الحقيقة الشعبية في المعادلة السياسية

خاص “المدارنت”..
لا يرفع من قيمة ومكانة انتفاضة السابع عشر من تشرين البيضاء، سوى كل هذا الهجوم المسعور من قوى السلطة مجتمعةً بمنظومتها الفاسدة المتآكلة، التي تتغاضى اليوم عن كل ما جنته أياديها من معاناة وألم للكل اللبنانيين بتوجيه سهامها المسمومة، على قوى الانتفاضة بعد أن خبرتهم الساحات والشوارع، وهم اليوم وبدون منازع، الممثل الحقيقي للشعب، والأمل العامر بالتغيير المرتقب، مهما طال الصراع، وتحشدت القوى الطائفية والمذهبية، وسعَّرت من خطاب الكراهية، الذي أتقنته جيداً، وتدرك أنه لا مستقبل لها بدونه.. إنه من مهازل هذا الزمن الرديء، أن يقابلك اليوم فاشلون، وهم يبِّثون سموم الحقد على شبابٍ لبناني يافع، خرج يطالب بحقه في الحياة والحرية في هذا البلد، وقوبل بالرصاص الحي، والاعتداءات الشخصية والتخوين والتهديد، ومع ذلك صمد صمود المؤمنين بوحدة هذا البلد وحريته. بينما لم يكن لهؤلاء المنتفضون سوى إرادتهم وعزيمتهم الحرة، في مواجهة نفوذ السلطة، وميليشيا المذاهب والسلاح والمال السياسي، و ليبرهن الشعب اللبناني أن المستقبل القادم هو لهذه القوى المتمردة على الحظائر الطائفية المذهبية، حيث فضاؤها الحقيقي هو كل لبنان العابر للطوائف والمذاهب والمناطق والزعامات التي عاثت فساداً فيه، وتتحمل اليوم كل بلاويه ومصائبه.. .
لقد كنا ومع بداية ما حصل في السابع عشر من تشرين، ولم نزل على قناعتنا بأنها انتفاضة ثورية على طريق الثورة الحقيقية، ولذلك لم يخالجنا الشك يومًا، مما تعرضت وتتعرض له هذه الانتفاضة من تآمر وتشويه، ليقينٍ منا أن الثورة الحقيقية قادمة لا محالة، وأن إرهاصاتها التي بدأت مع نزول قوى الشعب الحية إلى الساحات، لم تتوقف وإنما ستشهد الأيام والشهور المقبلة، وحتى السنين، المزيد من تأجيج الصراع والمواجهة مع هذا النظام، الذي انتهى، وهو اليوم ينازع البقاء، ويعيش أيامه الأخيرة، ولن تفيده المعاندة والتجاهل أن الشعب إذا أراد الحياة، فلا بد أن يستجيب القدر…
إنها إرادة الحياة الأقوى من كل موتٍ ودمار متحقق على أيدي هذه المنظومة التي لم تكتف ِبتجويع شعبها وإفقاره ونهب مدّخراته في المصارف، وإنما تدفعه دفعاً نحو التخلُص منه في اللجوء إلى قوارب الموت، من دون أن يرف لها جفنُ من الرحمةً بهذا الشعب أو عذاب ضمير…
لتخجل كل الأصوات النشاذ الحاقدة، التي تنال اليوم من ثورة الشعب اللبناني البيضاء على حكامه، وناهبي قوت يومه. وليعلم القاصي والداني في هذه المنظومة، أن رحلة الألف ميل قد بدأت، وخطت أشواطا كبيرة في مسيرتها، ولن توقفها الهنّات والافتراءات والتهكُم الكلامي من هنا وهنالك، ولن يعيق مسيرتها منحرفُ لفظه الشارع اللبناني، أو متساقط تسوَّل أصواته الانتخابية مما تُرِك له من فائض قوة الأمر الواقع، والتجييش المذهبي، والرشاوى والمال السياسي… ومع ذلك يتبجّح اليوم بوصوله إلى البرلمان وهو الذي يتحاشى النزول إلى الشارع، ومواجهة الناس الذين يدّعي تمثيلهم. إن أهمية انتفاضة اللبنانيين في السابع عشر من تشرين، تنبع من أنها أسقطت الهالة التي لطالما تغطّت بها المنظومة الفاسدة، وخرقت كل المحرّمات التي وَضَعْتها لتكبيل حركة الشارع، الذي لم يعد لديه ما يخسره بعد اليوم.
لقد آن أوان إعادة الاعتبار إلى انتفاضة الشعب العظيمة، وتزخيمها بالتنبُه لما تحيكه له السلطة، لفك ارتباطه برموزه وقياداته أولًا، والانكباب على مراجعة كل ما اعترض المرحلة الفائتة من ثغرات وسلبيات، تعمل السلطة أيضاً لاستغلالها وتيئيس اللبنانيين من العودة إليها.
إنها حقيقة شعبية فرضت نفسها على المعادلة السياسية الداخلية اللبنانية، وبات من المستحيل تجاوزها، أو تجاهل دورها المرتقب في الحياة السياسية كنواة أساسية للتغيير الحقيقي في هذا البلد. مع التأكيد على أنه لا أحد فوق النقد والمساءلة في حال الخروج عن الثوابت، التي قامت بها هذه الحركة الشعبية الاعتراضية، التي صار من المطلوب وبإلحاح توحيدها وتأطيرها، ومنع أية جهة مشبوهة من الاندساس بها.. .
لتحيا ثورة الشعب اللبناني نحو الحرية والتغيير…
ولتتكاتف سواعد الثوار بإرادةٍ الأحرار وعزيمةٍ المؤمنين بالانتصار، مهما تراكمت التحديات…




