عربي ودولي

الجوع يرهق الإيرانيين.. 63 مليون شخص تحت خط الفقر!

“المدارنت”
كشفت أرقام نشرتها صحيفة «ابتكار» الحكومية في طهران، حجم الكارثة المعيشية التي تضرب المجتمع الإيراني، بعدما وصلت تكلفة سلة المعيشة الأساسية للأسرة إلى نحو 900 مليون ريال، أي ما يعادل 90 مليون تومان شهرياً. ووفق هذه التقديرات، بات نحو 70 في المئة من الإيرانيين، أي ما يقارب 63 مليون مواطن، تحت خط الفقر، في بلد يملك واحداً من أكبر احتياطيات النفط والغاز في العالم
.

هذه الأرقام لا تكشف أزمة اقتصادية عابرة، بل تفضح انهياراً بنيوياً في نموذج الحكم الذي بناه نظام ولاية الفقيه على نهب الثروة، وتمويل أجهزة القمع، وتغذية مشاريع التسلح والتدخلات الخارجية، على حساب لقمة عيش ملايين العمال والموظفين والمتقاعدين.

فالراتب الشهري للعامل الإيراني لم يعد يكفي إلا لتغطية نفقات نحو ثمانية أيام من الشهر، بعد أن تآكلت القدرة الشرائية بصورة غير مسبوقة أمام موجات التضخم والغلاء. وهذا يعني أن ملايين الأسر الإيرانية تُترك أكثر من عشرين يوماً كل شهر في مواجهة العوز، وتقليص الوجبات، والاستدانة، وترك العلاج، وبيع ما تبقى من مدخرات بسيطة لتأمين الحد الأدنى من البقاء.

الأخطر أن هذه الكارثة تضرب مجتمعاً كان يملك طبقة وسطى واسعة نسبياً، لكنها تآكلت تدريجياً تحت ضغط الفساد، وانهيار العملة، وتحوّل الاقتصاد إلى شبكة مغلقة تخدم مؤسسات الحرس وبيت الولي الفقيه والمافيات المرتبطة بالسلطة. وبدلاً من أن تُستثمر عائدات النفط والغاز في تحسين التعليم والصحة والبنى التحتية وخلق فرص العمل، تبتلعها أجهزة القمع والمشاريع العسكرية وشبكات النفوذ الإقليمي.

إن سقوط 63 مليون إيراني تحت خط الفقر لا يمكن فصله عن طبيعة النظام نفسه. فالفقر في إيران لم يعد نتيجة سوء إدارة فقط، بل أصبح نتيجة مباشرة لسياسة متعمدة تنقل كلفة بقاء النظام إلى كاهل الشعب. وكلما اشتدت الأزمات، لجأ الحكم إلى المزيد من القمع والإعدامات والرقابة، بدلاً من معالجة جذور الانهيار الاقتصادي والاجتماعي.

وتنعكس هذه الأزمة في تفاصيل الحياة اليومية: أسواق مشلولة، عائلات عاجزة عن شراء البروتين والحليب، أطفال يتركون الدراسة للعمل، مرضى يتخلون عن العلاج، وأسر تغرق في الديون من أجل البقاء. وهذا كله يجري في بلد تُهدر ثرواته على الصواريخ والميليشيات وأجهزة الأمن، بينما يُطلب من المواطن أن يتحمل الجوع باسم «الصمود» و«المقاومة».

ومن هنا، فإن الأزمة المعيشية في إيران لم تعد شأناً داخلياً محدوداً، بل أصبحت جزءاً من صورة أوسع لنظام يهدد شعبه والمنطقة في الوقت نفسه. فالنظام الذي يجوع الإيرانيين في الداخل هو نفسه الذي يبدد ثرواتهم على التدخل في شؤون الدول العربية، وتمويل الميليشيات، وتهديد أمن المنطقة.

وفي هذا السياق تكتسب أهمية خاصة الإشارة إلى البيان الذي وقّعه 286 شخصية عربية من 11 دولة، والذي أدان سياسات النظام الإيراني وتدخلاته ودعمه للميليشيات وتهديده لأمن الدول العربية. فذلك البيان يعكس إدراكاً عربياً متزايداً بأن مأساة الشعب الإيراني ومعاناة شعوب المنطقة تنبعان من مصدر واحد: نظام ولاية الفقيه الذي ينهب الداخل ويصدّر الأزمات إلى الخارج.

كما أكد البيان أن الحل لا يكمن في الحرب الخارجية ولا في سياسة المساومة مع طهران، بل في دعم حق الشعب الإيراني في الحرية والديمقراطية، ومساندة مقاومته المنظمة من أجل إنهاء الاستبداد وبناء جمهورية ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان وتعيد ثروات إيران إلى شعبها.

إن الأرقام الجديدة عن الفقر في إيران تُسقط كل ادعاءات النظام حول العدالة الاجتماعية ورعاية المستضعفين. فحين يعيش سبعة من كل عشرة إيرانيين تحت خط الفقر، وحين لا يكفي راتب العامل إلا لأيام معدودة، يصبح واضحاً أن النظام لم يعد قادراً على تقديم أي مشروع للحياة، بل لا يملك سوى القمع والدعاية وتصدير الأزمات.

لذلك، فإن معركة الخلاص من الفقر في إيران ليست معركة اقتصادية فقط، بل معركة سياسية أيضاً. فلا يمكن استعادة لقمة العيش والكرامة والعدالة الاجتماعية من دون تفكيك منظومة النهب والقمع التي صنعها نظام الملالي، ومن دون إعادة السيادة والثروة إلى الشعب الإيراني.

إن إيران لا تعاني من قلة الموارد، بل من نظام يسرق الموارد ويجوع الناس. ومن هذه الزاوية، فإن سقوط عشرات الملايين تحت خط الفقر ليس مجرد رقم اقتصادي، بل لائحة اتهام سياسية وأخلاقية ضد حكمٍ جعل من الجوع وسيلة للبقاء، ومن ثروات البلاد وقوداً للقمع والحروب.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى