مقالات

الشباب.. والتربية.. والضياع..!

الشيخ الدكتور حسّان محيي الدين/ لبنان
خاص “المدارنت”..
كثيرٌ من الشباب، يشكو بأنه يشعر أن هذا العصر الحديث الذي يعيشون فيه هو عصر الضياع، ومنهم ما يقول أنه يريد أن يعلم وأن يفهم وأن يهتدي، ولكن لا يجد معلماً فاهماً أو هادياً حتى في بيوتهم، كما يدّعون انبهمت مقاصد الحياة.
إنها حيرة الشباب في كل عصر، ولقد تذكرت حيرتنا ونحن شبان، نريد أن نصنع لأنفسنا هذا الشيء وذاك الشيء، لنبلغ به حياة نحمدها غاية، ونحمدها مسلكاً، ونريد أن نصنع لأمتنا هذا الشيء، وذاك، لنبلغ بأمتنا بين الأمم، موضعاً أرقى مما هي فيه، وآمن مما هي فيه، وأسعد مستقبلاً مما خلنا أنه سيكون لها.
كل هذا أردناه، وقليلاً ما وجدنا الهادي، وقليلاً ما وجدنا الناصح، ولكنه الناصح الذي لا يدري، وحملنا الزمان على ظهور أيامه حملا، فإذا هذا مدَرّس، وهذا حقوقي، وهذا طبيب، وتسأل أحدنا: لِمَ صرت ما صرت؟ فلا يكاد يجيبك أحدٌ جواباً شافياً.
هذا ما صنعناه لأنفسنا، أو ما صنعه الزمان، جرى بنا في طُرقٍ معبّدة من التجهيز للعيش، الراتب سبقنا آخرون إليها. ومع هذا لم ننسَ ما نصنع لأمتنا.
كانت الحياة، ونحن ندخل بابها أوائل هذا القرن، للشباب العربي غصّة، كنا ونحن طلبة، نجهز للوطن، وكنا ونحن طلبة، نتجهز لأسوأ حال يكون عليها الوطن، وجمعنا إلى الجدّ في العمل بقاعات المحاضرات، ولم نكن نعلم أن السلاح الفعّال على المدى الطويل إنما هو سلاح العلم والعرفان، فكان سلاحنا القلم، وكان هدفنا نحن الشباب في تلك الأيام الغابرة، نحن كهول هذه الأيام الحاضرة، أكثر وضوحاً من شباب هذه الأيام، ومن ذلك أن قِيَم الحياة كانت معروفة، وكذلك، كانت مطالبها والأرزاق.
الشاب، زيادة على علمه وثقافته واختصاصه وتربيته، يهدف إلى رزق معتدل، لا فقر ولا ثراء، وهو يعمل للتأهل لكسب الرزق بقدر ما يستطيع من جهد، وكان للمروءة في دم الناس قدر وافٍ، أكثر كثيراً من قدر في دماء رجال هذا العصر وشبابه، ومتع الحياة كانت عند شباب الأمس، قليلة، وكان زماننا أقل سرعة في جريانه من زمان شباب هذه الأيام، واتسع بسبب ذلك زماننا، لكي نمضغ فيه على مهلٍ ما عندنا من قليل اللذات، بساطة عشناها، وكانت من أجمل اللحظات التي مرت علينا، هذا كان شبابنا بالأمس، فما بال شباب اليوم؟
إنه شباب تغيرت الدنيا من حوله بسرعة مذهلة، تغيرت البلاد من حوله، علماً، وصناعةً متطورةً، واقتصاداً متقدماً، وصحافةً وإعلاماً جديداً، مستحدثاً بوسائل كانت أحلاماً في الماضي، ومواصلات، تصل البعيد بالقريب بخيال لا يُتَصوّر، ولكن مع ذهوله، وقف جاهلاً بأصول هذه الأشياء، والقليل منهم الذي أدرك هذه المبتدعات وهذه المخترعات، واكثرهم افتتن بمفاتنها افتتاناً عجيباً، وهو لا يدري أنها من صنع الغرب لتدمير الشرق.
إن هؤلاء لا شك قلة في الشباب، ضاقوا بالعيش بسبب سعة العيش، وأكثر الشباب الحاضر ضاق بالعيش لضيق فيه، فالقليل منهم كان ذا ذهن واسع الأفق، يشمل مرافق الحياة جميعاً، ومصادر الرزق فيها، فالبطالة المنتشرة في كثير من الشباب من أسباب الضيق، وقلة ذات اليد، وهي قائمة فعلاً للذين فرغوا من التعليم، ولم يجدوا عملاً في مجال اختصاصتهم، فهي حالة مشؤومة من عمل جيل، استند الى ملذات الحضارة المزيفة، فوقع في براثن الفراغ القاتل، ولا أخفي، رغم كل ذلك، إن شبابنا من خير شباب الأرض، ولكن نحتاج إلى الحكمة في توزيع الأدوار، وحسن التصميم والتنظيم، عندها لا بد أن تكون صحوة مصحوبة بعزمٍ، وإرادةٍ لقلب موازين، أحكم الغرب فيها السيطرة على شبابنا، وضيّع عليهم مكاسبهم ومعارفهم، فتكون إنطلاقة جديدة للتغيير، والمحافظة على الشباب العظيم في المجتمع…
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى