الصحافة ليست رسالة بل مهنة!

“المدارنت”
الصحافة ليست رسالة بل مهنة، والقنوات الاعلامية ليست جمعية خيرية بل مؤسسات تجارية
هوس “الرايتينغ” ذريعة لتحويل الحوار إلى استعراض ” للتفاهة والاستهزاء وجلد الضيف”
في بداية عملي في التصوير الصحافي، التحقت بجريدة “النداء”، الناطقة بلسان الحزب الشيوعي اللبناني. كنت في ربيع شبابي، ولم أكن أعرف من الحياة الكثير خارج مقاعد الدراسة وجلسات رفاق الحي والمدرسة. يومها، استقرّت في رأسي أفكار عن الصحافة باعتبارها رسالة وتضحية وفداء.
كانت “النداء” صحيفة حزبية تحمل رسالة سياسية إلى مناصريها، لكنها كانت تمارس العمل الصحافي بحرفية. أما أنا، فقد فهمت الرسالة على طريقتي البسيطة وسعيد انني احمل كاميرا وأسمي “مصور صحافي” وليس أي شيء آخر. لم يعنيني تدنّي راتبي الذي كان يبلغ مئتي ليرة لبنانية عام 1976، إلى أن سألني زعيم الحزب آنذاك، نقولا الشاوي، عن راتبي، باعتباري المصوّر الوحيد في الجريدة. وحين عرف قيمته، رأى أنه قليل، وطلب من خليل الدبس رفعه إلى أربعمئة ليرة.
بقيت فكرة أن الصحافة رسالة راسخة في رأسي، وأن الرسالة تعني الطاعة وعدم الاعتراض على أي شيء، إلى أن انتقلت لاحقًا للعمل في مؤسسات صحافية عدة، لأكتشف الخديعة: الصحافة مهنة وليست رسالة، ولا ينبغي أن تتحوّل الرسالة الأيديولوجية لصاحب المؤسسة إلى ذريعة لتشغيل الصحافيين بأقل الرواتب.
فالصحيفة مؤسسة تسعى إلى الربح، وإذا لم تحقّق ما يكفي من الإيرادات، تصبح استمراريتها مهدّدة. هذه هي الحقيقة الاقتصادية للصحيفة. أما العمل الصحافي، فهو فنّ إيصال الخبر، والحصول على المعلومة الصحيحة التي تهمّ الرأي العام، وتقديمها بطريقة تجذب القرّاء وتزيد مبيعات الصحيفة.
وأستذكر هنا معلومة قرأتها قبل وفاة الأميرة ديانا، مفادها أن الصحف في لندن كانت تشهد ارتفاعًا كبيرًا في مبيعاتها الأسبوعية عندما تنشر صورها وأخبارها، لتصل، بحسب ما قرأت يومها، إلى نحو عشرين مليون نسخة، مقابل نحو سبعة ملايين في غياب أخبارها وصورها. ولا أملك اليوم توثيقا لهذه الأرقام، لكنني أستحضرها مثالا على العلاقة بين الخبر والصورة والمبيعات.
إذًا، الصحافة كمهنة هي فنّ إيصال الخبر، والخبر الذي يجذب القرّاء يزيد المبيعات.
أما إشاعة أن الصحافة رسالة، وأنها كلّها أخلاق وعبادة وتضحية، فهي شعارات روّجت لها بعض الصحف الحزبية والدينية، وساهمت بعض الجامعات في ترسيخها في أذهان طلابها.
ولمن يسأل: أين الأخلاق من كل ذلك؟ الأخلاق مطلوبة في كل شيء، وليست حكرا على الصحافة. فالصحافة مهنة تخضع للقوانين العامة، ولها أصولها المهنية وحدودها في نقل الخبر وإبداء الرأي والتأثير السلمي في المجتمع. وهي مهنة تقتضي الالتزام بالأخلاق العامة، واحترام الحياة الشخصية للأفراد ما دامت لا تتصل بالشأن العام، ولا تتعلّق بممارسة مسؤولية عامة تستوجب النقد والمراقبة.
ومع مرور الوقت، اكتشفت أنا وزملائي، من خلال عملنا في الصحف والوكالات، أننا نخضع لحسابات الربح والخسارة لدى ربّ العمل. بالنسبة إليه، نحن أرقام في الميزانية، ننتظر مقصلته عند إعداد حسابات نهاية السنة.
اذا الصحافة مهنة، كسائر المهن وليست رسالة ابدا. مهنة ولا شيء آخر، مهنة تجارية لها نظامها وأصولها وطريقة عملها، تبغى الربح المادي. وللعاملين فيها حقوق لا يجوز أن تُختصر بشعار التضحية.
القنوات الإعلامية وهوس المشاهدات
وبالعودة إلى القنوات الإعلامية، كنا في الماضي نستمتع بأيديولوجية الدولة عبر “تلفزيون لبنان”، من خلال مسلسلات “أبو ملحم” و”أبو سليم”، ومقابلات سياسية معبّأة بالتشويق لكلام الزعماء، ونشرات أخبار تُعدّ بعناية، من دون تهجّم على أحد. أخبار موزونة، ومقدّمو برامج محترفون يمتلكون مهارة طرح الأسئلة وإدارة الحوار.
أما اليوم، فقد اكتسبت قنوات إعلامية كثيرة هوية جديدة، عنوانها هوس “الرايتينغ” وزيادة عدد المشاهدين. وكلما ازدادت الإثارة، أو ما يُقدَّم أحيانا من “تفاهة واستهزاء “، ارتفعت، في اعتقاد القائمين على هذه البرامج، نسب المشاهدة، وبالتالي الإعلانات والمداخيل.
ومن مظاهر هذه الهوية الجديدة، التي لا أعمّمها على جميع القنوات، أسلوب “الجلد” التلفزيوني. يُستضاف شخص ليبدأ مقدّم البرنامج بجلده على الهواء، في محاولة لانتزاع تصريح يُحدث ضجّة، ولو كان غير دقيق، أو للضغط عليه بأسلوب هزلي يهدف إلى إثارة المشاهدين.
وبالمناسبة، بعض مقدّمي البرامج، على طريقة “بالِع راديو”، لا يتركون للضيف فرصة لإيصال رأيه. رشقات متواصلة من الأسئلة والمقاطعات والتعليقات، لتنتهي المقابلة من دون أن نفهم موقف الضيف، بعدما طغى صوت المقدّم على الحوار.
وليس المقصود أن يمتنع المحاور عن طرح الأسئلة الصعبة، بل أن يتيح للضيف فرصة الإجابة عنها. فالمقابلة الصحافية ليست مسابقة في مقاطعة الضيوف، ولا تُقاس مهارة مقدّمها بقدرته على رفع صوته. ليس المطلوب من الإعلامي أن يجامل ضيوفه أو يمتنع عن طرح الأسئلة الصعبة. على العكس، فالمساءلة والمواجهة جزء أساسي من العمل الصحافي. لكن هناك فرقًا بين السؤال الصعب الذي يكشف الحقيقة، والاستفزاز الذي يصنع مشهدًا قابلًا للتداول على وسائل التواصل الاجتماعي.
القنوات الإعلامية ليست جمعيات خيرية
الفكرة ببساطة هي ألّا يحاول أحد إقناعنا بأن القنوات الإعلامية في لبنان جمعيات خيرية وصاحبة قلب كبير وهدفها نشر المحبة وزرع الأخلاق، بل هي بالتحديد مؤسسات تجارية بإمتياز تسعى إلى الربح وزيادة مداخيلها، مؤسسات ذات استثمارات مالية، ويسعى بعض أصحابها إلى توظيف نفوذها الإعلامي للوصول إلى مواقع سياسية.
أما القنوات الحزبية والدينية، فلا تخضع جميعها لمعادلة الربح والخسارة بالطريقة نفسها، لأن نشأتها ترتبط بأيديولوجية الحزب أو الطائفة التي تقف وراءها، وتستمدّ منها الدعم اللازم للاستمرار، بهدف طرح أفكارها ومخاطبة جمهورها ومناصريها.
فلنتوقّف عن التعامل مع القنوات الإعلامية وكأنها جمعيات خيرية أُنشئت لخدمة المجتمع وحده.
الصحافة مهنة وليست رسالة، والقنوات الإعلامية ليست جمعيات خيرية. فلا تجعلوا من شعارات الرسالة والتضحية وسيلة لحرمان الصحافي من حقوقه ومن امتيازاته ،وإعطاء المهنة هالة مقدسة، ولا من هوس “الرايتينغ” ذريعة لتحويل الحوار إلى استعراض ” للتفاهة والاستهزاء والجلد”. والإستخفاف بعقول المشاهدين.



