“البَبَّغائِيَّة”.. رواية السيرة المهنية!

خاص “المدارنت”
لا أذكر على وجه التحديد متى سمعتُ باسم الأديبة الإماراتية، د. مريم الشناصي، أولَ مرة، لكن من المؤكد أن ذلك كان منذ سنتين أو ثلاث. تردد اسمها في البداية كفارسة ومثقفة وإدارية وصاحبة دار نشر، وبدأ يلمع في الأوساط الإعلامية والثقافية مع كل نجاحٍ تحققه، ثم أخذت الأخبار تصلني بعد ذلك عن رواية (الببغائية) التي أصدرتها في أواخر سنة 2025.
لم أتمكن في البداية من الحصول على نسخة ورقية من الرواية، لكنني تابعت أكثر ما كُتب عنها، وما قيل في عرضها وتقديمها، وسوف أعتمد على بعضِه هنا. لكنني لا أكتمكم سرًّا أن أفضل ما تابعته من كل ذلك هو حديث المؤلفة نفسها عن روايتها. ليس لأنها صاحبتها فحسب، وأهلُ مكة أدرَى بشِعابها، لكن لأن ما قالته ينبئُ عن وعي نقدي راقٍ بما صنعته فيها وأحدثَته بها.
وكان من بين ما ذكرَته في أحَدِ اللقاءات التليفزيونية أن رواية (الببغائية) تعتبَر من الأنواع الأدبية الجديدة؛ فالرواية عادةً تكون اجتماعية أو رومانسية أو واقعية أو بوليسية أو تاريخية، لكن أن تأتي الرواية في قالب إداري، في سردية مهنية، فإن هذا يعتبر نمطًا جديدًا؛ حيث تخلو الرواية من الجانب الاجتماعي، وتدور أحداثها في أروقة المكاتب، حول بطلة اسمها (ندى)، قدمت جهدًا كبيرًا في المؤسسة التي تعمل بها، واستطاعت أن تحولها من مؤسسة مهترئة خاسرة إلى مؤسسة ناجحة ورابحة، حققت على يديها مائة مليون دولار. والرواية في مجملها تجيب عن سؤال مهم: كيف استطاعت (ندى)، وهي امرأة، أن تصنع هذا كلَّه في زمنٍ قياسي؟ وهل نستطيع نحن أن ننتهج طريقتها وننصل إلى ما وصلت إليه؟
إن كتب الإدارة العلمية تقدم لنا طرائق لإدارة المؤسسات، لكنها تفعل ذلك في صورة أكاديمة جافة، يأتي أغلبها بصيغة الأمر والنهي: (افعل ولا تفعل)، أمَّا أن يأتي ذلك في قالب فني سردي، فهذا هو المختلف. وفي العالم كله، لا تكون الروايات عادةً في شكل سردية مهنية، فيها كثير من المصطلحات الإدارية، وبخاصة فيما يتعلق بالموارد البشرية، كالموظفين الذين يتمارضون ليحصلوا على إجازات، تؤثر سلبًا علي العمل المؤسسي ونجاحه، فكيف للمدير أن يكتشف هذه الحالات ويعرِّي أصحابها؟
وفي ناحية أخرى هناك ظاهرة (الببغائية)، وهي تختلف كثيرًا عن (البغبغائية)، فقد تعني الثانية أولئك الصنف من الناس الذين يثرثرون كثيرًا، ويهرفون بما لا يعرفون، أمَّا الأولى فهي تركز على هؤلاء الذين يرددون الشائعات والاتهامات والأحكام الجاهزة، ويكررون الأفكار دون فهمٍ أو تمحيص، وينساقون وراء الجماعة الحاقدة التي تحارب المبدعين والمتميزين في تبعية عمياء.
وقد قصدت الدكتورة مريم قصدًا إلى نحت هذا المصطلح لتصف مرضًا إداريًّا وأخلاقيًّا معاصرًا؛ فـ(الببغائي) ليس من يكرر الكلامَ فحسب، ولكنه من يفقد القدرة على التفكير النقدي، ويصبح صدى أجوف لأصوات الآخرين، أو أداةً لنقل الشائعات والافتراءات دون تحقُّقٍ أو مسئولية.
لم أكتفِ بكلام الدكتورة مريم عن روايتها، ولم أهدأ حتى حصلت على نسخة من روايتها، اكتشفت بعد قراءتها أن المؤلفة كانت متواضعةً جدًّا وهي تتحدث عنها، وأنها لم تشأ أن تصف روايتها بما يمكن أن يظنه البعض غرورًا أو ادِّعاءً. وكان عليَّ أن أعيدَ قراءتها مرة ثانيةً وثالثةً لأقولَ فيها برأي.
الرواية في الإمارات
لم تظهر رواية (الببغائية) في فراغٍ أدبي أو اجتماعي، وإنما كانت حلقة مُهِمَّةً في سلسلة الإبداع الروائي الإماراتي وفصلًا جديدًا من فصول تاريخه، وشاهدًا بارزًا على إبداع المرأة وتميز عطائها. ومن هنا كان الكلام عن فن الرواية في الإمارات تمهيدًا نقديًّا واجبًا، لقراءتها وتمييز موقعها.
يُعَدُّ فنُّ الرواية في الإمارات من الفنون الأدبية الحديثة نسبيًّا إذا ما قورن بالشعر أو القصة القصيرة، غير أن حداثة النشأة لم تمنعه من تحقيق تطور لافت خلال عقود قليلة، حتى غدت الرواية الإماراتية اليوم أحد أبرز مكونات المشهد الثقافي الخليجي والعربي. وقد ارتبط نموها بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي شهدتها الدولة منذ قيام الاتحاد، فكانت الرواية مرآةً للمجتمع، وسجلًّا لتحولاته، وفضاءً للتعبير عن أسئلته وهموم.
ويذهب أكثر النقاد إلى أن البدايات الحقيقية للرواية الإماراتية تعودُ إلى مطلع السبعينيات، حين صدرت رواية (شاهندة) للروائي راشد عبد الله عام 1971 تقريبًا، وهي الرواية التي يُنظر إليها بوصفها نقطة الانطلاق الفعلية لهذا الفن في الإمارات. وقد انشغلت الروايات الأولى بقضايا المجتمع المحلي، فصوّرت حياة البحر والصحراء، وعلاقات السلطة التقليدية، ومظاهر الفقر قبل الطفرة النفطية، كما رصدت التحولات التي بدأت تعصف بالبنية الاجتماعية القديمة.
وخلال الثمانينيات والتسعينيات اتسعت التجربة الروائية واتجهت نحو مزيد من النضج الفني. فلم تعد الرواية مجرد تسجيل للواقع، بل أصبحت أكثر قدرة على استكشاف النفس الإنسانية، وتحليل العلاقات الاجتماعية، واستحضار التاريخ والذاكرة المحلية. كما شهدت هذه المرحلة تنوعًا في الأساليب السردية، وظهور أصوات روائية متعددة عالجت قضايا الهوية والاغتراب والتغير الحضاري السريع الذي عرفته الإمارات.
أما منذ مطلع الألفية الجديدة فقد دخلت الرواية الإماراتية مرحلة أكثر رحابة وتجريبًا، فاستفادت من تقنيات السرد الحديثة، وتداخلت فيها الأجناس الأدبية، وظهرت روايات تستثمر التاريخ والأسطورة والخيال والفانتازيا والبعد الفلسفي. كما انفتحت على قضايا إنسانية أوسع تتجاوز الحدود المحلية، مما منحها حضورًا عربيًّا متزايدًا، وأسهم في ترجمة بعض الأعمال إلى لغات أجنبية
الرواية “النسائية” الإماراتية
ويُعدُّ صعود الرواية النسائية من أبرز الظواهر في تاريخ السرد الإماراتي. فبينما كانت البداية الروائية إماراتيًّا على يد الرجال، تأخر ظهور الرواية النسائية حتى أوائل التسعينيات، حين صدرت رواية شجن بنت القدر الحزين للكاتبة حصة الكعبي، لتفتح الباب أمام جيل من الروائيات اللاتي أثرين المشهد السردي الإماراتي.
وقد تميزت الرواية النسائية الإماراتية بأنها لم تنشغل بقضايا المرأة وحدها، بل جعلت المرأة نافذةً لرؤية المجتمع بأسره. فناقشت إشكاليات التعليم والعمل والزواج والهوية، كما تناولت الصراع بين التقاليد ومتطلبات الحداثة، وعالجت قضايا الحرية الفردية والتحولات النفسية والاجتماعية التي عاشتها المرأة الخليجية في العقود الأخيرة.
ومن أبرز الأسماء النسائية التي أسهمت في ترسيخ هذا الاتجاه: سارة الجروان، وميسون صقر، وأسماء الزرعوني، وصالحة غابش، وأمنيات سالم، وغيرهن من الكاتبات اللاتي وسَّعن آفاق الرواية الإماراتية موضوعًا وبناءً ولغةً.
وإذا كانت الرواية الإماراتية قد بدأت بوصفها محاولة لتسجيل التحولات الاجتماعية الكبرى، فإن الرواية النسائية أضافت إليها بُعدًا إنسانيًّا أكثر عمقًا، إذ نقلت تفاصيل الحياة اليومية، وأصوات النساء المهمَّشات، وأحلام الفرد في مواجهة التغيرات المتسارعة. ولذلك لم تعد الرواية النسائية فرعًا هامشيًّا من السرد الإماراتي، بل أصبحت أحد روافده الأساسية وأكثرها حيوية وتأثيرًا.
وهكذا يمكن القول إن الرواية الإماراتية قطعت خلال نصف قرن رحلةً سريعة من البدايات التأسيسية إلى مرحلة النضج والتنوع، وأسهمت الرواية النسائية إسهامًا بارزًا في هذا التطور، حتى غدت التجربة الروائية الإماراتية اليوم جزءًا أصيلًا من خريطة الرواية العربية المعاصرة، بما تحمله من خصوصية المكان الخليجي، ومن انفتاح على الأسئلة الإنسانية الكبرى.
وفي هذا الزخم الإبداعي المتنوع، ظهرت رواية (الببغائية)، نمطًا مختلفًا من الفن الروائي وسردًا مغايرًا في شكله ومضمونه، يصك مصطلحًا جديدًا، ويفتح للرواية العربية آفاقًا واسعةً من القضايا والأفكار، يتجاوز ما هو تقليدي وسائد ومألوف، دون أن يتمرد عليه، ويقتحم ما هو جديدٌ ومستقبلي وواعد، دون أن ينبهر به أو يذوب فيه. ويجمع في ذكاء واع بين (الاصالة والمعاصرة)، وإن كان إلى الثانية أقرب وبها أنسب. ولنبدأ بتلخيصِها:

ملخص الرواية
تدور رواية (الببغائية) في فضاءٍ يبدو مألوفًا للوهلة الأولى؛ عالم الوظيفة والعمل الإداري، غير أن الكاتبة تنفذ من خلاله إلى عالم أوسع وأكثر تعقيدًا، عالم النفوس البشرية حين تتنازعها الغيرة والطموح والخوف من تفوق الآخرين. فالرواية ليست مجرد حكاية عن مؤسسة أو مجموعة موظفين، وإنما هي دراسة إنسانية عميقة لآليات الإقصاء والتهميش التي قد تُمارَس ضد الإنسان الناجح حين يصبح حضوره مصدر قلق لمن حوله.
تتمحور الأحداث حول شخصية «ندى»، المرأة الطموح التي تؤمن بقيمة العمل والإبداع، وتسعى إلى إثبات ذاتها بالاجتهاد والكفاءة لا بالمجاملات أو التحالفات الخفية. تدخل ندى بيئة مهنية تتصور في البداية أنها قائمة على العدالة وتقدير الجهد، لكنها تكتشف تدريجيًا أن الواقع أكثر تعقيدًا مما ظنت. فخلف المكاتب المرتبة والاجتماعات الرسمية تدور صراعات خفية، وتُحاك شبكات من المصالح الشخصية والحسابات الضيقة.
ومن هنا يبدأ ظهور ما تسميه الكاتبةُ «الببغائية»، وهو المصطلح الرمزي الذي اختارته عنوانًا للرواية. فالببغائية ليست شخصًا بعينه، بل ظاهرة جماعية تتجسد في أولئك الذين يرددون الأقوال دون تمحيص، وينقلون الشائعات دون تحقق، ويعيدون إنتاج الأحكام المسبقة حتى تبدو حقائق لا تقبل النقاش. وهؤلاء لا يملكون رأيًا مستقلًا بقدر ما يتحولون إلى أصداء لأصوات الآخرين، فيساهمون في صناعة مناخ من الظلم وسوء الفهم.
تتعرض (ندى) لحملات متتابعة من التشويه المعنوي، تبدأ همسات خافتة ثم تتحول إلى أحاديث متداولة في أروقة المؤسسة. تتضخم الأخطاء الصغيرة، وتُفسَّر التصرفات الحسنة على نحو سيئ، وتصبح الكفاءة نفسها سببًا للاتهام والحسد. وتكشف الرواية كيف تستطيع الشائعة أن تكتسب قوة هائلة حين تتكرر على ألسنة كثيرة، حتى لو كانت تفتقر إلى أي دليل.
ولا تقف الرواية عند حدود نقد بيئة العمل، بل تتجاوز ذلك إلى التأمل في طبيعة الإنسان المعاصر وعلاقته بالحقيقة. فالكاتبة تطرح سؤالًا جوهريًا: لماذا يميل بعض الناس إلى تكرار ما يسمعون بدلًا من التفكير فيه؟ وكيف تتحول الجماعة أحيانًا إلى قوة ضاغطة تدفع الأفراد إلى التخلي عن أحكامهم الخاصة والانضمام إلى الرأي السائد؟
وتتابع الأحداث مسار ندى وهي تحاول الدفاع عن ذاتها وكرامتها وسط هذا المناخ الخانق. فتتعلم أن النجاح لا يكفي وحده لحماية صاحبه، وأن النزاهة قد تكلّف الإنسان كثيرًا حين يصطدم بمصالح الآخرين. ومع ذلك لا تستسلم، بل تواصل مقاومتها في مواجهة محاولات الإقصاء والتشويه، محافظة على إيمانها بقيمة الصدق والعمل الجاد.
وتبرز الرواية كذلك قضايا المرأة في بيئة العمل، وما قد تواجهه من تحديات تتجاوز مجرد الأداء الوظيفي إلى النظرات الاجتماعية والأحكام المسبقة والصراعات الخفية. غير أن الكاتبة لا تقدم بطلتها بوصفها ضحية عاجزة، بل شخصية واعية تمتلك القدرة على المواجهة والصمود.
وفي النهاية تبدو «الببغائية» رواية عن الحرية الفكرية قبل أن تكون رواية عن الوظيفة والإدارة؛ إنها دعوة إلى التحرر من التبعية العمياء، وإلى امتلاك الشجاعة التي تمكّن الإنسان من التفكير بنفسه بدل أن يكون مجرد صدى لأصوات الآخرين. ومن خلال أسلوب سردي سلس ولغة تميل إلى الوضوح والواقعية، ترسم مريم الشناصي صورة دقيقة لعالم تتداخل فيه الحقيقة بالشائعة، والنجاح بالحسد، والفرد بالجماعة، لتؤكد أن أخطر ما يواجه الإنسان ليس خصومه المعلنين، بل أولئك الذين يرددون ما يسمعون دون أن يسألوا: هل هو حق أم باطل؟
أضواءٌ على الرواية
منذ عنوانها اللافت:(الببغائية)، تضعنا الرواية أمام رمز دالٍّ ومثير. فالببغاء في الوعي الإنساني ليس مجرد طائر يقلد الأصوات، بل هو صورة للكائن الذي يردد ما يسمعه دون أن يشارك في إنتاج المعنى. واللفظان «الببغائية» و«البغبغائية» يُستعملان أحيانًا للدلالة على الشيء المنسوب إلى الببغاء، لكن الأشهر والأفصح في الاستعمال المعاصر هو: الببغائية: نسبة إلى الببغاء، وهو الطائر المعروف. فيقال: لغة ببغائية أو ترديد ببغائي؛ أي تكرار الكلام دون فهم أو إبداع.
أمَّا البغبغائية: فهي صيغة أقل شيوعًا، نشأت من اختلاف في ضبط اسم الطائر نفسه؛ إذ ورد في بعض المعاجم بصور متعددة مثل ببغاء وبغبغان، ومن هنا جاءت نسبة بغبغائي. وفي الاستعمال الأدبي والنقدي الحديث، إذا أردت وصف التقليد الأعمى أو الترديد الآلي للكلام، فالأفضل أن تقول: “التقليد الببغائي” أو “اللغة الببغائية”. أما عنوان رواية الدكتورة مريم الشناصي فقد اختارت فيه الصيغة الشائعة «الببغائية»، وهي الأكثر تداولًا لدى القراء والكتّاب.
ولهذا اختارت الكاتبة هذا الرمز لتدين ثقافة التقليد والانسياق والتكرار التي قد تتحول داخل المؤسسات إلى قوة مدمرة تعيق الإبداع وتحاصر أصحاب الرؤى الجديدة. وقد نجحت الرواية في تحويل هذا الرمز إلى محور دلالي تتفرع منه الأحداث والشخصيات والمواقف.
تقول الدكتورة (رشا غانم): «إن مصطلح (الببغائية) يُستخدم لوصف السلوك الوظيفي أو الثقافة القائمة على التكرار دون فهم، ما يُعرف بـ»البيروقراطية العمياء»، أو ترديد الأفكار، دون وعي بمضامينها، واستخدم المصطلح في الرواية كرمز محوري لإدانة التبعية، والزيف الاجتماعي. وتحدثت رشا غانم بالتفاصيل عن تقنيات السرد الناجحة في الرواية ما أعطاها إيقاعا يتناسب مع القلق النفسي الذي تعيشه الشخصيات.
وتذهب الدكتورة (لمياء شمت) إلى أن رواية الببغائية هي رواية مهنية بالكامل، حيث تدور في وسط إداري داخل مؤسسة تجارية، ولا تتطرق إلى الحياة الاجتماعية للشخصيات خارج إطار العمل، ومما يحسب للكاتبة مريم الشناصي في هذه الرواية أنها نحتت مصطلح «الببغائية» للدلالة على نوع من الممارسة السلوكية داخل المؤسسة.
ومن أبرز ما يلفت النظر في الرواية أنها لا تعتمد على الصراع الخارجي وحده، بل تشتغل على القلق النفسي الذي يرافق الشخصيات. فالمعركة الحقيقية ليست بين أفراد فحسب، وإنما بين قيم متناقضة: بين الصدق والزيف، وبين الجرأة والخوف، وبين روح المبادرة وروح القطيع. ومن هنا يكتسب السرد بعدًا إنسانيًّا يتجاوز حدود البيئة الإدارية الضيقة ليصبح حديثًا عن الإنسان حين يُحاصَر بالتهميش أو يُستنزف في مواجهة منظومات مغلقة لا تؤمن بالتغيير.
كما تكشف الرواية عن حس نقدي واضح تجاه البيروقراطية العمياء، تلك التي تجعل اللوائح غاية في ذاتها لا وسيلة لخدمة العمل. فالكاتبة لا تهاجم النظام الإداري من حيث المبدأ، بل تنتقد تحوّله إلى أداة لقتل المبادرات الفردية، حين يصبح الموظف مطالبًا بالطاعة أكثر من التفكير، وبالتكرار أكثر من الابتكار. وهنا تبدو «الببغائية» استعارة واسعة تتجاوز الأشخاص إلى أنماط التفكير نفسها.
ومن الجانب الفني، اعتمدت الرواية لغة مباشرة في مواضع كثيرة، تتناسب مع طبيعة العالم الذي تصوره، لكنها لم تخلُ من الإيحاء الرمزي الذي منح النص عمقًا إضافيًّا. كما أن تركيزها على فضاء العمل وحده تقريبًا أكسبها خصوصية لافتة، إذ نادرًا ما تتجه الرواية العربية إلى جعل المؤسسة الإدارية مركزًا للأحداث، بينما اختارت مريم الشناصي هذا العالم لتكشف ما يختبئ خلف المكاتب والاجتماعات والتقارير من مشاعر وصراعات وخيبات.
وفي المحصلة، تبدو رواية الببغائية عملًا يسائل الواقع الإداري والاجتماعي من خلال قصة امرأة تواجه منظومة لا تعادي الفشل بقدر ما تعادي النجاح المختلف. وهي رواية تطرح سؤالًا بالغ الأهمية: كيف يمكن للمؤسسات أن تتطور إذا تحولت الأصوات الحرة إلى ضحايا، وأصبحت «الببغائية» هي اللغة السائدة؟ ومن هنا تكتسب الرواية قيمتها الفكرية والإنسانية، لأنها لا تكتفي بسرد حكاية فرد، بل تكشف أزمة ثقافة كاملة تخشى التفكير المستقل وتفضّل الصدى على الصوت، والتقليد على الإبداع.
كلمة أخيرة
أمَّا ما أريد أن أؤكده وأنبه عليه، فهو أن الرواية تذكرني بما صنعه القدماء من (نظم العلوم)؛ حين رأوا أن أكثر الناشئين لا يستوعبون غرائب لغتها ودقائق مصطلحاتها، فقدموها في قالب موزون مقفَّى ليسهل فهمها وتتضح غوامضها. ولكنها تجاوزت ذلك حين قدمت (تجربتها في علم الإدارة) في قالب سردي شائق، ولغة فنية رشيقةٍ، وجمل سريعة ومتلاحقة، لا يشعر معها القارئ بملل ولا رهق، ويذرع صفحاتها التي تجاوزت الثلاثمائة في متعة خالصة وفائدة أكيدة.
ولا أدري لماذا تصر الدكتور مريم الشناصي على أن تحصر روايتها في القالب الإداري المهني، وتؤكد على أنها تخلو من البعد الاجتماعي؟ ولا أدري أيضًا لماذا تابعها في ذلك أكثر الذين عرضوا للرواية أو تناولوها بالننقد ووالتحليل؟ صحيح أن الرواية تدور بين أروقة المكاتب كما ذكرنا، وصحيح أن كل فصولها تتضمن قواعد وأصولًا لفن إدارة المؤسسات لتحقق المأمول منها، تميزًا وربحًا، لكنها في النهاية تتوجه بذلك كله إلى بشر، ومن خلال بشر، وفيها من دراسة طبائعهم ودخائلهم ما يوحي بتمكن فريدٍ من علم النفس، وهو ما يجعل منها رواية (إنسانية) بقدر ما هي (إدارية)، و(فنية) بقدر ما هي (علمية)!



