتراح: “تستطيع إسرائيل أن تشير… إلى أنها تعتزم اعتماد سياسة يتم بموجبها استيعاب بعض اللاجئين في إسرائيل بما يتفق مع قرار إسرائيل السيادي”، ما عنى على الأرجح أنه لن يُسمَح لأحد تقريبًا بالعودة. ومن البدائل التي طُرِحت في ما يتعلق باللاجئين “إعادة تأهيلـ[هم] في الدولة المضيفة”.
نقضت مقترحات كلينتون، التي جاءت نتيجة سنوات من التفكير الأميركي في مشكلة اللاجئين، التي هي بمثابة القلب النابض للقضية الفلسطينية، قرار الجمعية العامة 194، الذي ترك للاجئين أنفسهم خيار العودة أو الحصول على تعويضات. ولكن في مسعى لإجهاض القرار 194، لم يتورّع كلينتون عن إدراج بند في مقترحاته يشير إلى أن القبول بها هو تنفيذ للقرار 194. في ضوء ذلك، وحتى لو اختلفت إدارتا ترامب وبايدن بشأن بعض المسائل الشكلية، لم يُبدِ الأميركيون مطلقًا اهتمامًا فعليًا بحلّ النزاع “الإسرائيلي”/ الفلسطيني بطريقةٍ تمنح اللاجئين أكثر من مجرّد الحد الأدنى من الحقوق.
تبعًا لذلك، تواجه حركة فتح خطرًا كبيرًا، من أميركا وإيران وحلفاء كلٍّ منهما. مما لا شك فيه أن ما تعاني منه السلطة الفلسطينية من ضحالة مثيرة للشفقة كانت عاملًا مسهِّلًا لما آلت إليه الأمور. ولكن لا تلقوا اللوم فقط على الفلسطينيين. فثمة كثرٌ ممّن يريدون طمس القضية الفلسطينية أو السيطرة عليها. والعائق الأول الذي يجب التخلّص منه في عملية التصفية السياسية هذه هو منظمة فتح التي تُعتبر تجسيدًا للحركة الوطنية الفلسطينية.
المصدر: مايكل يونغ/ “مركز كارنيغي للشرق الأوسط”



