مقالات

الطغيان في سوريا.. من الاعتقال الى المقتلة

أحمد مظهر سعدو/سوريا

//خاص المدارنت//… يقول الدكتور مصطفى حجازي في كتابه (الانسان المهدور): “الطغيان هو السلطة المحضة، ليس على مستوى الحكم والسياسة وحدهما، بل على مستوى المجتمع ذاته. الطاغية باختصار يفترس المجتمع بما فيه من مؤسسات وهيئات وناس. إنه يلتهم الجميع، ولا يقبل أن يترك شيئًا خارجه. قوّته وسطوته تتغذى من عملية الالتهام المستمرة هذه، حتى ليصبح هو البلد والبلد هو، هو المؤسسات، والهيئات جميعًا”.

ثم يقول: “الطغيان يشكل أعلى درجات الاستبداد وأشدها بطشًا ومباشرة وفجاجة. فالاستبداد هو تفرّد وتسلط، أما الطغيان فيقوم على سلب السلطة بالقوة، والبغي والظلم والفساد، بما يجاوز الحدّ ويصل (في الدلالة العربية للكلمة)، إلى مجاورة الكفر (ليس في العقيدة الدينية بالضرورة، انما في التعدّي على إنسانية الانسان) الاستبداد يكم الأفواه ويقمع المعارضة، إلا أنه يرتضي من الناس الصمت”.

هذا الاستهلال من الدكتور حجازي، أريد منه الوصول إلى مقاربة أولية، مفادها أن معظم هذا التصوّر ينطبق اليوم على التغوّل الأسدي على مجمل الوضع السوري منذ ما يقرب الخمسين عامًا. فقد بات الوضع السوري مع آل الأسد غير خافٍ على أحد، من دمار ودماء وتنكيل بالبشر والحجر والاقتصاد، وراح الغادي والصادي يتدخل في الواقع السوري، من هنا ومن هناك، سواء كان مع سوريا الشعب، أو مع سوريا السلطة.

المهم، إن الجميع راح يعتبر الساحة السورية ساحة للصراع والحرب، وآخر همّهم مآلات الشعب السوري المقهور، الذي كان قد خرج في ثورته الظافرة منذ ثماني سنوات ونيف، ليعيد تأسيس حياته على معطيات جديدة، وبنى مختلفة، حياة ديموقراطية، غُيِّبَت منه وعنه منذ عام 1970.

لقد خرج الشعب السوري بثورة سلمية ديموقراطية، ينادي بالحرية أولاً وقبل كل شيء، ينادي بالكرامة المترافقة معها، والمواكبة بالضرورة للحرية المفقودة، والمغيبة. وكأن خروجه ذاك لم يرُق للكثيرين داخلاً، وخارجًا. فراحوا يفعلون كل ما يستطيعون لتحويل هذه الثورة الشعبية السلمية، إلى حالة صراع مسلح يُغْرِق الشعب والوطن بالدماء، ويؤدي إلى تهديم البنية التحتية للوطن كل الوطن، وليجدوا ما يبرّر تلك التدخلات الخارجية، التي لا يهمّها سوى مصالحها، من دون الالتفات إلى مصائر الشعوب، فلا التدخلات الأميركية والغربية برمّتها، ولا التدخلات الفارسية وتوابعها، كانت مِمن يهتم لمصالح الشعب السوري، حيث أوصلوا عدد شهدائه إلى المليون، حتى الآن حسب إحصائيات توثيقية.

هذه الأمم التي تخلّت عن الشعب السوري، وتركته لمن يتكالب عليه، كما تركته لهذا القمع الهمجي السلطوي، الذي أهدى الشعب السوري الكيماوي والفوسفور والبراميل، وكل أنواع الدمار والحقد الروسي ـ الأسدي ـ الايراني.

ما يزيد عن ثماني سنوات من التخلي عن الشعب السوري، مضت دماراً وقتلاً وتشريداً. سنوات مديدة والأمم كل الأمم، متخلية عن مسؤولياتها الحقيقية تجاه هذا الشعب المقهور، الذي لم يكن يوماً إلا متحمساً ومهتماً بكل ما يدور من حوله، سواء في الأمة العربية، أو الأمم الأخرى في العالم.

لقد تُرك الشعب السوري بحقّ، وهذا لا بدّ أن يكون واضحاً دائماً أمامنا، أياً ما كانت وطأة الظروف الدولية وموازين القوى، ناهيك عن المواقف المتحيّزة أصلاً، والمنحازة بل والمضادة لوجودنا الوطني كدولة موحدة، ومؤسسات دولة، أياً ما كانت السلطة أو الحكومة التي تمسك بزمام الأمور.

كما لم تكن الهدية المقدمة الى الشعب السوري، بينما تستمر المقتلة في إدلب وما حولها، من قبل الإدارة الأميركية، بالعودة عن مواقفها السابقة المعلنة، على الأقل عبر إعطاء صكّ تمليك الجولان الى إسرائيل، خارج السياق، أو خارج التصوّر السياسي التحليلي، لمواقف الإدارات الأميركية المتتابعة من قضايا الأمة عموماً، ومنها القضية الفلسطينية، أو قضايا الأمة الأخرى في سوريا أو العراق أو مصر، فهذا من ثوابت السياسة الأميركية في نهجها، وتطلعها الى الهيمنة، وحرصها على الكيان الصهيوني ومصالحها النفطية وسواها، ونفيها الدائم لوجودنا القومي كأمة، وشعوب عربية لها الحقّ في الاستقلال والسيادة وتقرير مصائرها في هذه المنطقة من العالم، فهي معادية لأيّ سياسات مستقلة، ولأيّ تكامل وقوة تقوم في المنطقة، فضلاً عن أن الولايات المتحدة الأميركية تبقى الحليف الاستراتيجي، والشريك الكامل لإسرائيل، في كل عدوانيتها وحياتها ككيان غاصب، أهم لديها من كل الشعوب العربية. وقد كان واهماً كل من يتصوّر أن الإدارة الأميركية، يمكن أن تقف إلى جانب الشعب السوري، أو الشعوب العربية الأخرى.

الإدارات الأميركية، وعلى الدوام تحاول إعادة كتابة التاريخ لهذه المنطقة، ولهذه الشعوب ولهذه الأنظمة، كما تريد هي، لا كما تريد الشعوب، كل ذلك انطلاقاً من إغفال وجودنا كأمة، وإلى تجزئة هذا الوجود وبعثرته، وإقامة التناقضات فيما بينه، وإلحاقه برباط التابعية للغير، وإخراج شعب أمتنا من التاريخ، وصنع التاريخ. ولا ننسى في هذا السياق حرب الخليج الأولى والثانية، وتدمير العراق، وما يجري في العراق حالياً. ومن ثم تدمير الروابط العربية، بحيث لا تقوم قائمة لجامعة تجمع، أو نظام أمن عربي يلمّ، وكانت تقدم النفوذ الأميركي في المنطقة، وتقدم السيادة الأميركية في العالم، مرادفة لتقدم المشروع الصهيوني، والسيادة الإسرائيلية في المنطقة.

اليوم، ومع هذه المواقف الأميركية تجاه الوضع السوري، إنما يبيع الأميركيون فيها مواقف الى إيران. تاركين الشعب السوري يلاقي الدمار والقتل، من دون أن يكلّفوا أنفسهم أي ّفعل جدّي لإنهاء التدخل الإيراني السافر، وتوابعه في الواقع السوري.

تصرّ أميركا ومعها من معها، وكذلك الروس، وأيضاً الفرس، على أن يستمر الدمار في سوريا، وأن يستمر التهجير والحصار على الشعب السوري أولاً، وليس على النظام القاهر المستبد، والذي وصل إلى ما وصل إليه، من دمار لم يسبق أن حصل في التاريخ الحديث للأمة.

كم ستحتاج سوريا لو وقفت الحرب اليوم، وليس غداً، وكم تحتاج سوريا لترميم النفوس قبل الاقتصاد وقبل الحجر. كل ذلك ليس هماً للإدارة الأميركية، ولا للروس، ولا للفرس. فهذا التنكيل وهذا الدمار واستمرار نزيف الدم ومواصلة القصف البراميلي، يُراد منه إنضاج الظروف لتفجير البنية الاجتماعية للداخل السوري، وتحويل سوريا إلى كيانات، أو كيان ضعيف مُقطع الأوصال. يسالم إسرائيل، ويستسلم لها، ويعترف ويطبع ويمد أنابيب نفطية إليها وعبرها، وليخضع بالولاء لأميركا والمخططات الأميركية، وما يسمى بالاحتواء الأميركي، شأنه شأن غيره من الدول التي تم احتواءها. هذا في الوقت الذي تظل فيه سوريا تحت التهديد من شمالها إلى جنوبها، وتحت الضغوط الأميركية، لكي لا يقوم أيّ تواصل بينها وبين شعوب ودول أمتها، وعمقها الاستراتيجي العربي والاسلامي.

ذلك هو المسار الإجباري الذي اختطه الحلف الأميركي – الصهيوني للمنطقة، وسوريا منها. وينفذه اليوم نظام القهر الأسدي، وهذا مُعطى من معطيات النظام العالمي الجديد، الذي بشّر به (بوش الأب) وتابعه من بعده (كلينتون) و(بوش) الابن، وصولاً إلى (أوباما) وإدارته ثم (ترامب).

ونتحدث في ذلك، لنؤكد أن النظام القمعي الشمولي الاستبدادي وتغييره، بات ضرورة أكثر من أيّ وقت مضى، والعودة إلى الثورة السلمية ثورة الحرية والكرامة وثوابتها، هو الحلّ، وليس الاعتماد على الخارج الأميركي، أو سواه.

إن غضب الشعب السوري سوف يستمر، حتى يحقق غايته في الحرية والكرامة. لقد خرجت الشعوب ومنها الشعب السوري من القمقم، الذي حُبست فيه طويلاً ولن تعود إليه. وقد عرفت كيف ترفع صوتها وتعلن إرادتها. إن حركة التاريخ قد أثرت وما زالت تؤثر على مواقف القوى السياسية والمعارضات بكل تلاوينها. وعلى هذه المعارضات اليوم، وأكثر من أيّ وقت مضى أن تعود إلى حواراتها وتحالفاتها من جديد، وأن تتفق على رؤيا واضحة لعملية التغيير المنشودة. ولن يكون مع الشعب السوري كإمكانية للقوة والتغيير، بأهم من وحدة أو تآلف أو تحالف قوى المعارضة، بجميع ألوان الطيف، لأن الغاية واحدة مهما تعددت الوسائل، وسوريا كانت ويجب أن تبقى موحدة، لا تقبل التجزئة أرضاً وشعباً، مهما حاول البعض دون ذلك. والشعب السوري وقواه الحية يحمل المسؤولية، وعليه أن يستمر بحملها في هذه الظروف، وبحكم موقع سوريا من الأمة ومن التاريخ ومن الجغرافيا أيضًا.

وعلى قوى الشعب السوري الحيّة بكل أطيافها، أن تحقق ما يتطلع إليه العقل الجمعي للشعب السوري، أيّ أن تقوم بخطوة جريئة تتخطّى بها المحرّمات الموضوعة في وجهها، ولا تقف عند حدود البيانات، وكسر حالة الجمود. بل التحالف من أجل هذا الشعب، الذي يعاني يومياً من ظروف الحرب، والدمار، والقمع النازل فوق رؤوسه في كل أنحاء سوريا.

ويبقى الرهان الكبير على حبّ سوريا، وشعب سوريا، وجماهير سوريا، وما أعطته عبر نزولها إلى الشارع، والإمساك مباشرة بقضيتها.. قضية الشعب السوري في الديموقراطية، والحرية، والكرامة.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى