الجهل.. بين كونه مركبًا أو بسيطًا.. وكونه مقدسًا..

خاص “المدارنت”..
يقول نعوم تشومسكي: “عامة الشعب لا يعرفون ما يجري، ولا يعرفون حتى أنهم لا يعرفون (الجهل المركب)..
وكما أن هنالك (جهلاً مركبا) و(جهلا مزدوجا) بحسب أفلاطون، وكذلك (جهلا بسيطا) وبينهما (جهلاً كاملا).. فإن هنالك (جهلاً مقدسًا)، بحسب العالم الفرنسي/ اوليفييه روا في كتابه القيم: (الجهل المقدس/ زمن دين بلا ثقافة)، وكذلك(جهلاً مؤسّسًا) بحسب د. محمد آراكون في كثير من أعماله، وكذلك (جهلا جديدا) بحسب العالم الفرنسي/ توما دوكونانك في كتابه القيم: (الجهل الجديد ومشكلة الثقافة)…
ذلك الجهل المقدس الذي ينحصر في الجانب الديني من جوانب المجتمع، والذي يعني التخلي التام عن المقدس الحقيقي، وتقديس غير المقدّس، ليصبح غير المقدّس مقدسًا، بما لذلك من نتائج كارثية على المجتمع وغيره…
وذلك الجهل المؤسّس الذي يشمل كل المناحي الحياتيه المختلفه للمجتمع، والذي يعني تثبيت تلك المفاهيم والأراء والاطروحات الجاهلة في وعي الأجيال الحاليه والقادمه، عبر تلك المؤسسات الإجتماعيه في المجتمع، إبتداء، بالبيت والمحيط، وبجميع المؤسّسات التعليميه المختلفه (تثبيت في الإطار الأفقي والعمودي للمجتمع)..
أما ذلك الجهل الجديد، أو الجهل المزدوج، كما أسماه أفلاطون، فهو يقتصر ومن حيث عنوان الكتاب على الجانب الثقافي للمجتمع (الثقافة)…
حيث أن (أخطر ما قد يصيب أي مجتمع بشري، هو «تدمير الثقافة». أو بصيغة أخرى، إهمالها وتجاوزها والتغاضي عنها مقابل تقديس الجانب المادي والربحي، وكل ما يمتّ بصلة إلى ما هو غير الثقافة. وما غير الثقافة «جهل» و«عنف» و«تدمير ذاتي» و«نرجسية» و«غربة».
والأكثر خطورة في الواقع، هو ما أسماه أفلاطون بـ«الجهل المزدوج» أو «الجهل الجديد». ومفاده، حسب تعريف «سقراط» هو ادعاء المعرفة، بينما العكس صحيح. إذ يقول «سقراط» مخاطبًا «ألسيبياد»: «إنك تتعايش يا صديقي المسكين مع أسوأ أنواع الجهل، فقولك بحد ذاته يتهمك أنت بالذات. وهكذا ترمي بنفسك في السياسة قبل أن تكون قد تثقفت، وذلك هو سبب كل الأخطاء التي يتعرض لها فكرنا جميعًا». إذ إنه «عندما يغيب العقل الأول Logos، ينمو العنف».
وتسمية هذا النوع من الجهل بـ«الجديد»، راجع أساسًا إلى الأسس التي يبنى عليها، وهي «تدمير الثقافة»، والحال أن «الثقافة هي تربية الأشخاص غير القابلة للانفصال عن تربية المجموعة»، و«تفتيت الثقافة هو أسوأ تفتيت يمكن أن يوجد» على الإطلاق. وتتجلّى جدّية هذا النوع من الجهل في تفاقم «ذهنية التجريد الذي ضاعفت التقنية نفوذها 10 مرات»، الجديد هو: «التدمير الذاتي العالمي للثقافة ونتيجته الطبيعية هي العنف».
ذلك الجهل، سواء كان مركبا أو مقدسا أو بسيطا أو جديدا، لا يقتصر فقط على العامة بل على الخاصة أيضا، وهنا تكون الكارثة الحقيقية والوخيمة والطامة الكبرى والمصيبة الفادحة والجليلة على المجتمعات التي يوجد فيها، وتعيشه، بخاصة مجتمعاتنا العربية على حدّ سواء، مع وجود فوارق نسبيه هنا وهناك وحتى داخل المجتمع الواحد..
وكما أن ذلك الجهل.. لا يقتصر على العامة فقط، بل يشمل الخاصة منها.. فإنه أيضا لا يقتصر فقط على جميع المناحي الحياتيه المختلفه للمجتمع.. بل قد يشمل جزء أو أكثر من تلك المناحي…
وعلى الرغم من كون الجهل المركب، هو أشد فظاعة على المجتمع، فإنه وفي حال إكتسابه قدسية ما القدسيات الزائفة، ليصبح ويصير جهلا مركبا مقدسا.. فإن تلك الفظاعة تكون في قمتها…
وكما أن للجهل تلك الصفات من كونه مركبا… إلخ، فإن للتخلف نفسه.. حيث يمكن القول بأن هنالك تخلفا مركبا وبسيطا وكاملا، وكذلك تخلفا مقدسا ومؤسّسا وجديدا، وقد يكون مركبا مقدسا..
شخصيا لا أرى فوارق بين الجهل والتخلف، فالجهل من وجهة نظري الشخصية المتواضعة، هو إحدى صور التخلف من الناحيه المعرفيه… فيحثما وجد التخلف زمانا ومكانا.. وجد الجهل والظلاميه…
يقول ألبرت فور: “إذا غرست التقاليد أصول فكرة من الفكرات, سواء كانت عقلية أم فنية أم أخلاقية, أم من أيّ ضرب آخر من ضروب الثقافة والمعرفة, ثم درجت عليها الأجيال المتعاقبة, فإنها لا تمحص ولا تختبر, بل ولا تعرض على محك النقد, لتبلو نصيبها من الصحة والخطأ, ذلك بأن تقريرها في الأذهان يدخلها في حظيرة النحل المقدسة, ويرفعها إلى مرتبة العقيدة الثابتة, التي يعد بحثها تدنيسا لقداستها وتهجما على حرمتها”…
ويقول الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط: “التنوير هو الخروج من القصور الفكري إلى الرشد.. فلتكن شجاعا على استعمال عقلك، وأن التنوير هو خروج الإنسان من القصور الذي ارتكبه في حق نفسه من خلال عدم إستعماله لعقله إلا بتوجيه من إنسان آخر، وإذا أردت تغيير المجتمع ينبغي أولا تغيير العقليات السائدة فيه، عن طريق التعليم والتثقيف والتهذيب”..
إن التحرر والخلاص من ذلك الوعي، “وعي التخلف المقدس”، لا يمكن له بأن يكون ويتم ويحصل ويصير واقعا معاشا وملموسا، إلا بالقيام بعملية تفكيكية/ إحلالية.. تكون ثورة الوعي الأخلاقية التنويرية وسيلتها.. ذلك ببساطة شديدة هو “وعي التخلف المقدس”، وكيفية التحرر والخلاص والتخلص منه..
لنمتلك ولنملك جميعا الشجاعة الحقيقية في إستخدام عقولنا, وليكن ذلك الإستخدام نابعا من ذواتنا, لا بتوجيه من الآخر, ولنعمل على تغيير العقليات السائدة.. في مجتمعنا, ولنجعل من أنفسنا “أناسًا”، نسمو بإنسانيتنا, لا دودة تدوسها الأقدام”؟
فقد آن الأوان لذلك… هذا، وبإختصار شديد وموجز وكروؤس أقلام وعناوين،.. إلخ؟.




من اجمل ما قرات
طبت وطابت أوقاتك بكل خير وسعاده دائمة ❤️❤️❤️