مقالات

الدولة العميقة فى السودان.. عائق التطوّر نحو الديموقراطية

د. علي ابراهيم */ السودان

//خاص المدارنت//… شكل الظهور المفاجئ للدكتور حسن الترابي في الأحداث التي صاحبت انفجار ثورة أكتوبر عام 1964 ضدّ نظام الفريق إبراهيم عبود، علامة فاصلة في السياسة السودانية المعاصرة.

واستطاع بما يملك من كاريزما غنية بذكاء خارق وعلم غزير ومقدرة فائقة على الإقناع والتأثير، أن يؤسّس مملكة خاصة به، تدين له بالولاء والطاعة العمياء، ويتربع على عرشها لأكثر من نصف قرن بلا منازع.

وبمهاراته التى لا تُضاهى في المكر والدهاء والإنتهازية والوصولية، استطاع أن يجد منفذًا في حركة الإخوان المسلمين، ويتغلغل في داخلها، وعندما وجد الفرصة مواتية، أقصى قادتها التاريخيين، بمسلك صاحَبه الإبتزاز والتهديد بشق الحركة.

 وحفاظا على وحدتها، رضخت له منكسرة ومضطرة. وكانت هذه بداية رحلة من الطموح الجامح والصعود الرأسي والأفقي، سعياً إلى  السيطرة على مقاليد الأمور في البلاد، ولم يتوقف أو يهدأ حتى لحظة رحيله. فقد وظّف الدين، وتدثّر بشعارات الإسلام السياسي وبالمقولات الدينية الفضفاضة، التي تدغدغ مشاعر الشعب السوداني المسلم بفطرته. وفي الجهة العملية، إتبع سياسة لا علاقة لها بتعاليم الإسلام السمحة في العدالة والمساواة وبسط الحريات.

وعلى حسب الحاجة والظرف، غيّر واجهة وعنوان تنظيمه، من الإخوان المسلمين إلى جبهة الميثاق الإسلامي، عبوراً بالجبهة القومية الإسلامية، وصولاً إلى المؤتمر الوطني، بعد إنقلابه على النظام الديموقراطي المنتخب في عام 1989، ثم إلى المؤتمر الشعبي بعد المفاصلة الشهيرة مع (الرئيس السوداني المخلوع عمر) البشير عام 1999.

وضع حجر الأساس لدولته ، التي نبتت وتجذرت وتعمقت وتأصلت في العام 1976، عندما وجد ضالته في نظام المشير (الرئيس السوداني الراحل) جعفر نميري، وكان حينها النظام في أضعف وأوهن حلقاته، فتحالف معه وتقلد منصب وزير العدل والنائب العام، وتقلد أحد قادة التنظيم أحمد عبد الرحمن وزارة الداخلية، وهكذا كان  هو حارساً  لقوانينه الإستبدادية الظالمة، المُقيِّدة للحريات. وأتاح له هذا الموقع المتقدم في السلطة الجائرة، أن يتمدد على كل الأصعدة، في أريحية، وسلطة أمنية، هو عنوانها وعينها الساهرة والمراقبة لكل صغيرة وكبيرة، بينما نظام نميري في غفلة عمّا يدور حوله من  تآمر .

كانت كل الأبواب مشرعة ومتاحة لخطته في السريان المباح، وأنجز قدراً مهماً منها، وامتطى الكثير من المؤسسات المالية والاقتصادية والثقافية في الدولة، وأعد ماكينة إعلامية ضخمة من صحفيين وكتاب يبشّرون بمشروعه الخطير .

وكان لهذا الكادر الإعلامي المميز، الدور الكبير في تقويض التجربة الديموقراطية الثالثة (1985 – 1989)، بممارسة النخاسة والدعارة الصحفية،  بتلفيق التهم الجزافية والأخبار الكاذبة وتشويه صورة النظام الديموقراطي ورموزه، مما هزّ هيبة الديموقراطية وقادة الأحزاب الداعمة لها.  الأمر الذي مهّد وقاد إلى خلق جوّ مساعد للانقضاض على النظام الديموقراطي المنتخب فى عام 1989 من قبل الجبهة القومية الإسلامية، عبر خدعة أنكر فيها صلته بالإنقلاب، وذهب إلى السجن حبيساً مع بقية رؤساء الأحزاب. وخرج منه بعد أشهر، بعد أن دانت له البلاد بكاملها، وكان هو الآمر والناهي. وأطلق يده في تنفيذ خطته الجهنمية في التمكين والإقصاء.

 وابتدع فقهاً لم نسمع به من قبل، مثل فقه التحلّل وفقه الضرورة وفقه التمكين، وغيره من ضروب الإستغلال المعيب للدين، وتطويعه بهتاناً لأغراض هي الأبعد من مقاصده.

أصدر قانوناً أسماه (الصالح العام)، أفرغ بموجبه الخدمة المدنية من العناصر الوطنية المؤهلة، وأحلّ مكانها عناصر موالية لتنظيمه، بلا علم أو تجربة أو خبرة. وفعل ذات الأمر مع قوات وقادة الجيش والشرطة والأمن، وأحال كلّ الضباط من الرتب الكبيرة إلى المعاش، وأجلس مكانهم ضباط موالين له، واتجه إلى الإقتصاد العام والخاص، وملّكه أيضاً لأنصاره، وأبعد كلّ من له إرث ومكوّن ورؤية إقتصادية وطنية، علماً وتجربة.

وظلت عملية الإقصاء والإحلال مستمرة على قدم وساق، طوال الثلاثين عاما العجاف من حكم نظام البشير – الترابي. وكانت النتيجة،  إنهيار كامل للدولة السودانية، وتصحر للمشاريع الزراعية المنتجة في دولة توصف بسلة غذاء العالم العربي، ودمار للبنية التحتية، من طرق ومواصلات جوية وبحرية ونهرية،  وسكك حديدية كانت هى الأطول في إفريقيا. وبيعت أصول وممتلكات السودان فى الخارج، وأراضي  زراعية شاسعة لأجانب بأبخس  الأثمان، وهربت عشرات المليارات من الدولارات، وأودعت في حسابات سريّة خاصة في بنوك أوروبية وآسيوية، من حصيلة عائدات النفط والذهب.

وهذه الأموال التي آلت الى أفراد في التنظيم أو للتنظيم، بأسماء أفراد، تُشكل مُعيناً مالياً ضخماُ لمستقبله، وتهديداً لمستقبل للعمل السياسي في البلاد.

عبر مسيرة استمرت حوالى 43 عاماً، منها ثلاثين عاماً، وسيطرة مطلقة، أحكم نظام البشير – الترابي قبضته على كل مفاصل ومفاتيح الدولة السودانية المدنية، العسكرية، الأمنية، الإعلامية،  الشرطية، العدلية والإقتصادية، التي باتت تعرف بالدولة العميقة، وصفاً ينطبق على مدى تجذرها وتفرعها إلى كل المرافق الحيوية، والمؤثرة بصورة مباشرة أو غير مباشرة على كل مناحي الحياة، من مأكل ومشرب وصحة وتعليم ومواصلات وتجارة وغيرها. وأضحت أخطبوطاً تجده ماثلاً في الحلّ والترحال ومنهج حياة، وسلوك رسخته الآلة الإعلامية الضخمة التى مارست تنفيذ خطة مرسومة بدقة، فى غسل العقول والتخريب التربوي بنهج دراسي معوجّ.

هذه هي المعضلة المتجسمة والعائقة، في طريق أي محاولة قومية جامعة لبناء دولة مواطنة، تستوعب مكونات المجتمع الإثني والجهوي والديني والثقافي، من منظور توافقي يحقق العدالة والمساواة والشفافية والتنمية المتوازنة، وتضع جميع المواطنين أمام قدرهم في تحمل المسؤولية التاريخية، بشروط وفرص متساوية. في بناء ونهضة الدولة المدنية الشعبية الديموقراطية، على أنقاض دولة الظلم والفساد والطغيان والإستبداد والتهميش والقهر. وجعل الديموقراطية وعاءً  يستوعب كلّ مكوّنات الشعب، بلا حجرِ أو إقصاء لأي فكرة أو رؤية، على هدي ومبادئ الديموقراطية الليبرالية.

*ناشط سياسي

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى