مقالات

“الحرس الثوري الإيراني”.. منظومة عسكرية عابرة للحدود!

نظام مير محمدي/ إيران

خاص “المدارنت”
لا تكمن خطورة “الحرس الثوري الإيراني” في حجم ترسانته العسكرية وحدها، بل في طبيعة الموقع الذي يحتله داخل بنية إيران، وفي قدرته على الجمع بين القوة المسلحة والنفوذ السياسي والمصالح الاقتصادية والأدوات الاستخبارية. فالمسألة لا تتعلق بمؤسسة عسكرية تؤدي وظيفة محددة داخل الدولة، وإنما بمركز قوة تتشابك مصالحه مع بقاء النظام، ويتجاوز تأثيره حدود المؤسسات التقليدية، بما يجعل التعامل معه اختبارًا حقيقيًا لفاعلية السياسات الدولية تجاه طهران.

منذ تأسيسه عام 1979، تطور الحرس الثوري من قوة مكلفة بحماية النظام إلى مؤسسة متعددة الوظائف، حاضرة في الأمن والسياسة والاقتصاد، وذات دور بارز في إدارة النفوذ الإيراني خارج الحدود. وهذا التحول يستحق قراءة تتجاوز التوصيف العسكري؛ إذ إن تراكم هذه الصلاحيات يخلق اختلالا في ميزان السلطة داخل الدولة نفسها، عندما تصبح مؤسسة غير خاضعة لرقابة مدنية مستقلة قادرة على التأثير في القرارات الاستراتيجية، والمشاركة في توجيه الموارد، وحماية منظومة الحكم من الضغوط الداخلية.

هنا تكمن المعضلة الأساسية: الحرس الثوري، ليس مجرد أداة يستخدمها النظام، بل هو أيضا أحد المستفيدين من استمرار البنية السياسية التي تمنحه هذه المكانة. وهذه العلاقة تجعل تقليص نفوذه مسألة تتجاوز إصدار الأوامر أو تغيير القيادات؛ لأنها ترتبط بشبكة من المصالح والامتيازات ومراكز القرار. وكلما تعمق ارتباط القوة العسكرية بالمصالح الاقتصادية والسياسية، ازدادت كلفة إخضاعها للمساءلة، وأصبح الإصلاح المؤسسي الحقيقي أكثر تعقيدا.

ويكتسب هذا التشابك بعدًا إقليميًا عندما تتحول القدرات العسكرية والاستخبارية إلى أدوات لبناء النفوذ عبر جماعات مسلحة وشبكات خارجية. فبدلا من تحمل كلفة التدخل المباشر في كل ساحة، تستطيع الدولة توسيع تأثيرها من خلال شركاء محليين تختلف طبيعة علاقتهم بها من حالة إلى أخرى. وتكمن خطورة هذا النموذج في أنه يطمس الحدود بين المسؤولية الرسمية والعمل غير المباشر، ويعقد تحديد المسؤوليات، ويتيح تصعيد الضغوط على دول أخرى من دون أن يأخذ الصراع دائما شكل مواجهة معلنة بين دولتين.

لكن هذا الأسلوب لا ينتج نفوذا بلا كلفة. فهو يفاقم انعدام الثقة، ويضعف سيادة الدول التي تتحول إلى ساحات تنافس، ويجعل الأمن الإقليمي رهينة حسابات لا تشارك المجتمعات المتضررة في صياغتها. كما أن استمرار الاعتماد على شبكات مسلحة قد يمنح صانع القرار أدوات ضغط آنية، لكنه يترك وراءه أزمات سياسية وأمنية يصعب احتواؤها، ويجعل أي تسوية إقليمية أكثر هشاشة.

وتكشف المخاوف البريطانية التي أثيرت في أكتوبر/تشرين الأول 2026 بشأن مخطط مشتبه به لاستهداف قاعدة فرفورد الجوية عن البعد الأوروبي لهذه الإشكالية. فقد أعلنت لندن أن الحرس الثوري كان، وفق تقييمها، وراء توجيه المخطط بدرجة شبه مؤكدة، واستدعت السفير الإيراني وفرضت عقوبات على شخصين إيرانيّين. وتظل هذه الاتهامات خاضعة لمقتضيات التحقيق والإثبات، لكنها تبرز أن القلق لم يعد مقتصرا على ساحات الصراع التقليدية في الشرق الأوسط، بل بات يشمل احتمال انتقال أنشطة مرتبطة بشبكات النظام إلى أراضي دول أوروبية.

والاستنتاج الأهم من هذه التطورات ليس أن كل أزمة أمنية يجب أن تقود إلى تصعيد جديد، بل أن سياسة التعامل مع الحرس الثوري تحتاج إلى الانتقال من رد الفعل إلى تفكيك آليات التهديد. فالعقوبات التي تستهدف أسماء منفردة قد تفقد أثرها إذا بقيت قنوات التمويل والوساطة والمشتريات مفتوحة؛ والتحذيرات الدبلوماسية تفقد مصداقيتها إذا لم تتبعها إجراءات قانونية قابلة للتحقق؛ والردع العسكري قد يمنع مغامرة محددة، لكنه لا يعالج بالضرورة البنية التي تدفع إلى تكرارها.

لذلك، ينبغي أن تقوم الاستجابة الدولية على ثلاثة مسارات متكاملة: أولها تجفيف الموارد والشبكات التي تتيح تمويل الأنشطة غير المشروعة، مع تنسيق استخباري وقضائي فعال؛ وثانيها حماية المعارضين والصحفيين والمهددين من عمليات الترهيب العابرة للحدود؛ وثالثها إخضاع أي اتهام إلى تحقيقات مستقلة وإجراءات قانونية واضحة، حتى لا تتحول مواجهة التهديدات إلى سياسة انتقائية أو ذريعة لتوسيع الصراع.

غير أن هذه الإجراءات، مهما بلغت دقتها، ستظل تتعامل مع أدوات المشكلة ما لم يؤخذ في الحسبان أصلها السياسي. فالحرس الثوري يستمد مكانته الاستثنائية من منظومة حكم تمنحه دوراً يتجاوز المؤسسة العسكرية المعتادة، ويضع حماية النظام في صلب وظيفته. ومن ثم، فإن استدامة الأمن لا تتطلب احتواء قدراته الخارجية فحسب، بل تقتضي أيضا دعم حق الإيرانيين في إقامة نظام يخضع فيه الجيش والأجهزة الأمنية للقانون والرقابة المدنية والمساءلة الديمقراطية.

إن معيار النجاح ليس عدد العقوبات المعلنة ولا شدة الخطاب السياسي، بل مقدار ما يتحقق من تقليص فعلي لقدرة الحرس الثوري على تهديد الدول، والتدخل في شؤونها، وإخضاع المجتمع الإيراني. ومن دون استراتيجية تربط المساءلة القانونية بتفكيك شبكات النفوذ، وتربط الأمن الخارجي بحقوق الإيرانيين في الداخل، ستظل المعالجة تدور حول أعراض الأزمة، فيما تبقى البنية التي تعيد إنتاجها قائمة.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى