الانقلابات العسكرية السودانية.. الصراع بين فرعون وهامان

//خاص المدارنت//… منذ أن استولى المجلس العسكري على السلطة في السودان في أبريل الماضي، أعلن عن اكتشاف خمس محاولات إنقلاب عليه. ومثل هذه الأحداث في أي دولة فى العالم، عادة ما تثير الفضول والبحث والاستقصاء لدى المراقبين والمحللين السياسيين، لغرابتها وتواترها لغير سبب أو مبرّر وفي فترة وجيزة .
ولكنها مرّت من دون أن تلقى أي قدر من الاهتمام، حتى لدى عامة السودانيين، على الرغم من الترقب والمتابعة اللحظية واللصيقة لمجريات الأحداث السياسية في البلاد. ومرد ذلك، هو إنكشاف ما حاول أن يخفيه المجلس عن انتماءه السياسي، وعن الغرض من وراء انقلابه .
فقد تأكد من اليوم الأول للإنقلاب، أن اللجنة الأمنية المنوطة لها حماية والدفاع وتأمين وحراسة نظام البشير، هي التى قامت بالإنقلاب، وأن كل أعضاء اللجنة والذين أصبحوا قادة للإنقلاب تحت مُسمى (المجلس العسكري الانتقالي)، هم جميعاً أعضاء في الحركة المُسماة إسلامية، وهم أيضا ينتمون إلى “حزب المؤتمر الوطني” الحاكم، الذراع السياسي للحركة.
ولم تنطلِ الخدعة على أحد، بل أكدت السيناريو الذي كان متوقعاً بوقوع إنقلاب القصر، الذي بشّر به المخلوع عمر البشير، قبيل سقوطه بأيام فى مدينة عطبرة.
ولم يفلح إدعاؤهم الكاذب في الإنحياز الى الثورة، والإنتماء إلى أهدافها في الحرية والسلام والعدالة، أن تبدد الشكوك حولهم، وتزيل المخاوف من مراميهم الحقيقية، وأن تركُن الجماهير الثائرة إلى الإطمئنان إليهم. قد غلبتهم الحيلة، وخانتهم الشجاعة في إثبات ما يؤكد ويدعم إنحيازهم المزعوم، بل استنهضوا واستحضروا وأبرزوا كل ما يقدم دليلا عملياً دامغاً على الأرض، بعدائهم السافر للثورة والثوار.
وفي محاولة لذرّ الرماد في العيون، تمّ التحفظ على الطاغية عمر البشير وعدد يسير من مساعديه، وتركوا بقية أركان وكوادر النظام، العليا والوسطية والقاعدية طلقاء الوجه واليد واللسان، وأبقوا على مؤسساته العسكرية والأمنية والشرطية والعدلية والإقتصادية والإعلامية، وقوانينه المقيدة للحريات، وكانت ثالثة الأثافي، إعداد وتنفيذ فضّ إعتصام الثوار أمام مبنى القيادة العامة للقوات المسلحة، والذي اعترف به المتحدّث باسم المجلس العسكري في مؤتمر صحفي مشهود. والذي أدى إلى مجزرة شنيعة ليس لها مثيل فى تاريخ السودان المعاصر.
ومنذ ذلك الحين، ظلت كلّ أقوال وأفعال المجلس العسكري، تتّسم بالكذب والخداع والتضليل والمراوغة، ونقض العهود والمواثيق، والقفز فوق المراحل ثم التراجع عنها، مما أفقده المصداقية والثقة. ولم يكن هذا المسلك مستغرباً أو غريباً على نظام نشأ وتربّى وترعرع، وشبّ على التقية السياسية ومبدأ (الغاية تبرّر الوسيلة)، الذي أجاده وبرع فيه بمهارة فائقة يحسد عليها كبيرهم، الذي علّمهم السحر دكتور حسن الترابي .
والمجلس العسكري استطاع خلال فترة وجيزة، أن يكسب عداء كل الشعب، وأضحى في وضع لا يحسد عليه، وفشلت كل حيله ومحاولاته الحثيثة، في خلق حاضنة سياسية أو اجتماعية تسنده وتسانده .
وفي ظل هذا الخواء السياسي والمجتمعي، دخلت الحركة المُسماة إسلامية، والمتخفية والمخفية خلفه في معضلة وأزمة حقيقية، وبدأت في تحركات وتواصل بين أعضائها ومكوّناتها السياسية والمدنية والعسكرية، لمعالجة وتدارك التصدع والإرتباك الضارب بقوة في أطنابها، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
وفي هذا السياق، تقرأ محاولات الإنقلابات المتكررة، صادقة كانت هي أم كاذبة، نتقبلها هكذا كما تردنا من تنظيم يجيد المناورة والتضليل.
وتجدر الإشارة هنا، الى أنه وعلى الرغم من تكرار الزعم بتلك المحاولات الإنقلابية، إلّا أن المجلس لم يقدّم أسماء المشتركين أو صورهم للعيان، عدا المحاولة الخامسة الأخيرة، والتي أعلن أن على رأسها رئيس هيئة الأركان وبعض أعضاء النظام السابق. مما يثير الشكوك والظنون حول صِحة تلك الإدعاءات.
وإذا أفترضنا صدقها، فهي تحسب في خانة الصراع الداخلي بين الأجنحة المتناحرة والمتنافسة، في الحركة المُسماة إسلامية، وهذه الصراعات كانت تبرز على السطح حيناً، وتختفي في أغلب الأحيان، وكان طابعها في العموم قبلي وجهوي. لا يمكن قراءتها وتحميلها أكثر من ذلك.
وقد يكون المشهد والواقع السياسي الجديد قد أجبرها مضطرة، وجعلها تسلك طرقاً ملتوية ووعرة للحاق بالمتغيرات، التي فرضها الحراك الشعبي الثوري، والمطالب بالتغيير الجذري على هدى الديموقراطية الليبرالية، وظهور قوات الجنجويد بتلك القوة والإندفاع، مما جعل الوضع أكثر تعقيداً، والبلاد في مفترق طرق وتسير نحو المجهول.
هذا الصراع الداخلي يسعى إلى تمليك زمام المبادرة، وتسليمها إلى أيادي أكثر عنفاً ودموية، قادرة على ترتيب الأوراق ولم الصفوف، بعضهم يتمتّع بقدر من المرونة والرؤية الفكرية، قادرة على تدوير النظام السابق، وإعادة إنتاجه وتسويقه بطريقة مختلفة عن سابقتها، وإلباسه ثوباً خادعاً مطرزاً بشعارات الحرية والديموقراطية، كما كان يبغي الدكتور حسن الترابي في أيامه الأخيرة، في ما أسماه “النظام الخالف”.
وهناك افتراض يظل قائماً على الرغم من ضعفه، وهو قد يكون الهدف من تكرار إعلان محاولات الإنقلابات المتكررة الفاشلة، هو إظهار قوّة المجلس العسكري، والتحذير من أي محاولة حقيقة قادمة للإطاحة به، وإنه قادر على صدّها. وقد يكون أيضاً من ضمن الأهداف، إعادة الاعتبار للمجلس وإظهاره داعماً للثورة، وواقفاً بحسم ضدّ محاولات تنظيم الحركة الإسلامية، في العودة مرّة أخرى الى الحكم.
ومهما يكن، فإن الأيام القادمة حبلى بما هو جديد، ومثير في السودان.
*ناشط سياسي



