الأوقاف الإسلامية والواقع الأليم!

كتب خالد بريش/ باريس
خاص “المدارنت”..
نقف اليوم، حائرون أمام الأوضاع البائسة والمزرية للطائفة الإسلامية وأبنائها ومن كل النواحي، فمن سوء حظها أنه لا يوجد لديها مرجعية سياسية محنكة على مستوى المرحلة وخطورتها، تجيد المناورات السياسية وألاعيبها، والتعاطي مع المستقوين بفائض القوة، أو بالخارج وما أكثرهم… في الوقت الذي لا توجد فيه مرجعية دينية تغطي العجز السياسي الفاضح والمقرف، وتقوم بواجباتها وبتفعيل مؤسسة الجهاز الديني، وتنمية الأوقاف وتحسين أدائها… هذا في مرحلة وصلت فيها ثقة أبناء الطائفة بسياسيّيهم، وبالسادة أصحاب المناصب والمقامات الدينية إلى الحضيض، فغدو جميعهم من دون استثناء، عبئًا على الطائفة وأبنائها الذين ينتظرون بفارغ الصبر، الفرج من الله، والخلاص منهم جميعًا…
لقد شكلت الأوقاف من خلال مؤسساتها وأملاكها، أحد حصون المجتمع المهمة، وهذا لم يكن خاصًا بالطائفة الإسلامية فحسب، بل شمل الطوائف الأخرى في المنطقة، وذلك بنسبة وتناسب، فكانت الأوقاف تقوم بدور فعّال على المستوى الإنساني والتربوي والاقتصادي… وتسد عجز المنظومة السياسية، وتسجل حضورًا حيث تغيب الدولة. وكانت الأوقاف الإسلامية مثالًا يُحْتذى تنظيمًا وإدارة، والأقوى نفوذًا من حيث دورها وكثرة خيراتها التي حددت الشريعة مصارفها، وضبطتها من خلال النصوص الفقهية و«شرط الواقف»، فشكلت خيراتها طودًا قوي البنيان، كان على الدوام في نماء مستمر، وأحد الدعائم الاقتصادية المهمة لأبناء الطائفة وللمجتمع عموما…
هذا، ومرت الأوقاف ككل المؤسسات الأخرى عبر تاريخها بحالة مدّ وجزر… إلا أنها في هذا الوطن، لم تمر بأسوأ مما هي عليه اليوم؛ من ضعف، واهتراء، وشح في الموارد، وسلبطة على كثير من أملاكها من قبل أناس لا أخلاق لهم، مدعومين من قبل ساسة الطائفة الكرام. هذا بالإضافة إلى السياسات الخاطئة التي اتبعت منذ ستينات القرن الماضي من منظومة الأوقاف نفسها، كونها لم تضع أيّ خطط تنموية فعالة لتطوير موارد الأوقاف وإنعاشها، بل على العكس، تضاعف التحايل على القوانين وقواعد الوقف، من أجل ابتلاع ما تبقى من أملاكها، في ظل تدخلات الساسة، وتطنيش وغض نظر من قبل المسؤولين في معظم الأحيان…
والجدير بالذكر هنا، هو أن أوقاف طرابلس، قد تميزت عن غيرها، لما كان لهذه المدينة من أهمية خاصة عبر التاريخ، ولكون خيراتها الكثيرة عمّت، فشملت الحرمين الشريفين (مكة والمدينة)، وبيت المقدس، ومنارة العلم الأزهر، ولكونها غطت أيضا مختلف مناحي الخير في المجتمع، من مساعدة للفقراء وتعليم وطبابة واعتناء بكبار السنّ وأصحاب الاحتياجات الخاصة، ومساعدة طلاب العلم وتجهيزهم في رحلة طلبهم للمعارف والعلوم، وكذلك مساعدة الفقراء الراغبين بالحج على مؤونة سفرهم الخ… ورحم الله السلف الصالح الذين لم ينسوا في أوقافهم حتى الحيوانات، إذ ذكر الدكتور مصطفى السباعي في كتابه «اشتراكية الإسلام»، أنه كان في طرابلس، وقف يعود ريعه للكلاب والقطط والحيوانات الضالة…
ومنذ مطلع السبعينات وإلى يومنا هذا، دخلت إلى صناديق الأوقاف ودار الفتوى ملايين الدولارات، تارة باسم صندوق الزكاة، وتارة أخرى على شكل هبات وتبرعات لتأمين مرتبات رجال الدين، أو لدعم المؤسسات الخيرية الأخرى التي ترعاها دار الفتوى… فكنا نقرأ ونسمع عن أرقام جدّ محترمة، تدخل لصندوق الأوقاف من دول عربية، ومتبرعين عرب ولبنانيين من أهل الفضل والإحسان… ولكن كما يقول المثل «نسمع قرقعة ولا نرى طحينا…!»، وطبعًا، تتبخر تلك الأموال من دون أن يعلم أحد عن مصيرها ومآلها شيئا…! إلى أن شحت منذ فترة تبرعات الخيرين والمحسنين من اللبنانيين والعرب لدوائر الأوقاف ودار الفتوى في لبنان، بعدما أخذت الإشاعات الغير مستحبة تفوح روائحها من أروقتها، وغدت سمعة الأوقاف والعاملين فيها على المحك…!
والحق يقال، إن كثيرين من المسلمين، اليوم، لم يعد لديهم ثقة في القيّمين على دار الفتوى، ودوائر الأوقاف المختلفة، التي يعتبرونها وكرًا للدبابير المتربصة بما تبقى من عسل… وذلك لأسباب كثيرة، يأتي في مقدمتها الغياب الكامل لهذه المؤسسات عن الساحة الاجتماعية والسياسية، وتفريطها بالكرامات، حتى غدت المقامات تابعة، إن لم تكن «مَلْطَشَة»، ووصف كبيرهم أبناء الطائفة وكل من يمثلها بـ«الطزّ»… بالإضافة إلى أسباب أخرى سوف نوردها طي هذه السطور…
أما بخصوص ما يبثه القائمون على دار الفتوى والأوقاف من إشاعات، تفيد أن المسلمين قد نسوا عادة الوقف والسنّة الحسنة، وأعرضوا عنها، وابتعدوا عن دينهم، إلى آخر هذه المعزوفة… فهو غير صحيح بتاتًا، لأننا نرى أن ما قام به المخلصون القائمون على منظومة «بيت الزكاة» في طرابلس، منذ مطلع الثمانينات في مجال الوقف الخيري… وما قام به أيضا المغفور له سماحة الشيخ خليل الميس في البقاع، وتأمينه كمًا محترمًا من الأوقاف تفي بمصاريف المشاريع التي أنشأها بل تفيض عنها، يدحض بما لا يدع مجالا للشك كل هذه الادعاءات المفبركة…
ثم لماذا يوقف الموسرون بعضًا من أملاكهم، وهم يرون بأم أعينهم كيف أن أملاك الأوقاف من وقف ذرّي أو خيري، قد تحوّلت وبقدرة قادر إلى أملاك خاصة لبعض أتباع السياسيين والمتنفذين والزعران، وأيضا لبعض القائمين عليها…؟ وأن دار الفتوى الموقرة ودوائر أوقافها لا يحركون ساكنًا ضدّ الذين يستولون على أملاك الأوقاف، وخصوصا المدعوم منهم من قبل السياسيين الذين يحجون إلى دار الفتوى…؟! وسؤال على كل الشفاه: أين ذهبت أموال ما سمي بـ«القرض الليبي»، الذي اعتبر في حينها نصرًا مظفرًا كفيلًا بإنعاش صندوق الأوقاف لعقود طويلة. والأهم من ذلك كله، أين تذهب أموال الأوقاف، طالما أن مرتبات المشايخ منذ عقود على ما هي عليه، وفي حضيض الحضيض…؟!
قد يختبئ السادة في دار الفتوى والأوقاف، وراء حجة دمار منطقة الأسواق في وسط بيروت خلال الحرب الأهلية، وأن ذلك قد حرم الأوقاف من أموال طائلة، ومردود مالي كبير جدًا… هذا من حيث الشكل صحيح ولا غبار عليه… ولكن لماذا وافقت الأوقاف العتيدة ودار الفتوى حينها على القبول بهذا المشروع الإعماري الضخم على حساب أملاكها، وخضعت لإرادة وضغوطات الساسة…؟ وبالتالي، أسهمت بشكل أو بآخر في تبخر قسم مهم من أموال الأوقاف، التي هي في الأساس ليست ملكًا شخصيًا للسدنة المسؤولين ليتصرفوا فيها، وليوقعوا على التخلي عنها…! ثم لماذا لم يتم استبدالها على سبيل المثال، أولم يكن ذلك أجدى…؟
وإن كان هذا يصدق على بيروت، فأين ذهبت أملاك الأوقاف في طرابلس، والتي كانت تشمل جبالًا وضياعًا وبساتين وكرومًا بأمها وأبيها، عامرة بأنواع الفاكهة والزيتون، وأسواقًا وخانات، وأملاكًا سكنية وتجارية لا تأكلها النيران…؟ ولماذا لا يقوم المسؤولون اليوم، بتكليف لجنة متخصصة من الحقوقيين، تراجع الدفاتر القديمة، وتعد المطالعات والدراسات القانونية، ويتم اللجوء إلى القضاء من أجل استرجاعها ومحاكمة المسؤولين عن ضياعها، خصوصًا أن كثيرًا منها حديث العهد…؟ أم أنكم لا تحبون إزعاج الساسة الذين حملوكم إلى مناصبكم…؟ ولكن تأكدوا أنهم لن ينفعوكم يوم يُنادي المُنادي «وقِفُوهُم إنَّهم مَسْؤُلون»…
لقد آن الأوان يا سادة للاعتراف أمام الله، وأمام كل أبناء الطائفة في هذا الوطن، من أنكم لا تمثلونهم، ولا تمثلون مصالحهم، بل تمثلون مصالحكم الشخصية، ومصالح من حملكم إلى سدة هذه المناصب ودعمكم، ولو كانت تتعارض مع مصالح الطائفة…! وتأكدوا تمامًا أن المؤمنين في هذا الوطن ما يزالوا بألف خير ومستعدين لوقف جزء من أملاكهم في سبيل الله، وأن عثمان بن عفان رضي الله عنه، الذي جهّز جيش العسرة، ووهب تجارته في عام القحط للفقراء، يوجد بين أبناء الطائفة اليوم كثير من أمثاله، تصديقًا لحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم «الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة»، ولكن كل ذلك مشروط بوجود المرجعيات الثقة التي تمثلهم، ويحسون بوجودها قولًا وفعلًا، وتدافع عن مصالحهم كمواطنين شركاء في هذا الوطن، وعن مصالح الطائفة حقا، وهنا بيت القصيد…!




