الثورات الجميلة.. بشعة!

خاص “المدارنت”..
يكثر اللغط والتوصيف وتكثر النعوت على ثورة الشعب اللبناني وكلُ الثورات وتتوحّد الفكرة في وصفها بالجميلة. ويأتي هذا التوصيف من سلميّتها ومن أشكال التعبير الفلكلوريّة والفنيّة التي ترافقها. ولربّما كان هذا النعت بسبب ضيق اللغة أو بسبب تهافت جهابذة الإعلام اللامسؤول على تغطيتها، أو ربّما نتيجةَ شيءٍ ما يَشي بالتسرّع عندنا جميعاً.
أيعقلُ أصلاً أن تَكونَ الثورات جميلة ؟!
بالطبع لا .. فالثورة تأتي بطبيعة الحال نتيجةً لتراكم الفشل، تراكم الخيبات، تراكم التقاعس والإنكفاء، تراكم الخمول واللامبالاة، تراكم اللامسؤوليّة، تراكم الخنوع، تراكم القهر والجوع والذلّ والعوز. وبهذا لا يمكن للثورة ان تكون إلّا بشعة.
والثورة هي بطبيعتها ونتائجها طلاقٌ قسريّ، يفرضه الأبناء والبنات على أمّهاتهم وآبائهم بعد فشل تجارب العيشِ بوئام تحت سقفٍ واحدٍ وبعد فقدان الأمل بالتوافق والصلاح والإصلاح. وإيجاد الحلول. فالثورة تعني الفراق، وتعني الفشل. فشل الجميع في بناء القاسم المشترك، والمصلحة المشتركة والشراكة، فشل بناء الدولة، فشل الوطن حُكّاماً ومحكومين، فشل الديمقراطية والمواطنة، فشل الإختيار وفشل التجربة. والفشل طبعاً ليس جميلاً.

والثورة تعني التعب، السهر، العبث، الفوضى، القمع، البطش، الإعتقال، التنكيل، التعذيب، السجون، القتل، الدماء. الثورة تعني إنسداد الأفق، تعني اليأس من التدرّج والتطوّر الطبيعيين، تعني نفاذ الصبر وتراكم القلق والقرف والخوف وصولاً إلى مرحلة اللاخوف.. وإلى العبث. فكيف يكون العبث جميلا؟!
الثورة جميلة؟! ربّما هي كذلك بمشهديّتها من ترف المسافات وتراكم الصور، من متابعة أخبارها ومواكبة أفكارها من وراء الشاشات. ورُبّما تكون الثورة جميلة أيضاً في إنكارها، وفي التنكّر للوجع والجوع والبطالة وضيق العيش فيها، وفي التنكّر لأسبابها ودوافعها. فالثورةَ الحقيقية هي المرآة البشعة لواقع البؤس واليأس عند صانعيها، ورائديها، وأصحابها الحقيقيين وحتّى عند زائريها الموسميّين وسوّاحها.
ربّما الجميلُ الوحيد في الثورة هو ذلك الأمل الموعودُ بنجاحها وإستمراريتها وإكمال طريقها إلى وجع المخاض العسير الذي سيبشّرَنا بولادةٍ جديدة.
ولكن إلى أن ندرك وجعَ المخاض والخلاص الجميل علينا أن نعترف بأن الثورة بشعة، وعلينا أن نعترف أولاً ببشاعتها، وأن نثقَ ببشاعتها، وأن نتحدّث عن بشاعتها، ونحلّلها لنفهم أسبابها.. بهدف عدم تكرارها.
فيا أيّها المتغنّون المفتونون بجمال الثورة.. الثورة ليست فيلماً سينيمائياً ولا عرضاً مسرحيّاً. الثورة هي حلم الخروج من الأوهام، الثورة هي الدواء العلقم المرّ لأمراضنا، الثورة هي مبضع الجرّاح لإستئصال ورمنا، الثورة هي ملح جراحنا وخيوط تقطيبها وصولاً إلى وجع المخاض والولادة .. فلا ترهقوها بحبّ السلام وحسن الأخلاق ولا بأناقةِ القولِ والفعلِ والتصرّف ولا بالموضة ورهفة الأهواء وترف التنظير. وتقبّلوا يا سادتي وبكل وضوح بأنّ الثورات الحقيقية بشعة، وتخلّي الثورة عن بشاعتها سيجعلها مزيّفةَ الوجه والوجهة والأسباب والأهداف.




