الارهاب الايراني في سوريا.. مبرراته وأهدافه “2 ـ 2

//خاص المدارنت//… كتب محمد خليفة/ أوروبا..
أشرنا في الجزء الأول من هذا البحث على صفحات “المدارنت”، الى “ثلاثة معسكرات رئيسية في ايران، مخصّصة للمقاتلين والارهابيين الأجانب، وهي معسكر الامام علي شمال طهران، معسكر أمير المؤمنين، غرب طهران، معسكر مرصاد في شيراز، معسكرات حزب الله في لبنان، ومعسكرات الحشد الشعبي في العراق.
في هذا الجزء الثاني، نتحدّث عن فصائل قاتلت ضدّ السوريين، دفاعاً عن الطاغية ومصالح إيران في سوريا والمنطقة.
أولاً – قوات نظامية :
– أرسلت ايران الى سوريا بين 8,000 – 10,000 جندي محترف من الحرس (تقديرات أواخر 2016)، يقودهم الجنرال سليماني ونائبه العميد اسماعيل قاآني والعميد قاسم رستمي. وقُتل منهم زهاء الف ضابط حسب صحيفة (تسنيم) القريبة من الحرس. ويعتقد أن العدد الحقيقي أكبر. وتجدر الاشارة أن غالبيتهم ضباط كبار شاركوا في الحرب ضد العراق، ويعتبرون الحرب في سوريا امتداداً للحرب السابقة، ومناسبة للثأر من العرب .
– اللواء 65 التابع للجيش النظامي، وشارك مع سلاح البحرية الايرانية .
– قوات الباسيج: (قوات قمع الشغب)، شكّلها الجنرال حسين همداني لقمع الثورة الخضراء 2009، وأرسلتها قيادتها الى سوريا لتساعد النظام في حربه على شعبه، وتؤسس لها (باسيج سوريا)، تعرف باسم (قوات الدفاع الوطني)، ويسميها السوريون (الشبيحة)، وهي تتألف من 50,000 مقاتل تدفع مرتباتهم ايران. والجدير بالذكر، أن الجنرال همداني لقي حتفه قرب حلب عام 2015 على أيدي الثوار.
ويقدر إجمالي القوات الايرانية ومرتزقتها في سوريا بـ80 مقاتل وجندي، حسب “وكالة الانباء الايطالية ـ آكي”، نقلاً عن حزب الله ، والتي وفّرت اسناداً قتاليا مهما جدا لجيش النظام، الذي تقلص عديده لأقل من 70,000، ويحتاج جنودا للقتال على جبهات عديدة، لا توفرهم سوى ايران. كما إن روسيا تعتمد على الايرانيين، لأن عملياتها تقتصر على الجو، وتترك الأرض للايرانيين. وتقدر المصادر إجمالي قتلى الايرانيين في سوريا بـ3500 وأكثر من 5000 جريح. ولا يزال العدد في ازدياد، إذ بلغ في 2017 فقط، أكثر من الف قتيل بينهم ضباط برتبة جنرالات.
وكشفت دوائر عديدة أن ايران بدأت عام 2017، بناء 14 قاعدة دائمة برية وجوية وبحرية في سوريا، أهمها القواعد البرية في الكسوة جنوب دمشق، وبصرى في حوران، ومصياف في حماة، وقاعدة بحرية في طرطوس، وقاعدة تيفور الجوية قرب حمص. وتبني مصانع لانتاج الصواريخ الباليستية. ويعتقد أنها تساعد على انتاج السلاح الكيماوي واستعماله.
ولندرك حجم التورط الايراني في سوريا، يتعين القاء نظرة على حجم الأموال التي تنفقها ايران على حربها ضد الشعب السوري. مع أن الأمر محاط بكتمان شديد، فإن مركز فارس للدراسات الشرق أوسطية، يقول إن ايران تنفق 15 مليار دولار سنويا، فضلا عن 2 – 3 مليار تقدما الى الميلشيات اللبنانية والعراقية. بينما ترفع صحيفة “ساينس مونيتور” الاميركية التقديرات الى 35 مليار دولار سنويا .ً
ثانيا – ميليشيات غير ايرانية:
1-” حزب الله” لبنان، الذي كلفته طهران بالتدخل منذ 2012. فارتكب جرائم ابادة لا تختلف عن جرائم اسرائيل في فلسطين، سيما في بلدة القصير، التي أباد الحزب أهلها عام 2013، ومسحها عن الارض، وغير معالمها بما فيها المساجد، وحولها مستوطنة شيعية، استقدم سكانها من لبنان، وبنى قاعدة عسكرية لترسيخ الجسر البري الايراني بين طهران وبيروت. وكرر حزب الممانعة جرائمه في ريف دمشق وحماة وحمص وحلب ودير الزور ودرعا. ولم تبق مدينة إلا ودنسها، حسب أوامر الحرس الثوري. وكان حصار الزبداني ومضايا وقتل سكانهما جوعا وقصفا، ثم تهجيرهم آخر فصول إرهابه. وكذا دوره في الحرب على الغوطة، وقبلها في حلب وريف حماة، وحتى في دير الزور.
ويقدر عدد قواته في سوريا بـ10,000 تساوي 65 % من اجمالي قواته. ويقدر الخبراء عدد قتلاه بين 2000 – 3000 قتيل، و5000 جريح، الأمر الذي يشير الى حجم انخراطه في القتال. والجدير بالذكر أن حزب الله، تنظيم ارهابي محترف مدان دولياً، بممارسة الارهاب في العراق واليمن والكويت وأوروبا واميركا وشرق آسيا وافريقيا.
2 – جماعات الحشد العراقية. أمرتها ايران بالقتال في سوريا منذ 2012، دفاعا عن المراقد وآل البيت، فلبت عشرات الفصائل، وبلغ عديدها حوالي 40,000 – 50000، أبرزها حركة “النجباء، عصائب أهل الحق، أبو الفضل العباس، ذو الفقار، سيد الشهداء، سرايا خراساني وحزب الله”. وبلغ مجموعها 33 جماعة من العراق وحده، وكلها بإمرة الحرس الثوري.
وذكر موقع (رصيف 22)، أن الفصائل السابقة، شاركت بدور حاسم في مجازر حلب 2016 فضلا عن دمشق وريفها.
ثالثا – جندت ألوف المقاتلين من شيعة باكستان في لواء “زينبيون”.
رابعا – جندت ايضا الوف الافغان الشيعة في لواء (فاطميون)، وكثير منهم أطفال قاصرون جُنّدوا بالقوة والخداع من اللاجئين الافغان فيها.
جدير بالذكر أن ايران أعلنت عام 2016 بناء (الجيش الشيعي الحر) في سوريا من الزينبيين والفاطميين والحيدريين.
أبرز جرائم ايران في سوريا
شاركت ايران في جميع الأعمال العسكرية الاجرامية للنظام، منذ الأيام الاولى للثورة، ويروي الناشطون المدنيون أن غالبية القناصة الذين كان النظام يوزعهم على الأسطح لقتل المتظاهرين، كانوا ايرانيين، لأن النظام لا يثق بجنوده لتنفيذ هذه المهمة القذرة. ومنذ نهاية 2011 أمر الايرانيون حزب الله اللبناني والحشد العراقي بدخول المعركة، ثم تصاعد التورط والاجرام حتى بلغ أقصاه عام 2013. وأصبحت المواجهات في غالبية المناطق تعتمد على الميلشيات الايرانية، ولذلك فهي شريكة فعلية في كل المجازر، وجرائم القتل، وأعمال التدمير والتهجير والنهب.
إضافة للمشاركة العامة، هناك خمسة جرائم نوعية تحمل بصمات ايران، وتتحمل المسؤولية كاملة عنها :
أولا – استهداف المجتمع السوري والعمل على تفكيكه بنيويا. وما تزال تسعى الى تعميق الهوة بين الطوائف، ولعب دور الضامن والحامي للشيعة والعلويين والاسماعيليين، والتقرب من الدروز والمسيحيين، ولكنها فشلت في كسب ثقتهم هؤلاء، وحتى العلويين، أعربوا مؤخراً عن النفور من الايرانيين، رافضين وصايتهم وتدخلهم في شؤونهم، وصاروا يَحتمون بالروس منهم .
ثانيا – جريمة التغيير الديمغرافي، وهي أخطر جرائم ايران على الاطلاق، إذ ثابرت على سياسة التهجير الجماعي من بعض المناطق، وأكملتها بعمليات تبديل السكان لتضمن سيطرتها على المناطق الحساسة، وبخاصة ريف دمشق، والمناطق الواقعة بين دمشق وحدود لبنان، والقلمون الشرقي والغربي، وحمص. وعملت على نقل السكان السُنة من هذه المواقع الاستراتيجية الى شمال سوريا، وتجميع الشيعة من حلب وادلب لاسكانهم بدلا منهم، وتوطين مئات الآلاف من شيعة لبنان والعراق وافغانستان وباكستان، وتجنيسهم وتمليكهم عقارات وأموال السوريين. وهناك مدن وقرى سورية كثيرة، جرى تغيير هويتها الديموغرافية بالكامل، ولا سيما في الغوطة ووادي بردى كقرية السيدة زينب، التي لم يبق فيها سوري واحد، وصار كل سكانها من الفئات المذكورة. ولا يمكن فهم سبب إصرار ايران والنظام على تهجير سكان الغوطة، إلا إذا أدركنا أبعاد وأهداف المخطط الكبير الذي يركز على دمشق وريفها، بسبب أهميتها ورمزيتها التاريخية، وكونها قلب العروبة النابض، وإلحاقها بـ”سوريا المفيدة”، أي سوريا المصغرة التابعة للاسد، إذا فشلت محاولات اخضاع سوريا كاملة.
وايران لا تنكر مخططها، وتسميه “الهندسة الفسيفسائية، أو الديموغرافية”. وهو مستوحى من تجارب الحركة الصهيونية في فلسطين، وتجارب التطهير العرقي في البلقان والقوقاز والهند. وما يزال العمل في هذا المخطط جارياً على قدم وساق.
ثالثا – بعد استكمال مخطط التغيير الديموغرافي والتركيبة الطائفية للمجتمع السوري، تريد ايران وضع دستور يكرس التقسيم الطائفي كما فعلت في العراق، ولم تتردد في طرح هذه الرؤية خلال السنوات الثلاث الاخيرة، في كل مناسبة يطرح فيها مستقبل سوريا، والتصورات بشأن دستور جديد ودائم، فهي مصرّة، وبحجة حماية حقوق الاقليات، على وضع دستور يتعامل مع السوريين كفتات طائفي وفسيفسائي لا كشعب موحد .
رابعا – الجسر البري بين طهران وبيروت، وهو مشروع استراتيجي كبير لربط طهران بريا ببغداد ودمشق وبيروت، لتضمن حركتها ونقل السلاح والجنود من ايران، الى “الولايات” التابعة لسلطتها ونفوذها في لبنان وسوريا والعراق، وهذا المشروع هو الذي تؤكد ادارة ترامب إنها لن تسمح له بالقيام، وستضربه، لا سيما في المفاصل بين العراق وسوريا. إن خطورة هذا المشروع لا تكمن في تكريس وصاية ايران على ثلاث دول عربية والحاقها بها وحسب، فالاخطر أن تنفيذه يتطلب تغييرا ديموغرافيا واسعا على امتداد المسافة لتضمن ايران حمايته، وذلك يتطلب إحاطته بسكان شيعة، وهي تقوم في العراق مثلا في المناطق السنية التي يمر منها الجسر “الأنبار” بتهجيرهم واسكان شيعة محلهم، وهكذا أيضا في حمص السورية، وإذا لم يتوفر شيعة هنا، فيمكن استقدامهم من بلدان أخرى.
خامسا – تستغل ايران الأموال التي تقدمها للنظام كقروض ومشتريات سلاح وغير ذلك، لتطلب مقابلها رهن عقارات ثمينة في العاصمة ومراكز المحافظات والمدن، ومؤسسات سيادية، كالمتاحف والمزارات والمباني التاريخية ذات الرمزية الكبيرة.. إلخ. ويمكن القول إنها تتعامل مع الدولة السورية بمنطق المرابي، لا منطق الصديق والحليف على ما تشيعه .
سادسا – تحولت ايران الى دولة محتلة في سوريا، وأصبح الأسد العوبة في أيديها، تحركه كما تريد، وصار بمقدورها التحكم بمستقبل ومصير سوريا الدولة والشعب، وتغيير هويتهما، وهوية مكوناتهما، والتحكم بقرار السلم والحرب على أرضه، وتخطط ايران الآن لجعله ساحة لمواجهة اسرائيل، لتحمي أراضيها من ضربات وصواريخ إسرائيل. وتخفف عن لبنان عبء المواجهات المقبلة، خوفا من انتفاض الشعب اللبناني على حزب الله وايران .
مجمل هذه السياسات الوصائية والاستعمارية، تندرج في نطاق ما يسميه الأكاديمي اللبناني نبيل خليفة في كتابه المهم “استهداف أهل السُنة”، وهي سياسة متكاملة بدأت في العراق، حيث قتلت مليون عراقي، وهجرت مليونين، غالبيتهم الساحقة من المكوّن السّني ثم المسيحي، وكررته في سوريا بطريقة أكثر ارهابية، ثم طبقته في اليمن ولبنان .
سياسة تعكس الهياج والجموح المستمرين منذ 2003، من دون توقف، تحقيقا لمشاريعها التوسعية الطائفية، من الهلال الشيعي الى الإحياء الامبراطوري على حساب العرب، مستغلة حالة التفكك والهزال والتراخي التي تعتري الأمة العربية، وغياب التضامن القومي، لتخترق البلدان العربية واحدا بعد آخر. ومن الواضح، أنها تركز تركيزاً مضاعفاً واستثنائياً على سوريا والعراق ولبنان، لأسباب جيوـ سياسية وجيو ـ ستراتيجية .



