الحـراك الشـعبــي فـي لـبــنان

===== “المدارنت”.
.. ما يحدث في لبنان، يمكن النظر فيه من زوايا عديده، بعضها خاص بلبنان، أو بالنكهة اللبنانية، وبعضها عام، ويجمع هذه وتلك، التوزيع الطائفي للسلطة، واستبداد طرف واحد بالقرار، وباتجاهات القرار السياسي والأمني والحياتي، وكذلك الفساد، الذي بات القاسم المشترك بين أطراف السلطة، الفساد المتجاوز للانقسامات الطائفية والشعاراتية والدينية، حيث الكلّ ينهش من جسد هذا الوطن وأهله الغلابا.
كل ذلك، يستأهل الوقوف أمامه بتأن وبعمق، لندرك ما يجري حقاً. ولنرى المدى الذي يمكن أن تذهب إليه هذه الاحتجاجات، التي تحركها لقمة العيش، كما يحركها اليأس العام من أي إصلاح، والاستخفاف بأي وعود، وتبدد الثقة بكل هذه القيادات.
والحراك الشعبي اللبناني، يطرح سؤالا جوهريا لا يقتصر على لبنان، وإنما يعني ويصيب كل النظام السياسي في معظم البلدان، ويؤشر إلى عيب خلقي في طبيعة هذا النظام .
السؤال هو لماذا – حين تتم الاستجابة لمطالب المحتجين – لا تتم هذه الاستجابة إلا بعد مظاهرات واحتجاجات وعنف، وقتلى ومصابين ودمار ، وحين تتم هذه الاستجابة، توصف بأنها استجابة ديموقراطية، وطبعا هي كذلك، في مقابل تلك النظم التي ترفض أيّ تجاوب مع المطالب الشعبية، وتواجه هذه المطالب بالنار، والقتل بلا حدود، ومن دون أيّ سقف.
لماذا تفتقد هذه النظم آلية تصحيح ذاتية، تستشعر الانحراف في الاقتصاد وفي السياسة، وفي الاحتياجات الانسانية للناس الذين انتخبوا هؤلاء النواب، وللوزراء الذين تقدموا لتحمل المسؤولية.
هذا على المستوى الوطني، أما على المستوى الدولي، لماذا كلّ الحلول التي تطرح من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، إنما يدفع ثمنها المواطن العادي، ذو الدخل المحدود، من خلال وصايا هذه المؤسسات المالية برفع الدعم، وزيادة الضرائب، وإلغاء الخدمات الصحية والتعليمية… الخ، لماذا؟.
لماذا لا توجد في هذه النظم آليات مؤسسية، تربط بين مستوى الدخل، وتكلفة الحياة الضرورية التي تتضمن فيما تتضمن: الطعام والشراب والسكن والتعليم والصحة، بمستوياتها المختلفة. ومن ثم يجري تصحيح الأجور كل ستة أشهر أو كل سنة، بناء على هذه الآلية المعتمدة.
مع يقين الجميع في الداخل والخارج، في مؤسسات الدولة الوطنية، ومؤسسات الاستبداد النقدي الدولية، أن هؤلاء الناس لم يكونوا يوما سبباً في أيّ أزمة اقتصادية، ولم يتسببوا يوماً في أيّ نزيف اقتصادي، ولم يخربوا بيئة نظيفة، أو مشروعا حيويا، أو مبادرة نظيفة، ومع ذلك يطلب منهم دائما دفع الثمن.
أنا أعلم لماذا لا تعتمد هذه النظم هذا الحلّ، لأنني من جيل ومن تيار التزما طريقاً يعالج هذه المسألة علاجا جذريا.
لكني أطرح هذا التساؤل بمناسبة هذا الحراك الشعبي في لبنان، الذي يحاول أن يقلب الطاولة كلها، لعلّ هذا التساؤل يعيد فتح الأفق الصحيح، بين الناس المحتجين لحل أزمات الحياة في أوطاننا، فلا يغرر بهم مجددا، ولا تتم رشوتهم، بإجراء هنا وآخر هناك، ولا يتم تخديرهم بشعارات ظاهرها الوطنية والمقاومة، وحقيقتها الحفاظ على المكاسب وتعميقها، وترسيخ حالة استبداد قائمة على طائفية مقيتة تدمر كل شيء.
هذا سؤال للتحريض على التفكير. وعلى الارتقاء بالرؤية، وصولا إلى جذر المشكلة وأساسها.
========================



