العراق وسطوة الدولة الموازية!
“المدارنت”
ذكرنا في مقالنا قبل أسبوعين، أن العراقيين جميعا يعرفون أن الحديث عن تاريخ 30 أيلول/ سبتمبر بوصفه تاريخا نهائيا لما يسمى «حصر السلاح بيد الدولة»، مجرد عبث. غايته الرئيسية محاولة إقناع الأمريكيين بأن العراق يسعى فعليا لتنفيذ الشروط الأمريكية المتعلقة بوكلاء إيران فيه، تجنبا لأي عقوبات مالية أو اقتصادية أو حتى سياسية ضده، لكنه لن يتحقق على الأرض ما دامت إيران لاتزال مصرة على مشروعها الشيعي العابر للحدود في المنطقة، وما دامت لم تخسر حربها الإيديولوجية، وليست العسكرية، بعد!
يوم 17 آب/ أغسطس 2026 ألقت القوات الأمنية في محافظة ذي قار القبض على مدير استخبارات مليشيا حركة النجباء، وهي ميليشيا مصنفة أمريكيا بأنها «منظمة إرهابية أجنبية (FTO)»، بتهمة تنفيذ هجمات ضد المصالح الأمريكية. ولكنه يشغل في الوقت نفسه منصب مدير استخبارات قيادة عمليات حزام بغداد في الحشد الشعبي. وكان واضحا أن هذه العملية تأتي في سياق المواجهة الحاصلة بين رئيس مجلس الوزراء وبين الميليشيات الوكيلة لإيران في العراق فيما يتعلق بشعار «حصر السلاح بيد الدولة».
ولكن بدا جليا، كما كررنا مرارا، أن يد هذه الميليشيات أعلى من يد رئيس مجلس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة، ففي اليوم نفسه أعلن مسؤول الإعلام في هيئة الحشد الشعبي في بيان رسمي تسليم المتهم «الى المديرية العامة لأمن الحشد الشعبي لمتابعة إجراءاته القانونية مع القضاء» (مديرية أمن الحشد جهة غير قانونية بموجب القوانين العراقية).
وفي اليوم التالي أصدر قاضي الحشد (وهو قاضي منسب من مجلس القضاء الأعلى إلى الحشد الشعبي إجراء غير قانوني بموجب القوانين العراقية لأن الحشد الشعبي بموجب القانون جزء من القوات المسلحة العراقية وبالتالي تخضع للقضاء العسكري وليس لمجلس القضاء الأعلى) قرارا برد جميع الاتهامات الموجهة إلى المتهم وتبرئته بشكل كامل، مع إلغاء القضايا والإجراءات القانونية المرفوعة ضده!
بعيدا عن السرعة غير المنطقية في إصدار هذا الحكم، فان المظاهر التي صاحبت الاحتفالية التي أقيمت للمتهم، ومن بينها تسليمه سلاحا وما يعكسه من رمزية تجاه موضوع السلاح، قال المتهم إن القاضي قال له بالحرف «أخجل أحجي وياك، روح إطلع أنت براءة»، والرسالة الرمزية التي تحملها هذه الجملة تجاه حملة السلاح (لم يصدر عن مجلس القضاء الأعلى أي بيان يكذب ما قاله المتهم!)، كلها كانت تقول شيئا واحدا: أن الدولة قد خسرت معركتها مع الدولة الموازية التي تمثلها الميليشيات، وأن رئيس مجلس الوزراء شخصيا قد خسر معركته الأولى مع سلاح هذه الميليشيات، تماما كما خسر رئيس مجلس الوزراء الأسبق مصطفى الكاظمي معركته مع تلك الميليشيات في العام 2020، عندما دهمت قوات مكافحة الإرهاب مزرعة في منطقة الدورة في بغداد، واعتقلت 14 عنصرا ينتمون للواء 45 حشد شعبي التابع لكتائب حزب الله، وهي ميليشيا مصنفة أمريكيا بأنها «منظمة إرهابية أجنبية (FTO)» أيضا، مع «المبرزات الجرمية المتمثلة بقاعدتين لإطلاق الصواريخ» كما جاء في البيان الرسمي. ولكن قاضي الحشد أصدر قرارا بإطلاق سراحهم بعد أيام قليلة (خرجت تلك المجموعة لتدوس بأحذيتها على صور القائد العام للقوات المسلحة)!
الخطير هنا أن المواجهة بين الدولة والدولة الموازية لم تعد تتطلب بيانات ومظاهرات، كما كان يحدث قبل ذلك، فهذه الميليشيات التي تشكل الدولة الموازية باتت تمتلك أذرعا قوية داخل الدولة نفسها (تمتلك هذه الميليشيات أكثر من 90 نائبا بشكل رسمي في مجلس النواب العراقي فضلا عن عشرات النواب المؤيدين لها، كما باتت تمتلك وزراء ووكلاء وزارات وقادة عسكريين وأمنيين)، تمكنها من فرض سطوتها على الدولة بسلاسة!
وعندما ألقي القبض على قائد عمليات الأنبار في هيئة الحشد الشعبي (قاسم مصلح) في أيار/ مايو 2021 بتهمة 4/ إرهاب، عمدت الميليشيات إلى استعراض قوة بنشر عناصرها المسلحة في شوارع بغداد، ومحاصرة المنطقة الخضراء، فيما أصدر زعيم ميليشيا عصائب أهل الحق بيانا قال فيه إن عملية إلقاء القبض «محاولة خبيثة لإرباك الوضع الأمني»، ودعا صراحة إلى «الوقوف بقوة أمام هذه المحاولات»، وإلى تسليم المتهم «إلى أمن الحشد»!
وبعيدا عن مهزلة أن تقوم قوة يفترض أنها «جزء من القوات المسلحة»، ويفترض أنها تخضع «للقوانين العسكرية النافذة من جميع النواحي»، كما جاء في قانونها، بمحاصرة مقر الحكومة، ومقر القائد العام للقوات المسلحة (نصت المادة 48 من قانون العقوبات العسكري رقم 19 لسنة 2007 بأنه «يعد عصيانا عسكريا اجتماع شخصين فأكثر من العسكريين علنا أو بضجيج أو عربدة محاولين إظهار عدم إطاعة أوامر الأعلى رتبة، او محاولين مقاومته أو الاعتداء عليه فعلا وبصورة مجتمعة»)! فقد كانت خسارة الكاظمي ثم الزيدي لهاتين المواجهتين دليلا صارخا على أن أي محاولة للمواجهة مع الدولة الموازية، من دون ضوء أخضر إيراني (لا قيمة لأي موقف داخلي عراقي من الإطار التنسيقي بمعزل عن هذا الضوء الأخضر الإيراني)، ستبوء بالفشل!
يخطئ تماما من يتوهم أن هذه الدولة الموازية يمتلك قوة ذاتية حقيقية من الناحية العسكرية، فقوتها الحقيقية تستمدها أولا من إيران، وثانيا من غطاء فتوى السيد علي السيستاني، وثالثا من الدعم السياسي الذي يوفره لها الفاعل السياسي الشيعي، فهي لا تحظى بأي دعم شعبي حقيقي من الجمهور الشيعي خارج جمهورها الزبائني (وهذا ما كشفته نتائج انتخابات العام 2021 بجلاء، ولو أن التيار الصدري شارك في الانتخابات الأخيرة لما زادت مقاعد هذه الميليشيات وحماتها عن مقاعدهم في العام إلا قليلا 2021)!
ويخطئ تماما من يتوهم أن عناصر هذه الميليشيات هي عناصر مؤدلجة، فالغالبية العظمى منهم (أجزم أنهم لا يقلون عن 90%)، إنما تطوعوا في هذه الميليشيات في العام 2014 لغرض الحصول على الراتب حصرا، ثم بات التطوع فيها مرتبطا بالريع الذي تحصل عليه هذه الميليشيات عبر الابتزاز والرشاوى وفرض الأتاوات، وبالتالي يمكن للدولة أن تستخدم سلاح الرواتب لتفكيك هذه الميليشيات، إن كانت هناك إرادة فعلية لتفكيكها، وهذا ما أشك به تماما!
لهذا كله ليس ثمة إمكانية لتفكيك تلك الميليشيات، ونزع سلاحها، إلا عبر الضغط المالي والاقتصادي والسياسي الأمريكي، ومن دونها سنكون أمام ألعاب مضحكة، مثل الحديث عن تسليم الميليشيات سلاحها إلى الحشد الشعبي؛ أي أن يسلم «عباس اليعقوبي» مدير استخبارات ميليشيا حركة النجباء سلاحه إلى «عباس اليعقوبي» مدير استخبارات قيادة عمليات حزام بغداد في الحشد الشعبي!



