مقالات

الطبقة الوسطى في ذكرى جمال عبد الناصر

الراحل جمال عبد الناصر
كتب صلاح سالم/ مصر

“المدارنت”
من دون طبقة وسطى عريضة تضم أغلبية المجتمع، تملك طرائق عيش متجانسة، وأنماط تنظيم فعالة تمكنها من فرض حضورها السياسي، لا يمكن لمجتمع أن يتطور أو لأمة أن تصلب عودها.

فالطبقة الوسطى هي تلك التي تنطوي رؤيتها للعالم على الأمل والإرادة، وتدور رؤيتها لنفسها في فلك الطموح والمعرفة، ويشعر أعضاؤها بالمسئولية عن شخصية أوطانهم. إنها الطبقة البرجوازية التي خرجت الحداثة الأوربية من رحمها، انطلاقا من الثورات الصناعية والتحولات الرأسمالية.

وهى الطبقة الثالثة، حسب أدبيات الثورة الفرنسية، التي احتضنت التنوير وحمت فلاسفته الكبار من تعسف الإقطاع والكنيسة. وهى الطبقة التي أخذت تتشكل ببطء في ظل الدولة الوطنية المصرية، وقد نمت تدريجيا وازدادت تفتحا وتنورا في أعقاب ثورة 1919م. ودستور 1923م. وما تلاه من استقلال اسمي وحقبة شبه ليبرالية. لكنها اتسعت وتعمقت مع جمال عبد الناصر ومشروع يوليو الاجتماعي، الذي قام على التعليم المجاني والتصنيع الكثيف.

بعد ستة وخمسين عاما من رحيله لا يزال ناصر عصيا على النسيان، تتفجر في ذكرى مولده ورحيله كل طاقات الجدل بين من أحبوه بعمق، ومن كرهوه بشدة، حول دوره في الحياة المصرية، خصوصا علاقته بالأوجاع الراهنة للطبقة الوسطى. تبقى كراهية البعض مبررة، كالإقطاعيين الذين نزعت أراضيهم بقوانين الإصلاح الزراعي، أو للرأسماليين الذين أُممت مصانعهم، أو الساسة القدماء الذين فقدوا أدوارهم.

لكن تظل كراهية البعض الآخر غير مبررة بل محيرة، خصوصا أولئك الذين ينحدرون من أصول بسيطة، ممن نشئوا في كنف مشروعه، وترقوا بفضل ما أتاحه الرجل من تعليم جامعي مجاني وتوظيف عادل، حتى احتلوا مراكزهم المعتبرة في دولاب الدولة، لكنهم بالتدريج نسوا أصولهم، وخانوا قيمهم الكفاحية واصطنعوا لأنفسهم وضعا طبقيا متعاليا، ثم أخذوا يزرفون الدموع حنينا إلى نمط الحياة الأرستقراطي في العهد الملكي. والحقيقة أن هؤلاء ليسوا إلا هاربين طبقيين، أفقدتهم عقد نقصهم القدرة على إدراك ثلاث حقائق تاريخية:

الأولى أن استمرار الملكية كان مستحيلا، ولو لم يقتطفها ناصر لسقطت في يد الإخوان. وأن استمرارها، لو كان ممكنا، لم يكن ليسمح لهم بحجز مكان في عالمها المخملي. ولو افترضنا أن النابهين من البسطاء في العلم والفن والفكر كانت لديهم فرصة الدخول إلي هذا العالم من باب الهبات والمنح، تبقى المشكلة قائمة لأن أغلب المشمئزين من الجمهورية ليسوا بين هؤلاء، بل مجرد مديوكر، بلغت خفتهم حدا لم يدركوا معه أنهم عندما يربطون حالهم الذي بلغوه الآن بعالم الملكية المخملي، يصبحون كأرباب الإسلام السياسي الذين يستدعون زمن الفاروق عمر إلى عالمنا، متصورين أن الخير سيتدفق في طرقات المدن وأزقة الأرياف، لو أنشأنا الدولة الدينية، وكأن دولة الملالي في إيران أو عام حكم الإخوان لمصر أمثلة تُحتذي.

الثانية إن هؤلاء المشمئزين من نمط الحياة الاشتراكي في العهد الناصري، هم الذين أفسدوه. كان المفترض أن يحفظوا ميراث العدالة الاجتماعية، وأن يطوروه إلى اشتراكية ديمقراطية، لكنهم خانوه من مواقعهم المختلفة، عندما استسلموا للفساد والرشوة والمحسوبية، ولنا أن نتساءل:

من الذي بدأ سياسة توريث المناصب غير أبناء الطبقة الوسطى، الذين ركلوا السلم بعد صعودهم عليه ليحرموا القادمين الجدد من بلوغ الأدوار العليا ويقصروها على أبنائهم وربما أحفادهم. حدث ذلك في كل المهن بلا استثناء، حتى بلغ الأمر ذروته مع الرئيس الأسبق مبارك، الذي يبدو أنه حدث نفسه: إذا كان الجميع يورثون أبنائهم فلماذا لا يورث هو حكم مصر كلها؟. أما المفارقة الكاملة فتتجسد في بعض الذين تعلموا في المدارس الحكومية والجامعات الوطنية، وبُعثوا إلى لخارج لتحصيل شهادات عليا واكتساب خبرات نوعية، فإذا بهم يستحسنون الإقامة في الغرب تلبية لطموحاتهم الشخصية دون أدني شعور بالمسئولية.

أما العائدين منهم فأخذوا يهجون سلطوية ناصر قياسا إلى ما شاهدوه من نظم ديمقراطية. لهم الحق، قطعا، في نقد التجربة من داخلها بغية تصويبها والإضافة إليها، وإلا فما معنى ابتعاثهم أصلا؟ ولكن ليس لهم أدنى حق في إدانتها كليا، إلى حد اعتبار التعليم المجاني كابوسا أفسد النظام المعرفي، والسد العالي مجرد حائط حرم الأرض من طمي النيل، وقوانين الإصلاح الزراعي التي منحت الفلاحين حق الحياة كبشر محض وسيلة تفتيت للملكية دمَّر قدرات مصر الزراعية. بل إن تأميم قناة السويس والانتصار السياسي والمعنوي على العدوان الثلاثي وتدشين مصر قائدا لحركة التحرر القومي، تهابه القوى الكبرى وتتحسب لردود فعله على سياساتها في المنطقة، صار لديهم مجرد سلوكيات عبثية لإرضاء نرجسية الزعيم.

أما الثالثة، فهي أن بعض هؤلاء الليبراليين الذين عابوا على ناصر سلطويته الفعالة والعادلة، قد عادوا ليخدموا ورثته الذين افتقدوا جل ميزاته ولم يحتفظوا سوى بسوءته الكبرى، أي السلطوية العارية. بل إنهم تفاخروا بالقرب من الوريث الذي حاول خطف الجمهورية. لا تفسير لهذا التناقض إلا بانتهازية أناس وضعوا عقولهم في أحذيتهم، وفرشوا ليبراليتهم بغطاء أطماعهم، وساروا خلف مصالحهم على جثة الوطن.

هكذا توالت وقائع الخيانة الكبرى التي ارتكبتها الطبقة الوسطى في حق ناصر، داعية التحديث والتحرر والعدالة، الذي رحل عن عالمنا ولم يكن هذا حالنا من الفوضى والعشوائية، ولا يجب أن نحاسبه على ما فعلنا بتجربته بعد رحيله، تلك التجربة التي وقعت في سلبيات عدة كأي خبرة إنسانية حية، ولكن يبقى لها فضل السبق في تحرير مصريين كثيرين من أسر الإقطاع، وتكوين طبقة وسطى عريضة، بل كتلة تاريخية حديثة، لم تستطع أن تؤسس لنفسها مشروعا سياسيا يكرس دورها ويضمن استمرارها، فظل وجودها عرضة لعوامل التعرية ولعواصف الرأسمالية الجديدة/ الفائقة.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى