مقالات

الجامعة العربية.. جامعة أم مُفرّقة

د. علي ابراهيم/ السودان

خاص “المدارنت”..

أعرب السيد أحمد أبو الغيط، الأمين العام لجامعة الدول العربية، عن قلقه الشديد للأحداث التي جرت في العراق مؤخراً، وعن أسفه لسقوط ضحايا! هذا أقصى ما يمكن أن تفعله الجامعة العربية فى مثل هذه الحالات، وما أكثرها في عالم عربي أصبح فيه الإنسان لا قيمة له.

وهذه المشاعر الجياشة من سيادته، هي في التأويل القريب تعبّر عن حالة نفسية مرضية،  تتطلب عقارا مهدئا للأعصاب، يخدّر ويجذر لحالة الرضا والسكون نهارا، ولحالة السبات العميق ليلا. وفي تأويله البعيد يدلل على حالة الفشل والعجز في المواجهة والتصدي لمعضلات وقضايا الأمة الآنية والمستقبلية، بالخطة والخطوات وبالجراءة والشجاعة المطلوبة.

والدفع بالخذلان المُبين بمثل هذه التصريحات التي لا تسمّن ولا تغني من جوع، يُعمّق روح الإنهزامية والتخاذل والوجل والإحباط، الذي أدمنته الأمة منذ إنشاء الجامعة العربية قبل 72 عاما، وكاد يصبح سِمة ملازمة لها وشكل بيئة طاردة، جعلت بعض الدول العربية الإفريقية تفكر جديا فى الإنسحاب منها، كما أن بعض الدول الأفريقية ذات الثقل السكاني العربي، تتراجع عن فكرة الإنضمام إليها، كأريتريا وتشاد.

في أثناء الحرب العالمية الأولى، ومع إضمحلال الدور العالمي للإمبراطورية العثمانية، ومقدمات إرهاصات إنهيارها، نمت وأورقت فكرة القومية العربية وبرزت كرؤية أيديولوجية جديدة، وكإحدى القوى المحركة للثورة العربية ضدّ تلك الإمبراطورية، التي كانت تسيطر عليها جمعية الإتحاد والترقي الشعبوية، وكانت تتبع وتطبق سياسة تمييز ضدّ الرعايا غير الأتراك، لا سيما العرب منهم.

وسرعان ما أصبح حلم توحيد العالم العربي هدفا ساميا ومقدسا، تعمل من أجله حركات المقاومة المدنية والمسلحة، ساعية في جمع الولايات العربية في إتحاد أو تحالف عربي جامع. بيد أن هذا الحلم لم يتحقق، لأن البريطانيين والفرنسيين والروس والإيطاليين، كانت لهم خططهم المختلفة للمنطقة، التي تبلورت بعد الحرب العالمية الثانية، وتجلّت في إتفاقية “سايكس – بيكو” سيئة الصيت، والتي قسّمتها إلى دويلات من منظور إستعماري بعيد الأهداف والمغزى، كما هو حال الغرب دائما.

فى عام 1939، دعا مصطفى النحاس رئيس وزراء مصر آنذاك، القادة العرب إلى مصر لتبادل وجهات النظر حول فكرة إنشاء إتحاد عربي. و برزت ثلاثة إتجاهات.

 – دول راغبة في اتحاد قوامه سوريا الكبرى، ودول راغبة في إقامة دولة الهلال الخصيب، ودول راغبة في اتحاد يضم كل الدول العربية.

وكانت العراق وسوريا من أكثر الدول الراغبة في خلق إتحاد أو تحالف عربي مركزي وقوي وفعال، قادر على بناء دولة عربية كبرى، تعيد أمجاد ودور العرب الرائد والتاريخي.

بيد أن الدول حديثة الإستقلال بقيادة مصر، لم تكن راغبة في خلق منظمة مهيمنة تستبدل الإستقلال بسلطة أخرى، تؤثر وتلقي بظلالها على الإرادة الوطنية القطرية، ولذلك سعت الى إحداث توازن بين الإستقلال والرغبة، في تشكيل كيان يتّسم بالمرونة والتطويع، مع إمكانية تكوين منظمات أو مجالس إقليمية محدودة، فجاء الميثاق فضفاضا، وبعبارات غير محكمة وغير ملزمة إلى حدّ كبير، وقابل لإختلاف التفسير والتأويل. واختصرت في  (كبسولة): ” توثيق الصلات بين الدول العربية، وتنسيق خططها السياسية تحقيقا للتعاون بينها، وصيانة الإستقلال وسيادتها، والنظر بصفة عامة في شؤون البلاد العربية ومصالحها. “

في 22 مارس، وقعت 7 دول على الميثاق، وهي مصر، العراق، سوريا، السعودية، الأردن، لبنان واليمن.

وجامعة الدول العربية تضم حاليا 22 دولة، آخرها جزر القمر، التي إنضمت عام 1993.

وكان قد أجري تعديلان على الميثاق، الأول عام 1958، لتنظيم الجلسات وإجراءات التصويت، والثاني عام 2005، لإنشاء البرلمان العربي، الذي  يتكوّن من ممثلي البرلمانات العربية، وليس له مهام تشريعية، بل يمكنه تقديم توصيات غير ملزمة لأحد !

وكما أن الأجسام السياسية والعدلية تتكوّن من مندوبي الدول العربية، وتعبّر بصورة صادقة عن النظام العربي الرسمي.

ولعل من أهم أسباب شلّ حركة الجامعة وعدم مصداقيتها، هو أنه كان  كل أمناء الجامعة عدا الشاذلي القليبي  كانوا من دولة المقرّ، مصر.  وكانت لهم انتماءات سياسية وارتباطات وثيقة مع الأنظمة الحاكمة فيها على مرّ العصور، مما جعلهم غير مستقلين ولا محايدين في إدارة الأزمات، وحسم الصراعات العربية – العربية.

يضاف إلى ذلك، أن الجامعة العربية نفسها، لا تملك الشخصية الاعتبارية الكاملة، بسبب خضوعها  للدول ذات التأثير المادي، والداعمة الأكثر من غيرها فى ميزانيتها،  وهكذا أصبحت كهيئة إدارية مالية سياسية. وأصبح الأمين العام هو الموظف الأعلى فيها، ولكنه لا يملك أي صلاحية تنفيذية، أو قدرة على المبادرة المستقلة أو المناورة السياسية، تجعل له شأنا و تأثيرا على دول الأعضاء.

تصريحاته عادة هي ليست فعلاً، بل هي صدى لأفعال متسقة مع حالة التردي والهوان، اللذان تعيشهما الأمة. ذلك لم تقم الجامعة بأعمال مهمة تذكر، وكانت قراراتها على الرغم من أهميتها فى بعض الأحيان، حبراً على ورق، وتلقى في سلة المهملات، ولا تحظى بمجرد التفاتة، وكمثال على ذلك  لا الحصر، إتفاقيات الوحدة الإقتصادية، والسوق العربية المشتركة، وتجارة الترانزيت، والتنمية الزراعية، والعمل، والتربية، والعلوم، والثقافة والإذاعات العربية وغيرها.

وأضحت المجالس واللجان المتخصصة اطلالا، تنعق فيها البوم، كمجلس الدفاع المشترك، والمجلس الإقتصادي والزراعي والسياحي .

ومن المضحك والمبكي في نفس الوقت، أن إحدى الدول الخليجية أصدرت مؤخرا قرارا بمنح الفيزا السياحية من مطاراتها لمواطني عدد كبير من الدول، وليس من بينها دولة عربية واحدة! وهناك دول عربية بعينها، يتعرّض فيها المواطن العربي للإهانة والإذلال عند القدوم إليها !يا أمة ضحكت من جهلها الأمم .

وأصبحت الجامعة العربية، وبميثاقها المعيب، وأجهزتها وآلياتها الكسيحة والعاجزة، عقبة في تطوير العمل العربي المشترك، وتحقيق الحلم العربي في وطن واحد من المحيط إلى الخليج، وهو الخيار الإستراتيجي الذي لا مناص أو فكاك منه، حتى يتحقق بصورة أو بأخرى، لكي  تتبوأ أمتنا مكانها الطبيعي والقائد والرائد بين الأمم.

وإذا ظلت مقيدة وحبيسة هذا الواقع،  فلن تخرج من دائرة الفشل، لتصبح طرفا فاعلا في حركة السياسة الإقليمية والدولية. لهذا وذاك، أصبح من الواجب إجراء تطوير شامل للجامعة وأنظمتها وتحديث آلياتها.

فى العقود الأخيرة، صدرت عدة قرارات أممية تطالب بالإصلاح السياسي ومحاربة الفساد، وبناء الدولة الرشيدة وتحقيق العدالة والشفافية وكرامة الإنسان وحقوقه الأساسية،  وترجمت هذه المعاني وغيرها في العديد من الإتفاقيات والمواثيق الدولية، ووقعت عليها العديد من الدول العربية، وأصبحت جزءا لا يتجزأ من قوانينها الداخلية.

تكررت الدعوات لإصلاح الجامعة العربية، وبخاصة أثناء حركة الربيع العربي الثورية، حتى تكون مواكبة وقادرة على التجاوب مع طبيعة وواقع المرحلة الجديدة المتحركة بخطى متسارعة، وعمّت  كل المجتمعات العربية، وبشّرت بميلاد ثورة عربية شاملة، تقلع جذور الظلم والإستبداد وتؤسس لحكم ديموقراطي، يضع الشعب في مركز الرأي والقرار، فكوّنت لجنة خبراء برئاسة السيد الأخضر الإبراهيمي، من أجل تقديم مقترحات لإصلاح الجامعة، وأصدرت تقريرها، وتمّ التعامل معه بسريّة، و لم يرَ النور حتى الآن.

وكان قد تمّ تكوين أربع لجان أخرى للإصلاح، بغرض تجويد وتدعيم الميثاق والهياكل والآليات، وتطوير الأهداف، وربطها بالبعد الشعبي، وتنظيم العلاقة بالمجتمع المدني، وهي عملية متكاملة ومرتبطة الحلقات.

إن تفعيل الميثاق، لا يتمّ إلا عبر هياكل وآليات، لها القدرة والإرادة والإستقلالية والحيادية، وتكون لها اليد المطلقة في المحاسبة والمتابعة والتنفيذ. ولا بد من خروج هذه الهياكل والآليات عن عباءة النظام العربي الرسمي .

 ويمكن الإستنارة بتجربتي الإتحاد الأوروبي والإتحاد الإفريقي، ولعلهما يشكلان بوصلة تهدي  إلى طريق الإصلاح.

كما توجد مقترحات مقدمة  لإصلاح الميثاق، أرى فيها بارقة أمل لعمل عربي مشترك موحد على قدر الأمة، ثم مسؤوليتها التاريخية وتتمثل في:

1 – احترام سيادة الدول الأعضاء ووحدتها وسلامة أراضيها وأنظمة الحكم القائمة فيها.

والحفاظ على المصالح المشتركة بما يتفق مع مبادئ وأهداف الميثاق.

2 – عدم تدخل أيّ دولة في شؤون دولة أخرى.

3 – الالتزام بالمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وإحترام المعاهدات والاتفاقيات والمواثيق الدولية.

4 – احترام وتفعيل المساواة بين الدول الأعضاء في الحقوق والواجبات.

5 – عدم اتخاذ القوة والتهديد والحصار، وتسوية المنازعات أو الخلافات بالطرق السلمية.

6 – احترام المبادئ الديموقراطية وقيم العدالة والشفافية والمساواة وضمان حقوق الإنسان والحريات الأساسية وتعزيز الحكم الرشيد وسيادة القانون.

7 – نبذ العنف والتطرف ونشر قيم التسامح والوسطية ومكافحة جميع أشكال الإرهاب ومظاهره وتجفيف منابعه ومصادر تمويله.

8 – تعزيز الهوية العربية في الدول العربية.

9 – إضفاء البعد الشعبي على العمل العربي المشترك، من خلال تنمية علاقات التعاون مع مؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص.

10 – الارتقاء باللغة والثقافة العربية والتعريف بالتاريخ والحضارة العربية والإسلامية وتعزيز الحوار بين الديانات والثقافات والحضارات.

 11 – تبني مواقف موحدة حول القضايا العربية والإقليمية والدولية والدفاع عن المصالح العربية المشتركة.

12 – تعزيز الدور العربي على المستوى الدولي، من خلال توثيق التعاون وبناء شراكات مع الدول والمنظمات والهيئات الإقليمية والدولية.

13 – تحقيق السلم والأمن العربيين بأبعادهما السياسية والعسكرية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية.

14 – تحقيق التكامل السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والتكنولوجي وتعزيز التنمية المستدامة على كافة المستويات.

فى ظل هذا الجو القاتم الذي يسود المنطقة العربية، من تناحر وتباعد بين الدول العربية، ومن محاور وهمية خلقها الأعداء ودول شبه محتلة، ودول غارقة فى حروب عبثية لا طائل من ورائها، ودول منسية، مثل الصومال وجيبوتي وجزر القمر، وأنظمة شمولية مستبدة متحكمة في رقاب شعوبها بالحديد والنار، وسجونها مليئة بالمناضلين الشرفاء، وأخرى تهرول نحو العدو حجا وتبركا، وأخرى  تنفر من الشقيق والصديق.

فى هذا الجو المشبع بالإحباط، قد يكون التفاؤل نوع من الترف أو الضحك على الذقون والعقول.

لكن الشعلة لا بد أن تكون مضيئة فى هذا النفق المظلم،  لكي تكون  الجامعة العربية هي الأمل في النهوض لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وتكون أداة للتجمّع لا للتفرّق، وبالطبع، هذا يتطلب جهدا صادقا وعملا مخلصا دؤوبا، ليتم الإصلاح والتوافق.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى