الشعب يريد إسقاط نظام الزعيم/ الطائفة/ القبيلة.. رسالة مفتوحة إلى شباب الانتفاضة اللبنانية
باريس/ “خاص المدارنت”
كتب د. أحمد حمّود… إن نار محمد البوعزيزي في تونس، أخرجت المارد الشعبي العربي من القمقم، ودشنت مرحلة جديدة واعدة، مهما تكاثرت وتعقدت العراقيل وطال الزمن وتعددت قوى الثورة المضادة الخارجية والداخلية.

وهكذا في موجة “الربيع العربي” الثانية، بعد السودان والجزائر والعراق، ها هو الشعب اللبناني بانتفاضته العابرة للمناطق والطوائف والفئات، يرعب نظام المحاصصة الطائفية والفساد والاستزلام والزبائنية والصفقات ونهب المال العام.
ورغم عظمة هذه الانتفاضة وشموليتها الوطنية، السؤال الذي يطرح نفسه هو : هل تستطيع قواها مواصلتها والحفاظ على سلميتها والوصول عبرها لتغيير حقيقي باتجاه الحرية والكرامة والديموقراطية والعيش الكريم؟.
نعتقد انه لا بد من الانتقال فوراً، الى تبني خطة عمل مبنية على أربعة محاور مترابطة.
أولاً، تنظيم الانتفاضة والانتقال الفوري من العفوية الى التخطيط والعمل المنظم.
ثانياً، تطوير آليات وأدوات مواصلة الانتفاضة والحفاظ على شعبيتها وشموليتها وسلميتها، مهما كانت الصعوبات وتواضعت الامكانات.
ثالثاً، الاستعداد الدائم للتفاوض، على الرغم من نفاق قوى وأطراف النظام، لكن ضمن شروط الانتفاضة.
رابعا، التوافق على سلّة مطالب موحدة، عملية وممكنة، تنطلق من الواقع القائم وليس من الاحلام والتمنيات.
فيما يلي محاولة للإجابة مطروحة للنقاش والبلورة، بدافع التأييد والمشاركة.
1- قبل تناول اي نقطة، ان شمولية الانتفاضة وضخامة الحشود وعفويتها، تستدعي بالضرورة وفورا ومن دون اي تاخير، ان تقوم قوى الانتفاضة بإطلاق أوسع حملة وطنية، لتشكيل “هيئات التنسيق الشعبية” في كل المواقع، بدءاً من الأحياء والقرى وعلى كل المستويات وصولاً الى المستوى الوطني.. ان الناس يعرفون بعضهم البعض جيّداً، ويعرفون من يختارون ليمثّلهم وينظّم حراكهم.
2- لا بد من التأسيس على عظمة وضخامة الحشود في المظاهرات، وذلك عبر الاعتماد على أعدادها الكبيرة لتوزيع قواها، بحيث يتم التناوب لتأمين مواصلة الحراك وتنظيمه وتطويره.
من هنا، لا بدّ وبشكل عاجل، أن تتولى قوى الانتفاضة في كل المناطق، تنظيم “عمليات مشتركة لدعم ومساندة وتعزيز صمود أهالي المناطق التي تسيطر عليها الميليشيات”، ومن اكبر التحديات الآن وفوراً، ان يتم تنظيم انتقال حشود كبيرة الى تلك المناطق، لمشاركة أهاليها في مظاهراتهم واحتجاجاتهم.. كما يجب التنبه لعدم ترك هذه الميليشيات تستفرد بالأهالي وتعزلهم، تمهيداً لقمعهم وإجهاض حراكهم.
3- ضمن إطار الحفاظ على سلمية الانتفاضة وحضاريتها، لا بد من العمل من دون هوادة، للحفاظ على انضباطية التظاهرات والأعمال الاحتجاجية، وعدم الإعتداء على الممتلكات العامة والخاصة. ومنها أيضاً، الكفّ عن إحراق الإطارات، وعن أيّ إجراءات مشوِّهة للحراك. ومنها أيضاً، تنظيم وتأمين الحاجات الأساسية للمشاركين في التجمعات والمظاهرات.
4- نلفت انتباه الناشطين والقائمين على تنظيم نشاطات الحراك، الى الأطراف والأجهزة وأدواتها والعناصر المندسّة ومثيري الشغب وناشري الإشاعات المُغرضة ومفتعلي الإشكالات، الذين لا شك سيحاولون تفخيخ الانتفاضة عبر دفعها الى الفوضى والعنف المسلّح، وبالتالي، من الضروري العمل على تطويق أفرادهم ومجموعاتهم وعزلهم وإبعادهم عن الجموع، وتسليمهم للقوى الأمنية – طالما أن هذه القوى تحافظ على أمن الحراك والمنتفضين.
5- إن شعار “إسقاط النظام”، لا يجوز أن يعني شيئاً آخر، غير تغيير النظام وأركانه والممسكين به، وبالتالي، من الضروري الحفاظ على الدولة ومؤسساتها وممتلكاتها وإدارتها. فالهدم ليس دائماً شرطاً للتغيير الإيجابي.
6- في هذه الظروف، لا شك أن الكثير من السياسيين وقواهم، سواء كانوا في مواقع الحكم والسلطة أو خارجها، لا شك انهم سيلجأون الى الخطابات والمواقف “المعسولة” والنفاق، والتقرب من رموز وناشطي وقوى الانتفاضة، وذلك من أجل “ركوب موجتها” لتجييرها لمصالحهم أو للإلتفاف عليها لإجهاضها. فحذار، حذار من هؤلاء المنافقين ومن اندساسهم في صفوفها.
7- ثمة أصوات بدأت ترتفع منذ اليوم الأول، إما لتطالب الجيش بالتدخل والإمساك بالسلطة، وإما لتطالب بتشكيل حكومة عسكرية، لا بل لتطالب بانقلاب عسكري، بالإضافة الى انتشار شعار مشبوه في الأوساط الشعبية بأنه “لا بديل إلا الجيش. فبصرف النظر عن النوايا، إن التجارب العديدة في الكثير من بقاع الأرض، أثبتت أنه لا يصحّ المراهنة على ذلك وأن الفشل كان دائماً نتيجة لكل من يمتهن غير مهنته.
8- وعليه، من الضروري ليس فقط دعوة الجيش والقوى الأمنية بكل تشكيلاتها، الى الإنحياز الى خيار الشعب، وإنما أيضاً إطلاق قوى الانتفاضة لأوسع حملة وطنية، تقوم فيها كل عائلة بتشجيع واحتضان وبالضغط النفسي والاجتماعي على الأفراد والضباط من أجل مساندة الانتفاضة، ودعمها وحماية نشاطاتها والدفاع عن قواها، وإلّا، فلْتَقِفْ على الحياد، وهذا أضعف الإيمان.
9- بعد أن تجلت عظمة هذه الانتفاضة بتجسيدها للوحدة الوطنية وبشموليتها لقوى الشعب، وبتجاوزها للحدود الطائفية والفئوية والمناطقية التي رسّخها نظام “الزعيم/الطائفة/القبيلة” منذ عقود طويلة، لا بد للقوى الحية والرموز الناشطة والنخب الصادقة، من العمل الدؤوب على تطوير التفاعل بين المواطنين، وبخاصة بين الشباب، من أجل اقتلاع الطائفية من العقول والنفوس والممارسات. كما لا بد لها من الحرص الشديد على عدم العودة الى الوراء، وعدم إعادة إنتاج نظام المحاصصة الطائفية الفاسد المفسد بأقنعة جديدة.
10- إن قوى وجماهير الانتفاضة مدعوَّة الى أن لا تنسى:
أولاً، أن الثورة لا تغيّر ولكنها تفتح الباب لإطلاق دينامية سياسية واجتماعية تؤدي الى التغيير الجذري الشامل.
ثانياً، ان تحقيق مطالب الشعب محكوم بظروف ذاتية وموضوعية معقّدة وبالتالي فإن ما لا يُدْرَك كلُّه لا يُتْرَك جُلُّه.
ثالثاً، ان تحقيق الإنجازات لا يمكن ان يتم بين ليلة وضحاها بل ان الطريق طويل ومحفوف بالصعوبات والمخاطر والتضحيات.
11- بما أنه لا يمكن عزل لبنان عن الخارج الإقليمي والدولي، وحيث أن الكثير من سمات الواقع الراهن تتقاطع فيها دول المحيط (ومنها مواجهة الهيمنة الإيرانية):
اولا، لا بد من الاستعداد للتنسيق، عاجلاً أم آجلاً، مع قوى التغيير في دول الجوار.
ثانياً، لا بد من طمأنة القوى الخارجية، ولكن من دون أي تنازلات تمسّ أهداف الانتفاضة، وبالتالي لا بد لمن يتكلّف بالإعلام من ناشطي الانتفاضة، من تكرار اعلان وتأكيد موقفها باحترام وبالالتزام بالمعاهدات والاتفاقيات، مع الدول الخارجية والهيئات والمؤسسات الأممية.
12- نختم هذه الرسالة بما بدأنا به لأهميته القصوى: ضمن إطار تنظيم الانتفاضة، لا بد من العمل الفوري على تشكيل هيئة تنسيق تنفيذية تقوم بمهام ووظيفة "حكومة ظل،والاستعداد منذ الآن لتولي مهام الإشراف على تسيير المؤسسات والادارات الحكومية.
يا شباب الإنتفاضة، لقد صبرتم طويلاً حتى عجز الصبر أن يصبر معكم، على فساد واستهتار الطبقة الحاكمة وحواشيها، في كل المجالات السياسية والإدارية والثقافية والدينية والاقتصادية… وبعد هذا الصبر، ها قد خرجتم سلمياً إلى الشوارع والساحات، لإسقاط نظام الزعيم/الطائفة/القبيلة، فلا تعودوا إلى بيوتكم إلّا مكلّلين بالنصر، بعد أن تطلقوا ورشة بناء لبنان الوطن والمواطن الحرّ السيّد المستقل على أسس الحرية والكرامة والديموقراطية والعيش الكريم.



