مقالات

التضخم في إيران يعمّق صراعات السلطة ويهدد بانفجار داخلي!

د. سامي خاطر/ فلسطين

خاص “المدارنت”

الاقتصاد كساحة للمعركة السياسية
لم يعد الاقتصاد الإيراني مجرد ملف تقني خاضع لسياسات البنك المركزي، بل تحول إلى الوقود المحرك للصراعات السياسية في أروقة النظام. إن الارتباط الوثيق بين العقوبات الدولية، والتضخم الجامح، وتراجع قيمة العملة الوطنية، وبين استمرار أجنحة النظام في التناحر حول “المفاوضات”، يكشف النقاب عن ترابط عضوي بين الانهيار الاقتصادي والانسداد الاستراتيجي. لم يعد السؤال المطروح داخل طهران هو كيفية إصلاح الاقتصاد، بل أي جناح سيعاني من “التبعات الاجتماعية” المترتبة على استمرار حالة الإنكار الاقتصادي.

تآكل الشرعية في ظل “التضخم الهيكلي”
تُشير التقارير الاقتصادية المستقلة إلى أن التضخم في إيران تجاوز المستويات التي يمكن للنظام امتصاص آثارها عبر الدعاية السياسية أو الوعود بالصمود. إن فقدان القوة الشرائية للطبقات المتوسطة والفقيرة ليس مجرد تحدٍ اقتصادي، بل هو تهديد أمني يدركه “المتشددون” و”البراغماتيون” على حد سواء. في مقالات تحليليلة سابقة لمراكز رصد دولية، وُصف المشهد الاقتصادي الإيراني بأنه يمر بحالة من “الاستنزاف المزمن”؛ حيث تلتهم النفقات العسكرية والتمويل الخارجي للأذرع الإقليمية ميزانية الدولة، مما يترك الداخل في حالة من العجز المزمن عن توفير الحد الأدنى من الخدمات الأساسية.

الانقسام حول “المفاوضات” كبوابة للحل المالي
يكمن جوهر الخلاف بين أجنحة السلطة حول التفاوض مع واشنطن في تضارب الرؤى الاقتصادية:
– تيار المرونة:  يرى أن الوصول إلى اتفاق – حتى لو كان مؤقتاً – يمثل “طوق نجاة” للإفراج عن الأصول المجمدة، مما يمنح النظام مساحة للتنفس عبر تخفيض الضغط على العملة الصعبة وتوفير السيولة اللازمة لاستيراد السلع الحيوية.
– تيار التصلب:  يرى في أي انفتاح اقتصادي مشروط بالتفاوض “انتحاراً سياسياً”؛ إذ يعتقد هذا التيار أن ربط الاقتصاد بالتفاهمات مع الخارج يعني فقدان السيادة على القرار الوطني، ويرى أن البديل يجب أن يكون عبر “اقتصاد المقاومة” والاعتماد على الشركاء الدوليين (مثل الصين وروسيا) كبديل للهيمنة الدولارية، وهو رهان يصفه خبراء الاقتصاد الدوليون بأنه غير كافٍ لسد الفجوة التمويلية العميقة.

علاقة طردية بين الانقسام وتراجع الاستثمار
إن عدم الاستقرار في صنع القرار، وتضارب التصريحات بين المسؤولين الحكوميين والبرلمانيين، أدى إلى بيئة استثمارية طاردة. الشركات والمستثمرون في الداخل، فضلاً عن القوى الإقليمية التي كانت تسعى للدخول إلى السوق الإيرانية، باتوا يتبنون نهج “الانتظار والترقب”. هذا التردد في اتخاذ قرار استراتيجي حاسم (سواء بالمواجهة الشاملة أو التسوية) أدى إلى تجميد دورة رأس المال، مما فاقم من وتيرة انكماش الإنتاج الصناعي وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب.

مأزق البقاء.. الاقتصاد كأداة ضغط ضد النظام
إن النظام الإيراني يجد نفسه محاصراً في “مفارقة اقتصادية”: فالتنازلات الاقتصادية التي قد تنتج عن مفاوضات مباشرة مع واشنطن قد تحمي النظام من الانهيار الفوري، لكنها — في الوقت نفسه — تفتح الباب أمام انفتاح اجتماعي وثقافي تخشى النخب الأيديولوجية أن يؤدي إلى تغيير ديموغرافي وسياسي لا يمكن السيطرة عليه. من هذا المنطلق، فإن “الأزمة الاقتصادية” لا تُعالج في طهران كملف تقني، بل كملف أمني سيادي.

الخلاصة.. هل يُعجل الاقتصاد بنهاية الصراع؟
يؤكد المحللون أن استمرار الصراع بين أجنحة السلطة حول مسارات التفاوض لا يمكن فصله عن التدهور المعيشي. إن تآكل القيمة الشرائية للمواطن الإيراني لم يعد مجرد قضية اجتماعية، بل أصبح المتغير المستقل الذي قد يفرض على أجنحة النظام التوصل إلى “تفاهم قسري”. إن عجز الأجنحة المتصارعة عن تقديم رؤية اقتصادية متماسكة يعزز من التوقعات بأن المرحلة المقبلة ستشهد تصاعداً في الاحتجاجات الاجتماعية التي — على عكس التوقعات السياسية — لا تفرق بين “معتدل” و”متشدد”، بل تستهدف النظام ككل.

في المحصلة، لقد تحول الاقتصاد إلى “صاعق تفجير” داخلي يفوق في خطورته التهديدات الخارجية؛ فبينما يتبادل قادة النظام الاتهامات بالخيانة أو الضعف، تواصل الأرقام الاقتصادية تآكلها، مما يجعل من “الحوار مع واشنطن” ضرورة بقاء للنظام، بينما يظل في الوقت نفسه “أداة تفكيك” لأيديولوجيته، وهو المأزق الذي لن يجد النظام له حلاً إلا عبر المزيد من التآكل الداخلي.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى