عربي ودولي

الرياض تفتح مسارًا جديدًا لقضية جنوب اليمن بعد حلّ “المجلس الانتقالي” الإنفصالي!


تشهد القضية الجنوبية في اليمن تحوّلًا سياسيًا لافتًا مع إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي، في خطوة أعادت رسم المشهد جنوب البلاد وفتحت الباب أمام مسار سياسي جديد ترعاه المملكة العربية السعودية، وسط دعم دولي وإقليمي متزايد لمساعي التوصل إلى تسوية شاملة للأزمة اليمنية.

جاء التطور عقب إعلان رسمي للمجلس الانتقالي، الذي كان أحد أبرز الفاعلين السياسيين والعسكريين في الجنوب، حلّ نفسه وكافة هيئاته وأجهزته، وإلغاء مكاتبه في الداخل والخارج، في بيان مصور بثته قناة اليمن الحكومية من العاصمة السعودية الرياض، وتلته وكالة الأنباء اليمنية الرسمية.

واعتبر وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان أن الخطوة تعكس تحوّلًا نوعيًا في مقاربة القضية الجنوبية، واصفًا قرار حل المجلس بأنه “شجاع، ويعكس حرصًا على مستقبل القضية الجنوبية”، ومؤكدًا أنه يشكل مدخلًا لمشاركة أوسع لمكونات الجنوب في مؤتمر الرياض المرتقب.

حلّ “المجلس الانتقالي” وإعادة تشكيل المشهد

جاء الإعلان عن حل المجلس الانتقالي الجنوبي في لحظة سياسية وعسكرية معقدة، أعقبت أسابيع من المواجهات المسلحة بين قوات المجلس من جهة، والقوات الحكومية وتحالف دعم الشرعية من جهة أخرى، في عدد من المحافظات الجنوبية والشرقية.

شهدت محافظتا حضرموت والمهرة، اللتان تشكلان معًا ما يقارب نصف مساحة اليمن، سيطرة لقوات المجلس الانتقالي مطلع ديسمبر الماضي، قبل أن تتمكن قوات “درع الوطن” من استعادتهما بعد معارك استمرت أيامًا، في ظل رفض المجلس حينها دعوات محلية وإقليمية ودولية للانسحاب.

تراجعت خريطة نفوذ المجلس تدريجيًا، مع إعلان سلطات محافظات أبين وشبوة ولحج ترحيبها بعودة القوات الحكومية، واقتصار وجود المجلس على مناطق محدودة في عدن والضالع، قبل أن يعلن حل نفسه بشكل كامل.

مثّل هذا التطور نهاية مرحلة سياسية اتسمت بالصراع حول شكل الدولة ومستقبل الجنوب، حيث كان المجلس الانتقالي يطالب بانفصال جنوب اليمن عن شماله، على أساس ما وصفه بتهميش تاريخي للمناطق الجنوبية، في مقابل تمسك السلطات اليمنية بوحدة البلاد.

مؤتمر الرياض ومسار القضية الجنوبية

تعمل المملكة العربية السعودية، وفق تصريحات رسمية، على تحويل هذا التحول إلى مسار سياسي منظم، عبر التحضير لمؤتمر جنوبي جامع تستضيفه الرياض، بمشاركة شخصيات من مختلف محافظات الجنوب، دون إقصاء أو تمييز.

أعلن وزير الدفاع السعودي أن بلاده ستشكل لجنة تحضيرية بالتشاور مع شخصيات جنوبية للإعداد للمؤتمر، مؤكدًا دعم المملكة لمخرجاته، وطرحها لاحقًا على طاولة الحوار السياسي الشامل في اليمن.

تأتي هذه الخطوة استكمالًا لدعوة وجهتها الرياض في الثالث من يناير الجاري، دعت فيها جميع المكونات الجنوبية إلى المشاركة في مؤتمر يهدف إلى وضع تصور شامل للحلول العادلة للقضية الجنوبية، وذلك بعد ساعات من طلب تقدم به رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي لاستضافة المؤتمر، وهو الطلب الذي حظي بترحيب عربي واسع.

ترى الرياض أن مؤتمر الجنوب يشكل فرصة لجمع الأطراف الجنوبية المتباينة، وصياغة رؤية موحدة تعكس تطلعات السكان، وتنسجم مع الجهود الدولية الرامية إلى إنهاء الصراع اليمني الممتد منذ سنوات.

تداعيات إقليمية ودولية

يفتح حل المجلس الانتقالي الجنوبي الباب أمام مرحلة جديدة من التعاطي الإقليمي والدولي مع الملف اليمني، في ظل سعي المجتمع الدولي إلى تثبيت التهدئة ودفع العملية السياسية نحو تسوية مستدامة.

يعكس الدعم الدولي لمؤتمر الرياض قناعة متزايدة بأهمية معالجة القضية الجنوبية ضمن إطار وطني شامل، يوازن بين الخصوصيات المحلية ومتطلبات وحدة الدولة، ويحد من عودة المواجهات المسلحة في المناطق الحساسة جغرافيًا وأمنيًا.

يعيد هذا المسار ترتيب موازين القوى في الجنوب، ويضع المكونات السياسية والاجتماعية أمام اختبار القدرة على الانتقال من منطق الصراع إلى منطق التفاوض، في وقت تتزايد فيه الضغوط الإنسانية والاقتصادية على البلاد.

يربط مراقبون نجاح هذا المسار بمدى شمولية المؤتمر المرتقب، وقدرته على تمثيل مختلف الأصوات الجنوبية، وتحويل مخرجاته إلى التزامات سياسية قابلة للتنفيذ ضمن إطار الحل الشامل للأزمة اليمنية.

قراءة سياسية

يرى المحرر السياسي والكاتب السعودي علي الحارثي، في تصريح لـ“القدس العربي”، أن ما جرى “يمثل لحظة فاصلة في تاريخ القضية الجنوبية، حيث انتقل الملف من حالة الصدام المفتوح إلى مسار سياسي منظم ترعاه دولة ذات ثقل إقليمي”.

ويضيف أن “حل المجلس الانتقالي لم يكن خطوة معزولة، بل نتيجة لتغيرات ميدانية وسياسية فرضت إعادة التفكير في أدوات إدارة القضية الجنوبية، ضمن سياق أوسع يسعى إلى إنهاء الحرب اليمنية”.

ويختم الحارثي بالقول إن “نجاح مؤتمر الرياض سيعتمد على قدرته في إنتاج تصور واقعي ومتوازن، يراعي تطلعات الجنوبيين، ويمنحهم دورًا حقيقيًا في مستقبل اليمن، دون إعادة إنتاج أسباب الصراع”.

خالد الطوالبة/ ” القدس العربي”

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى