الإسـتـقـــلال الـحـقـيـقــي..!

خاص “المدارنت”..
عشية عيد الإستقلال في ذكراه السادسة والسبعين، تزداد الثورة إشتعالاً، وتمضي قُدُماً باندفاع لا نظير له، فمع رهان السلطة السياسية الحاكمة على فشل هذه الثورة الجبارة، والمفعمة بروح التغيير والتبديل والإصلاح والنجاح، ومع كل القمع الخجول والمُرغَم لأفواه الأحرار من الثوار، والتآمر والكيد بأسلوب ميليشياوي ومافياوي، تارةً بالترهيب وتارةً بالترغيب، ينبري اللبنانيون العُزَّل من أيّ أداة من أدوات العصيان المسلح، بصرخة ثورة ووقفة عزّ وصمود، وإصرار يفوق التصور.
وليس غريباً عن اللبنانيين، تلك الشكيمة أو الصفة التي تميزهم عن غيرهم من الشعوب الثائرة، فاللبناني حضاري في ثورته، حضاري في فلسفته، حضاري في نقاشه وجداله، حضاري في تعبيره عن رأيه الحرّ ونظريته الثاقبة، وما رأيناه من فلتان وفوضى جرت منذ شهر على بداية الثورة، ما هو إلّا ترجمة لضعاف النفوس وعبيد الرؤوس، وأزلام الزعماء، وأذناب الأولياء، ممن عبثت أيديهم ولا تزال، في صفوف الثورة وشعار الثورة، إرضاءً للزعيم وإحياءً للفتنة، وإمعاناً في تعصب اعمى للطائفية والمذهبية، فمن عهرهم، احرقوا قبضة الثورة، ظناً منهم أنهم يثبطون عزائم الثوار، فإسقاط الراية تهبط العزائم، ولكن إرادة الثوار لم تُمهلهم طويلاً، فلم يحلّ ظلام نفوسهم السوداوية عشية ذلك اليوم، حتى ارتفعت القبضة الحديدية، تدكّ أعناقهم وتنكس رؤوسهم وتخطف أبصارهم، بوهج الثورة وبقوة دفع جديدة، صلبة، صامدة، شامخة كشموخ أرزة لبنان…
إن للإستقلال وذكراه اليوم، نكهة ثورية خاصّة، تطيب مع فجرٍ ساطعٍ جديدٍ ومتجدد، ومناهض للأفكار الرجعية الجاهلية، فلقد أثبت الحراك الشعبي وجوده وبكل قوة، فأيُّ شعب جبار، أنت يا شعب لبنان القوي؟! يا من تكاتفت لتسقط التبعية والولاء الوقح والسافر للخارج، متجاوزاً حدود الطائفية والعصبية والمذهبية، رافعاً شعار “لبنان وطناً للجميع”، مُسقِطاً شعار “لكم لبنانكم ولنا لبناننا”.
لقد أحدثت الثورة “تسونامي” غير متوقع أبداً، لأركان السلطة المهتزة والمهترئة أصلاً، وإرباكاً تخطى حدود المتوقع، فأرَّقت أدمغتها، وأخرست ألسنتها، ودفنتها وهي حيّة تنازع الموت، لم يكن متوقعاً ذلك الزحف الشعبي الهائل، من شمال وجنوب وبقاع وجبل وبيروت العاصمة المحروسة.
إحتفل العهد بذكرى الإستقلال، ضمن دائرة محدودة، وبجفاء واضح بين أركانه، مبتعداً عن نشوة الفرحة المعتادة، بصورة هياكل باهتة، لا حياة فيها ولا روح، سرعان ما ذابت بعد عرض عسكري خجول من دون تهانٍ وتبريكات، وفي المقابل، احتفل الشعب اللبناني الثائر ببهجة العيد، وأضفى أسمى معاني النضال والتضامن على الذكرى في هذا العام، وعرضت الثورة أفواج مكوّناتها في عرضٍ أولٍ فاق الخيال ،معلنةً إستقلالها الحقيقي عن السلطة، فشارك “أطباء، محامون، مهندسون، معلمون، طلبة وناشطون، عسكريون متقاعدون، وكثيرون من ممثلي الهيئات الثورية والمجتمعية”، وللمرة الأولى تُعرض آلية من صناعة لبنانية…
موج بشري عارم وحرّ، اقتحم الساحات في رياض الصلح والشهداء والحمراء، معلناً إستقلاله عن العهد، الذي دخل مرحلة الإنعاش القسري والقهري، مع تخدير عام وغياب تام…
إنه الإستقلال الحقيقي الذي حلم به اللبنانيون ما بعد الطائف، فلا محاصصة، ولا “مدد لي لأجدد لك”، ولا صور لأصنام السلطة التي لم يغيرها إلا المشيب.
لقد عبّر الثوار، ولا يزالون عن ثورتهم، وأعلنوا مطالبهم، وأصرّوا على تحقيقها، فهل تستجيب السلطة لهم؟! وهل تلبي مطالبهم؟!
شهر ونيّف، وما ملَّ الثوار ولا تململوا، بل زادوا إصراراً، ومحبةً للساحات التي تتوسع، لتحضن أجساد الثوار من كل الأطياف، ومن كل مكوّنات الشعب اللبناني الثائر، كي تزفّ روح الإستقلال الجديد الذي سترسمه الثورة قريباً… وقريباً جداً، إن شاء الله.
* أكاديمي وداعية إسلامي.
=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=



