مشروع نتنياهو.. كافة الطرق مغلقة بسبب تراكم الأزمات!

“المدارنت”
ذكرنا في نهاية المقال السابق «نتنياهو من التلمودية السياسية إلى الإسبارطية الجديدة»: إن هذا المسار بالذات هو عنوان للخطيئة الاستراتيجية الثالثة، وعنوان للفشل بسبب انعدام توفر الشروط التاريخية والعملية لنجاح هذا المسار.
وهنا علينا أن نثبت ذلك بالحقائق والوقائع والمعطيات ما دمنا نرى هذا الانعدام.
نبدأ بمنهج هذا الإثبات، كيف لنا أن نثبت ما نود إثباته؟ ما هي الأدوات؟ وما هي المعايير والمؤشرات؟
سنبدأ من الحرب على إيران وليس من الجبهات الأخرى وذلك لأسباب عدة سنأتي عليها، وسبب البدء بالحرب على إيران هو سبب منهجي بحد ذاته لأن أصل المشكلة من زاوية الرؤية الاستراتيجية للولايات المتحدة والدولة الصهيونية، وكل أعوانهما في كامل منطقة الإقليم هي إيران، ومن زاوية هذه الرؤية بالذات هي «التهديد»، وهي مصدر قوة وقدرات كافة أو معظم الجبهات الأخرى، وبزوال هذا التهديد فقط يمكن الاطمئنان إلى استكمال حروب حاسمة، وتحقيق انتصارات مستدامة، وتثبيت وقائع دائمة، وفقط عن طريق إزالة هذا التهديد يصبح الشرق الأوسط الجديد ممكناً وتتحول مشاريع إقامة «إسرائيل الكبرى» إلى واقع مفروض بقوة الأمر الواقع بما في ذلك واقع الرضوخ الدولي، وواقع الإذعان الإقليمي، وواقع انهزام الجبهات المتعددة.
وكان يمكن أن يكون مسار الصراع المحتدم مختلفاً لو أن التحالف الأمروصهيوني بعد السابع من أكتوبر أبقى إيران خارج النطاق المباشر لهذا الصراع، ولم يذهب هذا التحالف لمهاجمة إيران بضربات كانت تهدف إلى إسقاط النظام، والمراهنة على انهيار الدولة الإيرانية، وإشاعة الفوضى الشاملة في كل الجغرافيا الإيرانية وصولاً إلى تقسيم البلاد وتفتيت وحدة ترابها الوطني.
لم تكن إيران بوارد الدخول في هذه الحرب مباشرة، وبقيت ردودها على اغتيال إسماعيل هنية، ثم العمليات الاستخبارية اللاحقة، وخصوصاً البشرية النووية، وحتى بعد اغتيال أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله ظلت إيران حذرة، وظلت تحسب خطواتها بدقة وبمنطق الدولة وبما لا يذهب بوتيرة الصراع إلى مساحات وجودية أو مصيرية.
لكن عندما فشلت دولة الاحتلال بتحقيق الأهداف المعلنة في القطاع، وبعد الفشل الكبير بالحرب البرية على الساحة اللبنانية، وهربت هي والولايات المتحدة للحرب على إيران مباشرة بعد الاختراق الأمروصهيوني في سورية تحول منطق الصراع في الإقليم كله إلى صراع مع إيران وإلى صراع وجودي ومصيري جديد، وأصبح النجاح والفشل يقاس بمقياس تحقيق الأهداف من هذه الحرب تحديداً.
وتحول الانتصار على إيران ليس لمجرد مقياس هذا الانتصار وإنما شرط رئيس لأي انتصار حاسم أو نهائي أو مطلق، وتحول الفشل في هذه الحرب بالذات إلى فشل في تحقيق إنجازات استراتيجية في كافة جبهات القتال، أو إلى إخفاقات استراتيجية طالما أن أهداف الحرب على إيران فشلت وأخفقت.
أقصد أن النجاحات التي حققتها دولة الاحتلال في غزة ولبنان أصبحت مؤقتة، وباتت مهددة ومرهونة بتطورات الإقليم، وأصبحت خاضعة لمتغيرات الوضع السياسي الداخلي الاسرائيلي نفسه، وحتى الاختراق الأميركي في سورية لم يعد مستقراً كإنجاز استراتيجي نهائي، وحتى منجزات الإبراهيمية السياسية بدأت بالاهتزاز ووصلت أحياناً إلى حالة الترنح، وتبخرت أوهام إسقاط النظام وطارت أحلام القضاء على البرنامج النووي، وعلى البرنامج الصاروخي وانهارت نظرية «الأذرع الإيرانية»، وكل أنواع الحصار والمحاولات لفرض التراجع على إيران انتهت إلى معادلة صفرية.
وبالرغم من تراجع الولايات المتحدة عن مذكرة التفاهم مع إيران والتي عكست إنكارها أمام إيران، وبصرف النظر عن فشل هذا التراجع نفسه في تحقيق أهداف فشلت بتحقيقها في الميدان، فإن إيران اليوم والآن هي أقوى مما كانت عليه قبل هذه الحروب عليها، وبرنامجها النووي كما يبدو لم يُصب بأذى جوهري، وبرنامجها الصاروخي أقوى مما كان عليه، ولم يقل التهديد الإيراني، بل أصبح باعتراف العالم والإقليم أكثر وأكبر خطورة، وبات يضع شروطاً لا تعني ولا تُكرس سوى أكبر هزيمة استراتيجية في كامل مسار الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، وأصبحت هذه الهزيمة بالذات سبباً لاهتزاز النظام السياسي في الولايات المتحدة وإسرائيل بدلاً من إيران.
لم تكن إيران حامية الحِمى في الإقليم منذ انطلاقة شرارة هذه الحرب في السابع من أكتوبر، ولكنها تحولت موضوعياً إلى قاعدة ومركز حيوي وأساسي في معادلة الإقليم، وإلى جبهة الارتكاز الأولى في مواجهة الهيمنة الأميركية، وفي تحقيق الطموحات الصهيونية.
وهنا يتمحور سوء الفهم لدى الحالة العربية في معادلة الصراع التي لم تكن مؤسسة على هذه القاعدة منذ بداية الحرب، لكنها أصبحت على ما هي عليه بسبب الخيار الأميركي والصهيوني بتحويلها.
وهنا تحول سوء الفهم إلى عُسر فهم لدى البعض وهو ما أدى بهم إلى حالة التلبُك والإمساك السياسي المزمن.
الإدارة الأميركية من خلال الاستدارة المتسرعة بالانقلاب على مذكرة التفاهم مع إيران راهنت على نقل الحرب من حروب مباشرة على إيران إلى حرب مالية واقتصادية عليها، وأوكلت للعرب استكمال هذه الحرب على بعض الجبهات كما أوكلت لدولة الاحتلال استمرار ضغطها على جبهات أخرى.

والسبب لم يعد خافياً على أحد. أميركا لن تسلم لإيران، ولكنها ليست جاهزة بعد للدخول في حرب جديدة، وهي الآن تمهد الأرضية للذهاب الى هذه الحرب إذا فشلت الحروب «الجزئية»، أو إذا أصبح من المستحيل عليها دخولها.
وتحول إلغاء الانتخابات الأميركية إلى السبب الوحيد لخوضها، وهو نفس السبب الإسرائيلي للاشتراك بها من دون أن يعني ذلك أن دولة الاحتلال ستُرهن نفسها لهذا الخيار الوحيد، ودون أن تُلزم نفسها بأي قيود على جبهات أخرى. الصدمة الكُبرى للرئيس ترامب ولنتنياهو أيضاً، جاءت من اليمن.
والورطة الأميركية في هرمز أضيفت لها ورطة جديدة في باب المندب إذا قررت التدخل المباشر في الحرب على اليمن، والمغامرة بهذا التدخل ستشعل أزمة الطاقة والتجارة الدولية، وستقضي على كل مراهنات ترامب في تهدئة الأسواق والأسعار، وكل محاولات الاستيراد من روسيا لن تحل أزمات الرئيس ترامب على أبواب الانتخابات النصفية، وتحولت مصادر الطاقة في الخليج من مصادر للتزويد إلى حالة من التهديد، والذهاب إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير إذا لم يتم احتواء الأزمة بسرعة.
كل الطرق مغلقة بسبب تراكم الخسائر والأزمات، وطريق الحرب حتى وإن حققت إلغاء الانتخابات فهي لم تخلق ولن تحقق أي انتصار سوى تلك الإنجازات المؤقتة التي تحققت حتى الآن.
الطريق السالك الوحيد هو طريق مذكرة التفاهم مع زيادة طفيفة هنا أو نقصان هناك، وهو ما سيؤدي إلى تلاشي تلك الإنجازات.
وطريق مذكرة التفاهم هو الطريق الآمن الوحيد لعدم تورط الخليج العربي في مرحلة جديدة من الاستنزاف الذاتي دون طائل يذكر، وهو تورط يعادل وصفة جاهزة للتدمير الذاتي.
ومذكرة التفاهم هي أقصر الطرق للسقوط المدوي لنتنياهو وائتلافه، وأفكاره وسياساته.
في المقال القادم سنشرح ما أمكننا ذلك كيف أن الفشل الإسرائيلي في قطاع غزة سيكون أكبر مما يتصوره نتنياهو، ومما تتصوره المعارضة الإسرائيلية نفسها، وكذلك الأمر في لبنان والضفة وسورية والعراق، وكيف أن الفشل الاستراتيجي الذي نجم عن خطايا نتنياهو لا يمكن أن يتحول إلى انتصارات حاسمة، وكيف أن أقصى ما يمكن أن تنتهي إليه الأمور هو مراوحة، ومراوحة فقط باتجاه الانحدار، والانحدار فقط، وذلك لأن كل حروب قادمة ستأكل من اللحم الحي لمشروع الهيمنة الأميركية، ومن مشروع سيطرة التوحش الإسرائيلي.



