مقالات

الأفكار الحيّة والخصبة.. متى تكون؟

د. محمد الحسامي/ اليمن

خاص “المدارنت”..
يقول المفكر اللبناني، علي حرب، في كتابه القيّم “أوهام النخبة أو نقد المثقف”، في مقدمة طبعته الثانية الصادرة في العام 2004م، وتحديدا في ص23 منه:
فـ”بقدر ما تفتح الأفكار الحية والخصبة حقلا للأسئلة أو تخلق مجالا للتداول، أو توفر مناخا لممارسة حيوية التفكير”.. إلا أنها “وقائع فكرية تستقل عن قائلها، لكي تفعل فعلها وتترك أثرها وأصداءها”، وما ذلك إلا لأنها “تمتلك وقائعيتها وتمارس تأثيرها، حتى على الذين يعارضونها “..إلخ.
ويقول الأديب والشاعر والروائي الفرنسي/ فيكتور هوجو، صاحب رواية “البؤساء”، التي تعتبر من أشهر وأعظم وأهم الروايات العالمية:
“أقوى شيء في الكون كلّه، أقوى من الجيوش وأقوى من القوة المجتمعة للعالم بأسره، هي فكرة آن أوان خروجها إلى النور”.. حيث أن “من الممكن مقاومة غزو الجيوش, ولكن ليس من الممكن مقاومة الأفكار”..
بمعنى: “لا توجد قوة على الأرض، قادرة على أن توقف فكرة حان وقتها”.
حيث أنه، زمانا ومكانا، وعندما تكون الأفكار والفكر نيرة،حية وخصبة, متحررة وإنسانية, كافرة بالأصنام.. والصنمية.. ومتمردة تمردا إيجابيا إنسانيا عليها وعلى سدنتها.., رافضة للأوهام والخرافات والدجل والتدجيل, تقدس الإنسان والإنسانية.. وتحلق عاليا في الفضاء الإنساني الأوسع والأرحب للإنسانية جمعاء, تعمل على تنظيف ما علق بها من شوائب وقدسيات زائفة ومفاهيم خاطئة ومقلوبة, تنشد وتنادي وتطمح بمجتمع إنساني حرّ لا يكفرها ولا يحاربها.. إلخ.
فإن من يقف لها بالمرصاد ويتعقبها ويحاول القضاء عليها في مهدها قبل أن ترى النور، ليس طرفا معينا من الأطراف العابدة والمقدسة لتلك الأصنام.. بل كل تلك الأطراف مجتمعة وموحدة مهما كانت العداوة بينها وبلغت..
فكل تلك الأطراف مجتمعة، ترى في تلك الأفكار والفكر إذا ما رأت النور خطرا جسيما وحقيقيا على أصنامها.. وصنميتها.., حيث أنها تتحد وقتئذ ومكانئذ وزمانئذ، لمجابهتها والقضاء عليها متناسية عداواتها ومؤجلة الصراع فيما بينها البين لوقت لاحق… إلخ.
وإن أيّ فكرة أو ورؤية، ومهما كانت أخلاقية إنسانية نبيلة، إلا أنها تظل حبيسة صاحبها أو الوريقات التي إحتوتها مالم يوجد من يؤمن بها ويتبناها، ومن ثم العمل على تحويلها إلى واقع عملي يعاش ويلمس ويحس،. إلخ.
بمعنى توفر الشروط الذاتية أولا لنجاحها، لكن، وفي نفس الوقت، فإن تلك الفكرة أو الرؤية عندما تصير وتصبح واقعا معاشا ملموسا ومحسوسا، ويتم التعامل معها والنظر إليها من قبل المؤمنين بها بإعتبارها فكرة أو رؤية لا تقبل الخطأ، فهي تحمل الحق المطلق، مهما كانت درجة صوابيتها الكبيرة وملائمتها للواقع الذي أنتجها وعبرت عنه.. فإنها تتحول تدريجيا ومع مرور الوقت وبفعل انغلاق أصحابها عليها، وكذلك بفعل الصيرورة التاريخية للمجتمعات، وبفعل عوامل أخرى عديدة ومتنوعة وكثيرة ومتداخلة مع بعضها البعض.. إلخ.
وما لم تخضع أيضا، وبين فترة وأخرى، لسلسلة من العمليات النقدية المتتالية والمتتابعة من قبل أصحابها المؤثرين، أولا، والسماح بذلك من قبل الآخرين، وفقاً لقاعدة ومبدأ الرأي والرأي الآخر، قبولا وترحيبا وأخذا به، وتجاوبا وتفاعلا معه، ووفقا للمعطيات والتطورات التي تفرضها تلك الصيرورة…
ثانيا أقول:
ما لم يكن كل ذلك وأكثر منه بكثير، فإن تلك الفكرة أو الرؤية تتحول إلى فكرة أو رؤية جامدة صنمية (مقدسة)، يكون مصيرها ومصيرهم الزوال والفناء..ولن يمنع ذلك كونها أخلاقية إنسانية نبيلة من عدمه.. بما ينتج ويترتب على ذلك الجمود وتلك الصنمية.. من نتائج كارثية وخيمة على الحاضر والمستقبل…
والتاريخ البشري، قديمه وحديثه، حافل بأمثلة كثيرة وكثيرة وكثيرة وكثيرة عن ذلك… فعملية صناعة أيّ فكرة، ومن ثمّ تحويلها إلى واقع عملي معاش ملموس ومحسوس، ليست بذلك الأمر السهل والهين والبسيط…
إذ أن هنالك من لهم القدرة والمقدر على صناعتها (المفكرون).. وهم قلة أفرادية قليلة عددية.. بل قد يكون الصانع هنا فردا واحدا فقط (مفكر واحد ووحيد)..
وهنالك من يؤمن بها ويتبناها، وله القدرة والمقدرة على تحويلها إلى واقع معاش ملموس ومحسوس (المثقفون الإنسانيون الكبار).. وهم فئة لا بأس بها من حيث العدد.. وقلما نجد من لهم القدرة والمقدرة على الصناعة.. والتبني والتحويل..
وهنالك من ليس لهم تلك القدرة والمقدرة.. لا على الصناعة.. ولا على التحويل.. بل يتفاعلون معها تفاعلا إيجابيا (البعض من أفراد الفئات الإجتماعية كحاضنة للصانع وللمتبني.. والداعمة لهم)، حيث تتفاوت الكمية العديدة لهم بين فئة وأخرى، بقدر الشعور والإحساس بأهمية تلك الفكرة من حيث تلبيتها لما يشعرون ويحسون به، وعيا قبل سلوكا، بالحاجة الماسة والضرورية لها، وبحسب مقدرة صناعها والمتبنيين لها على إيصالها إليهم.. وهم مجموعة ليست بالقليلة من أفراد المجتمع ومكوناته المختلفه…
لكن, وفي نفس الوقت, هناك من يرفضها رفضا تاما، ويعمل بكل جهد وبكل الإمكانيات المتاحة له على محاربتها والتصدي لها، وعدم السماح لها بأن تنتشر وتؤثر وتؤتي أكلها ومنعها من أن يباح بها, فما البال من أن تتحول إلى واقع معاش وملموس, مستخدمين في ذلك كل أساليب الترهيب والترغيب, وحتى التصفية المعنوية والجسدية لمن يصنعها، ولمن يتبناها ويحاول تحويلها إلى واقع معاش وملموس، حتى لو استخدموا في ذلك عملية التكفير ضد التفكير… وهؤلاء هم مجموعة لا بأس بها من الكثرة ممن يمسكون بزمام الأمور، ويخشون على أنفسهم ومصالحهم من الزوال في حال نجاح تلك الفكرة, صناعة وتبنيا وتحويلا إلى واقع معاش وملموس, يساندهم في ذلك مجموعة لا بأس بها من الكثرة ممن ترتبط مصالحهم معهم ومن العامة الدهماء, مستغلين التخلف والجهل والظلامية المتفشية في أوساط المجتمع وبصورة تقديسية قداسية… وفي هؤلاء العامة يقول جمال الدين الأفغاني:
“إذا سَلِمْتَ في كتابة خاطراتك من خطر الطاغية وطواغيته، فستصادف من أهل الجمود عنتا وتخرصا وقلبا للحقائق، فلا تبال بهم، فما خلا الكون منهم يوما ليخلو زمنك؟!، ولا نجا منهم مخلص لتنجو أنت؟!”.
وفي نفس الوقت أيضا, هناك مجموعة كبيرة من العامة والخاصة يقفون موقفا سلبيا تجاهها, ولا يتفاعلون معها, سواء بالرفض أو القبول, وسيلتهم الإنتظار لما سوف يؤل إليه الصراع من نتائج بين صناع الفكرة ومتبنيها من جهة، وبين الرافضين لها من جهة أخرى, فإذا كتب النجاح لتلك الجهة.. أو لتلك.. وقفوا حينها مع المنتصر من الجهتين المتصارعتين… وهؤلأ هم الجبناء والإنتهازيين، وعديمي القيم الأخلاقية الإنسانية…
إن طبيعة الإنسان الفرد، والإنسان المجتمع، وفي الغالبية العظمي السكون والاستكانة والرضوخ للأمر الواقع، والقبول به حتى لو كان ذلك الواقع من الدرجة التي لا تطاق من السوء, لذلك فهو يرفض رفضًا تامًا أية محاولة لزعزعة ماهو عليه وفيه من الحال, ويتخوف تخوفا شديدا ومرعبا من أيّ عملية تغييرية تغير من ذلك.. سواء على مستوى الفكرة أو غيرها, حتى لو كان في تلك العملية الخير الكثير له مستقبلا، وكانت واضحة وضوحا كليا لا لبس فيها ولا يوجد من يرفضها ويتصدى لها ويعاقب من يحملها, فما البال إذا كانت تلك العملية التغييرية مبهمة وغير واضحة، ومن يقومون بها ليسوا قدوة حسنة ومحل تقدير وإحترام…
فهو, أيّ الإنسان الفرد والإنسان المجتمع, يفضل مصالحه الخاصة به التي يراها هو، ومن وجهة نظره ونظرته الخاصة به، ولا يهمه من يقوم بذلك ومن أين يأتي ذلك…
إن السؤال الذي يطرح نفسه هو: من أين تأتي تلك الفكرة؟ وما هو منبعها ومصدرها؟
إنني أستطيع أن أقول, وبإختصار شديد وموجز, ومن وجهة نظري ونظرتي الخاصة المتواضعة، ومن قناعتي الشخصية:
إن وعي النقص بالحاجة للشيء العظيم من قبل فرد أو جماعة أو فئة.. يولد حلمًا عظيما, وكل حلم عظيم يولد فكرة عظيمة, وكل فكرة عظيمة تشكل وعيا عظيما وحقيقيا بها, وكل وعي عظيم وحقيقي ينتج سلوكا وعملا عظيما وحقيقيا, وكل سلوك وعمل عظيم وحقيقي ينتج واقعا عظيما وحقيقيا معاشا وملموسا.. وهكذا، فإن كل واقع عظيم وحقيقي معاش وملموس، يبدأ بوعي النقص بالحاجة إليه..
أخيرا وليس آخرا: إن السؤال الفلسفي الجدلي القائم والمطروح منذ زمن بعيد:
من منهما يصنع الآخر, هل الفكرة تصنع الواقع أم الواقع يصنع الفكرة؟!
بمعنى, إيّهما أولا الدجاجة (الفكرة) أم البيضة (الواقع)؟؟
والذي ما يزال مطروحا حتى الآن، ويبحث عن إجابة مقنعة برغم محاولة الايدلوجيات المختلفة في الإجابة عنه… وهل الإجابة عنه أولا مفيدة أصلا? وبتلك الأهمية التي لولاها وفي حال عدم توفرها لن تتم أية عملية تغييرية? وإين محل ودور الإنسان في ذلك كله?!
الخلاصة:
لنصنع الفكرة من رحم المعاناة الحقيقية للإنسان، وتوقه وتعطشه للحياة الحرة الإنسانية الكريمة، بعيدا بعيدا، وبعيدا كلّ البعد عن تلك الأسئلة الفلسفية الجدلية، ومحاولة الإيجابة عنها..

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى