العراق.. المناهج الحكومية والعبث!

“المدارنت”
بعد أكثر من خمسة أشهر ونصف على أداء حكومة علي الزيدي اليمين الدستورية، يبدو واضحا للمراقبين أن لا شيء قد تغير في العراق، رغم الإفلاس الرسمي للدولة، فالحكومة الجديدة تتبع خطوات الحكومات السابقة تماما، من دون أي مسعى لإصلاحات هيكلية حقيقية، بل ثمة إخفاق حقيقي في تنفيذ المنهاج الوزاري الذي أعلنته الحكومة نفسها، والذي كانت الغالبية العظمى من مواده نسخا حرفيا من المناهج الوزارية للحكومات المتتالية، وعجزت عن تنفيذها!
فالمنهاج نص في فقرته الأولى على «حصر السلاح بيد الدولة وإنفاذ سلطة القانون»، ولكن الزيدي تراجع عن لغة الخطاب نفسها، عبر استخدام مصطلحات «تنظيم السلاح»، و»ضبط السلاح» بديلا عن «حصر السلاح»، وعبر إعادة تسويق خرافة الفصل بين الحشد الشعبي والميليشيات من جهة، وعبر مسرحية التغطية على الميليشيات المسلحة المرتبطة عقائديا وتنظيميا ولوجستيا بإيران، من خلال تسليم الميليشيات أسلحتها لتشكيلاتها المنضوية في الحشد الشعبي نفسه، وأخيرا عبر تأجيل حسم الملف كاملة!
بل أن المنهاج نفسه كرس تداخل الصلاحيات العسكرية والأمنية للحشد الشعبي بخلاف القانون عندما تحدث عن «تحديد مسؤولياته ومهامه ودوره في المنظومة العسكرية والأمنية»، وهناك خشية حقيقية من أن يتضمن القانون الجديد المزمع مناقشته في مجلس النواب على منح ميليشيا الحشد الشعبي صلاحيات أمنية واسعة، يزيد من ازدواجية عمل المؤسسة الأمنية في العراق.
إن قانون هيئة الحشد الشعبي رقم 40 لسنة 2016 نص على أن هيئة الحشد الشعبي تعد «جزءا من القوات المسلحة العراقية»، وبالتالي فهي ليست جزءا من المنظمة الأمنية، ولكن الحشد الشعبي، وعلى مدى السنوات الماضية، وسع صلاحياته لتشمل صلاحيات أمنية واسعة، ومن دون أي إطار قانوني، وبتواطؤ جماعي من الدولة العراقية وسلطاتها ومؤسساتها!
في السياسة الخارجية، وعلى الرغم من الزيارات التي يقوم بها رئيس مجلس الوزراء للدول العربية، وعلى الرغم من الخطابات المفرطة في تفاؤلها، فهي لم تختلف حتى اللحظة عن الزيارات التي قام بها رؤساء الوزراء السابقون، والخطابات التي ألقوها حولها، فالعراق ما زال يفتقد إلى استراتيجية متفق عليها للسياسة الخارجية، سواء فيما يتعلق بالدول العربية، أو تركيا وإيران، أو بالمجتمع الدولي عموما، وما زالت السياسة الخارجية للعراق ارتجالية يقوم بها رئيس مجلس الوزراء منفردا، من دون أن يكون هناك موقف موحد للدولة العراقية وسلطاتها وقواها السياسية المؤثرة وراء تلك السياسة!
على سبيل المثال لا الحصر، تحدث المنهاج الوزاري عن «اعتماد مبدأ عدم السماح أن يكون العراق ممرا أو منطلقا للاعتداء على الدول الأخرى، وعدم السماح للدول الأخرى بالاعتداء على العراق والتدخل في الشؤون الداخلية»، وهذا ما عجزت عنه الحكومة العراقية حتى اللحظة، فآخر هجوم انطلق من العراق ضد العربية السعودية كان بتاريخ 10أيلول/ سبتمبر 2026 عندما أعلنت وزارة الخارجية السعودية عن استهداف مسيرات قادمة من العراق خط أنابيب «شرق – غرب» وأسفر عن إصابات بشرية. وعلى الرغم من اعتراف العراق الرسمي بهذا الهجوم، بعد إعلانه عن ضبط المنصة التي انطلق منها الهجوم.
كما أعلن رئيس مجلس الوزراء عن تشكيل «لجنة تحقيق عليا»، وإعفاء بعض المسؤولين العسكريين والأمنيين في محافظة ميسان التي عثر فيها على المنصة وإحالتهم إلى التحقيق، ولكن نتائج ذلك التحقيق لم تظهر إلى اليوم، ولن تظهر، ولم يتم ملاحقة أو معاقبة أحد حتى اللحظة، ولن يتم ذلك! ببساطة لأن الجميع يعرف أن الميليشيات التي تقوم بهذه الاعتداءات محصنة سياسيا، ولن تسمح لا إيران، ولا الإطار التنسيقي بملاحقتها أو معقابتها.
وأكبر دليل على ذلك إسقاط طائرتين مسيرتين في المنطقة الخضراء يوم 27 تشرين الاول/ أكتوبر الجاري عبر منظومة سيرام التابعة للسفارة الأمريكية في بغداد، والذي يشير بوضوح الى أن الميليشيات الإيرانية في العراق ما زالت بكامل تسليحها، وأن قرارها إيراني بحت، وأن لا سلطة للحكومة العراقية عليها، ولا تستطيع المساس بها، ولكن الأخطر أن قرار استهداف السفارة الأمريكية في بغداد، أو القنصلية الأمريكية في أربيل، أو حتى المنشآت السيادية العراقية، لا يرتبط برغبات الحكومة العراقية، بل بالاستراتيجية الإيرانية، وأن إيران وحدها هي من تحدد توقيت، ونوع، وأهداف الهجمات التي تشنها تلك الميليشيات من الأراضي العراقية!
في المحور الخاص بالاقتصاد والتنمية تحدث المنهاج الوزاري عن «اعتماد برامج الانضباط المالي، وإعادة هيكلة الإنفاق العام»، ولكن سلوك الحكومة المالي، ومشروع قانون الموازنة العامة الاتحادية كانا مخالفين تماما لهذا الالتزام، فما زال السلوك المالي الارتجالي يحكم عمل الحكومة، كما أن الإفراط في الإنفاق العام كان حاضرا بقوة في الموازنة المقترحة، والتي سيضيف اليها مجلس النواب كالعادة التزامات أخرى تفرضه طبيعة النظام الزبائني الحاكم في العراق!
فقد أعلن الناطق الرسمي باسم الحكومة أنه رئيس الحكومة نفسه قد «وجه» بتعيين أكثر من 500 ألف موظف جديد على الملاك من موظفي العقود، فضلا عن تخصيص 129 ألف درجة وظيفية جديدة ضمن موازنة العام 2027، وهو ما يعني أن الحكومة العراقية قد ألزمت نفسها بسياسات الإغراق الوظيفي الارتجالية نفسها التي التزمت بها الحكومات السابقة، والتي تأتي في سياق صناعة جمهور زبائني للفاعلين السياسيين ودكاكينهم السياسية. وهو ما سيوصل عدد الموظفين في الدولة إلى حدود 5 ملايين موظف، ليستحق العراق عمليا أن يدخل ضمن موسوعة غينيس للأرقام القياسية لأكثر بلد فيه موظفون قياسا إلى عدد السكان البالغين! من دون أي التفات إلى عدم وجود أي حاجة لهذه الدرجات الوظيفية.

(المفارقة هنا أن مجلس النواب العراقي قد شرع قانونا جديدا الأسبوع الماضي يتيح للموظفين أخذ إجازة أمدها 5 سنوات براتب للتخلص من جيش الموظفين الزائد عن الحاجة)، وإلى أن هذه التعيينات الجديدة ستعني عمليا استنزاف كل الموارد المالية التي ترتبت على خفض سعر صرف الدينار العراقي بالنسبة للإنفاق العام!
كما جاء المنهاج الوزاري مفرطا في تفاؤله بشأن الاستثمار الأجنبي، من دون أي التفات إلى أن هذا الاستثمار لا يمكن أن يعمل في سياق بنية الفساد التي تحكم العراق، والتي تجعل الفاعلين السياسيين الكبار، وزعماء الميليشيات، شركاء قسريين لأي مستثمر، ويجب أن تكون لهم عمولة، ونسبة، من أي استثمار لكي يسمح له بالعمل في العراق، بسبب سيطرتهم الفعلية على الوزارات والهيئات والمؤسسات التي لا يستطيع المستثمر العمل إلا من خلالها!
في المحور الخاص بالحوكمة والإصلاح المؤسسي ومكافحة الفساد.
فضلا عن اللغة المكررة، والوعود التي لا يمكن الالتزام بها، في دولة يشكل الفساد جزءا من نظامها السياسي وبنية الدولة نفسها، فقد فضحت ما أسميناها «غزوة الفجر» التي جرت في حزيران الماضي انتقائية منهجية في التعاطي مع الفساد والفاسدين، ولم تجرؤ الحكومة إلا على «القبض» على من يسمح لها بالقبض عليهم، وعدم المساس بالحصانة الممنوحة للفاسدين الكبار، أوالذين يحميهم هؤلاء!
عندما تحكم السياسات الارتجالية، والشعبوية، والزبائنية، أي دولة، يكون الحديث عن المناهج والبرامج والخطط والاستراتيجيات محض عبث!



