العرب والعروبة في مواجهة مشاريع الجيران والأعداء “2”

خاص “المدارنت”..
رابعا: المشروع الاوراسي – الروسي
كان تدخل روسيا العسكري في سورية عام 2015 مفاجئا, لأنه لم يسبق لها أن وطأت الأراضي العربية , بل على العكس حاولت منذ ثورة 1917 التقرب من العرب , وتميز الاستشراق الروسي بالنزاهة نسبيا . غير أن ما حدث يعيد طرح وتقويم التجارب السابقة . فالروس وضعوا أيديهم على سورية ولن يتركوها إلا بعد خمسين سنة على الأقل . وربما توسعوا في المناطق الرخوة من الوطن العربي حاليا , بسبب تسابق دول عديدة على حجز مواقع لها هنا أو هناك .
وكما نعلم شغل الوصول للمياه الدافئة في البحر المتوسط تفكير الروس منذ القرن 18 , وهو يتحقق الآن , ولذلك يرجح أن يقاتلوا باستماتة دفاعا عن موطىء قدمهم في الساحل السوري , وأن يعززوه بالتوسع في بلدان عربية أخرى , كمصر وليبيا والجزائر . خصوصا أن هذا التطور يأتي في سياق مشروعهم لاستعادة دورهم في العالم والتوسع الأوراسي ( الأورو – آسيوي ) الذي يتحدثون عنه , وهدفه البعيد صد التقدم الأميركي الغربي نحو آسيا والسعي لتطويق روسيا بالقواعد والصواريخ وإسقاطها .
وبحسب د. إينا ميخائيلوفنا رئيسة المركز الروسي الحديث لاستطلاع الرأي فهذا المشروع يمثل حاليا، أحد اتجاهات الفكر السياسي لروسيا. وقد ظهرت فكرته في مطلع القرن العشرين، ثم باتت مطلوبة بالحاح في بدايات القرن الحالي، ردا على التوجه الغربي ، نحو آسيا بطموحات توسعية جديدة ، تثير شكوك ومخاوف كثيرين من قادة القارة الأكبر . ويعتقد هؤلاء أن روسيا ليست جزءا من الثقافة الغربية , ولا تناسبها , وهي أقرب للثقافات الآسيوية , وتعارض النظريات الغربية الديمقراطية ، مشددين على أن رسالة روسيا كنواة ومركز للعالم الأوراسي ، تتلخص في التصدي لتوسع الحضارة الغربية عالميا . ويطرحون مشروع ائتلاف للشعوب الأوراسية ، بوصفه ضمانة للأمن الجماعي الإقليمي . ولذلك يتجهون لبناء تحالف عالمي يبدأ من الشرق الأوسط يضم العرب والايرانيين والأتراك ودول آسيا الوسطى . ويمثل المشروع الأوراسي اليوم إيديولوجيا للتكامل الجديد في المجال ما بعد السوفييتي ، وخصوصا في آسيا الوسطى والمركزية ، ولرفع مستوى علاقات روسيا مع إيران وتركيا وبعض الدول العربية , كسورية ومصر والجزائر لتصل الى تحالف دولي يمتد الى الصين شرقا للوقوف في وجه التوسع الغربي الذي يحاول إحكام السيطرة على العالم ثقافيا وسياسيا واقتصاديا .
والواضح أن روسيا حولت سورية قاعدة انطلاق , ستتوسع بالتعاون مع الشريكين التركي والايراني . وعلينا النظر الى التحسن المطرد في علاقات روسيا باسرائيل التي أصبح نصف سكانها من الروس في سياق مشروعها للتموضع الاستراتيجي في الشرق الأوسط . وفي هذا السياق تقدم روسيا نفسها حامية للأقليات المضهدة المسيحية , والعلوية , والدرزية , والشيعية من ناحية , ومعارضة لعودة سيطرة الاكثرية السنية على الحكم في هذه الدول , لأنها تشكل خطرا على أمنها القومي , كما قال وزير الخارجية لافروف عام 2012 . ولا شك أن استهداف المكون الأكبر وحماية سيطرة الاقليات عين المشروعين الصهيوني والصفوي , ويلامس تطلعات العثمانيين الجدد لالغاء العروبة والهوية القومية للعرب . إن روسيا الشرق اوسطية الحالية طائفية وامبريالية , تختلف عن روسيا السوفياتية التقدمية , معادية لحرية الشعوب , وداعمة للطغاة أمثال الأسد والسيسي والبشير وتتعاون مع ثلاثة حلفاء معادين لنا , ايران وتركيا واسرائيل .
خامسا – المشروع الغربي ( الأوروبي الاميركي )
في الواقع لم تكن أوروبا منذ بداية تسللها الاستعماري في نهاية القرن الثامن عشر سوى معادية شرسة للهوية العربية , وللأكثرية السنية , فنابليون بمجرد دخوله مصر أطلق دعوتين متناقضتين , أولهما للتقارب مع الاسلام , وفي الثانية أطلق نداءه لإعادة تجميع يهود العالم الى فلسطين وإحياء مملكة اسرائيل . وبدهي أن الثانية تجبّ ما قبلها لأنه لا يمكن التوفيق بينهما , بدليل أن فرنسا النابليونية التي زعمت رغبتها في التقرب من المسلمين كانت تخطط لغزو الجزائر بعد محاولتها الفاشلة لغزو مصر والشام , وعليه اصبحت أول دولة غربية تحتل بلدا عربيا في العصر الحديث عام 1832 احتلالا استيطانيا , وعملت بقوة لالغاء هويته العربية , ودمجه بها ثقافيا . ثم تغلغلت في المشرق تحت ستار حماية الاقليات المسيحية مستفيدة من ( نظام حماية الملل الدينية ) العثماني , وكان البوابة التي دخل عبرها المستعمرون الاوروبيون .
وتبعت بريطانيا فرنسا في مشروع انشاء اسرائيل الاستراتيجي وانتهاء بتقسيمات سايكس – بيكو الذي تعاونتا فيه , لأسباب استراتيجية عليا , لمنع نشوء دولة عربية كبيرة محررة وموحدة قوميا .
وبعد قرن على تقسيم الوطن العربي تواصل أوروبا الغربية سياسة تتبنى الخيارات والأولويات الاستراتيجية المذكورة , أي المحافظة على سايكس بيكو ومعارضة وحدة أي قطرين عربيين , وحماية أمن اسرائيل , وحماية الاقليات الدينية والعرقية. وتتركز هذه الأهداف على دول المتوسط العربية , لقربها من السواحل الأوروبية , وتأثيرها على أمنها .
وبعد الحرب الثانية , عملت الولايات المتحدة على أمركة الشرق الأوسط, قاومت مشروع التحرر والنهضة العربية بقوة , ودعمت التوسع الاسرائيلي على حساب العرب , وساعدت على تحويل اسرائيل القوة الكبرى في الشرق الأوسط , ودمجها في المنطقة , وتمييع الهوية العربية , والتصدي لكل دولة عربية حاولت امتلاك أسباب القوة العسكرية , ولعبت دورا حاسما في عدوان 1967 الإسرائيلي , ولعبت دورا مشابها في منع انتصار العرب في حرب 1973 بشكل حاسم , واتبعت سياسة ثابته لإجبار العرب على تطبيع علاقاتهم مع اسرائيل , وتوقيع معاهدات سلام غير عادل , وتحاول الآن بقوة اغتنام فرصة الضعف والانهيار العربي لفرض صفقة استسلام تنهي القضية الفلسطينية نهائيا , ووتعطي فلسطين كاملة لاسرائيل , مقابل مزايا واغراءات اقتصادية . وهي التي دمرت العراق كما عزلت مصر قبلها , وكما دمرت ليبيا وسلمت العراق للايرانيين بعد احتلالها له .
إن التصور الأميركي الثابت للدول العربية وخاصة المشرقية , مستنبطة من تصورات وافكار برنارد لويس الذي يرى أن هذه الدول مركبة لتكون سجونا للشعوب , ويرى أنه لا وجود لأمة عربية , بل شعوب وامم متناقضة ومسحوقة , ويسمي الدروز شعبا مستقلا , والعلويين شعبا آخر , والمسيحيين أمة قائمة بذاتها , والأكراد أمة أخرى, وهكذا دواليكم, وهي رؤية تبنتها اسرائيل منذ قيامها, ورؤية ثعلب الدبلوماسية الاميركية هنري كيسنجر الذي قال منذ بداية الثورة السورية ( ليست المشكلة في ديكتاتورية بشار الأسد , ولكنها أن سورية بلد نشأ على مغالطة وتضم شعوبا مسحوقة , ولا بد من معالجة هذه المشكلة , أي تقسيم سورية العراق لدويلات عرقية ودينية , لتكون اسرائيل سيدة الشرق الاوسط , وتقيم تحالفا من الاقليات المذكورة بقيادتهاعلى حساب الأكثرية ذات التكوين العربي السني , ولذلك يبدو لغالبية العرب أن السياسة الأوروبية في الشرق الاوسط أفضل من الاميركية , وهذا صحيح في المسائل الثانوية , أما في المسائل الاستراتيجية , فلا امكانية لأي تمييز بينهما .
سادسا – المشروع العربي:
يعتقد كثيرون أن العرب بلا مشروع , والصحيح إن المشروع العربي قائم ولكنه تعرض ويتعرض لعدوان غاشم من جهات عديدة , وتحطيم منظم بكل الوسائل, وحصار وتشويه من الدول الغربية الكبرى, لو تعرضت له أمة أخرى لانتهت لما هو أسوأ من وضع العرب حاليا .
وللأسف تعرض المشروع العربي لانتكاسة داخلية بسبب قصور الوعي التاريخي والقومي لمجتمعات كاملة ذات ثقافة وتركيب قبليين بدويين , خاصة أن مراكز القوة والتأثير انتقلت من مواقع الثورة الى مواقع الثروة , واضمحل دور المجتمعات والفئات الحضرية , كمصر والشام ولبنان والعراق, بسبب سيطرة أنظمة مستبدة عسكرية وبوليسية وأقلاوية , عطلت طاقة التقدم , كالذي شهدناه بين 1945 – 1975 .
ولد المشروع العربي أواسط القرن التاسع عشر حين كانت الفكرة القومية ساطعة في العالم , وتلهم التحولات التاريخية لبناء الأمم والدول القومية الاوروبية, وانتقل تاثيرها الى أكثر بلدان المنظومة العربية اتصالا بالحداثة الأوروربية , أي مصر والشام , بعد حملة نابليون , ثم تبني محمد علي وأولاده لها , وتبنوا تطويرها الى مشروع لاستقلال وتحرر العرب عن الدولة العثمانية , وبناء دولة قومية موحدة تضم الشعوب العربية . واستطاع محمد علي وأولاده التوسع جنوبا في السودان لحماية منابع النيل , ووصلوا الجزيرة العربية . ولما توجه ابراهيم باشا الى الشام لتحريرها من العثمانيين , وهدد عاصمتهم , تحالفت سبع دول أوروبية لضربه , وإعادته للداخل المصري , ثم تآمرت بريطانيا وفرنسا لضرب النهضة الصناعية والاقتصادية لمصر , وتعاونتا لاحتلال مصر والسودان عام 1882 , بعد فتح قنال السويس التي غدت شريانا حيويا يصلها بشرق آسيا . وكانت الدول الأوروبية بدأت حملاتها لاستعمار الوطن العربي , فغزت فرنسا الجزائر 1830 وغزت بريطانيا عدن 1839 , وبدأ الإعداد للمشروع الصهيوني في فلسطين الذي بشر به نابليون ثم تبناه آل روتشيلد في بريطانيا .
وبالمقابل واصل العرب مشروعهم للتحرر والوحدة والانعتاق من سيطرة الدولة العثمانية التي بدأت تتحول دولة تركية قومية , فتعاظمت حركات الاحياء الادبي والفكري لبلورة الهوية القومية المعاصرة , وتبعتها حركات التمرد في سورية والعراق والجزيرة العربية . وتطورت حتى عمت كل الولايات العربية مع بداية القرن العشرين وصولا الى ثورة مكة بقيادة الشريف حسين وأبنائه . وعندما حققوا الاستقلال عن الاتراك وشرعوا في تحقيق مشروعهم تدخلت اوروبا لوقف التحول التاريخي الكبير, وخضعوا لاحتلالها, وما إن استعادوا تحررهم الوطني بعد الحرب العالمية الثانية , وقادت مصر العرب في نضالهم القومي تكررت تجربة مصر محمد علي , فضربت الطموحات العربية للتحرر والنهضة والوحدة مرة أخرى في أواسط القرن العشرين , فتصدت أوروبا لناصر عام 1956 في العدوان الثلاثي , وأفشل الغرب وحدة سورية – مصرية عام 1961 , ثم أجهز على ناصر ومشروع مصر القومي في عدوان 1967 بواسطة اسرائيل , والذي كان عقابا صارما للحركة القومية العربية على انجازاتها التاريخية لا بسبب أخطائها , وخاصة نقل الوطن العربي في غضون عقدين فقط , من مراحل التحرر والاستقلال الى مراحل التقدم والقوة , وبناء بلدانها والشروع في تحقيق الوحدة . ولكن الغرب تصدى لكل هذه الانجازات والمحاولات وأفشلها جميعا .
أنجز العرب استقلالهم الصعب في الجزائر واليمن الجنوبي والعراق والخليج , وأخرجوا قواعد الاستعمار الغربي , وخاضوا ستة حروب في ثلاثة عقود مع اسرائيل , ومن خلفها الغرب كله , بل والاتحاد السوفياتي الذي كان يعد صديقا مؤيدا للعرب في مرحلة الحرب الباردة . ولذلك تدخل الغرب بكل دوله لإعادة العرب الى بيت الطاعة , وتدمير قواهم المادية وتشويه صورتهم وتدفيعهم فاتورة الارهاب العالمي .
وبعد حرب 1973 برز العرب (قوة عالمية سادسة) بحسب عدد كبير من المفكرين والسياسيين في العالم . وبرزت قوتهم العسكرية في الميدان , والتي شاركت فيها اكثرية الدول العربية تقريبا بما فيها الصغيرة كالكويت . وبرزت قوتهم الاقتصادية في استخدام البترول العربي سلاحا قاطعا ضد اميركا وبريطانيا وهولندا , حتى أنها صارت تتوسل السعودية ومصر لإعادة بترولهم اليها . ويعتقد أن أميركا اغتالت الملك فيصل عقابا له على تحدي الهيبة الاميركية , واغتالت ناصر عقابا له على سياسته التحررية , وأسقطت بن بلة في الجزائر , ثم دمرت العراق وقتلت صدام للسبب ذاته , وقتلت القذافي لأنه كاد أن ينتج القنبلة النووية , لا بسبب ديكتاتوريته , وقتلت اسرائيل بموافقة أميركية ياسر عرفات قائد الكفاح الفلسطيني , ورمز هويته الوطنية .
استهدفت الحملة الغربية المعاصرة العرب بدءا من الأكبر فالأصغر , ثم الأصغر واستعملوا القوة والمؤامرة معا : حطموا مصر عام 67 , ثم أوقعوها في فخ كامب ديفيد 1979 , ثم أوقعوا العراق في شرك غزو الكويت 1990 تمهيدا لمعاقبته , وحصاره تمهيدا لغزوه عام 2003 وتدمير القوة التي اكتسبها في حربه العظيمة مع ايران .
الحرب الأميركية على العراق بدأت فورا بعد انتصاره على ايران 1988 وخروجه قوة اقليمية كبرى , فضلا عن انجازاته الاجتماعية والاقتصادية والعلمية التي أهلته لدور كبير وتحول جذري في ميزان القوى الاقليمية يقلل الفراغ الذي أحدثه خروج مصر من معادلات الصراع في المنطقة , بسبب موقع العراق الجيوسياسي قرب ايران والخليج وتركيا . وكانت اسرائيل منذ ان قصفت المفاعل النووي العراقي 1981 تتحدث عن ضرورة ضرب القوة العراقية وتقسيم العراق الى ثلاث دول .
في الواقع كان ضرب العراق بين مقدمة لضرب العرب جميعا , بتواطؤ وتحريض وتخطيط اميركي – اسرائيلي – ايراني , وهكذا دارت عجلة الأحداث, فتم القضاء على العراق بتعاون تام مع ايران , تدميرا شمل كل مقومات الدولة والمجتمع , بمشاركة الاسرائيليين .
وفي مرحلة لاحقة استغلت هذه الدول (ثورات الربيع العربي) , وفساد الأنظمة العربية للتخلص من كل طرف لا ينصاع لإرادتها الكاملة , وهدفها تطبيق ما سمته كوندوليزا رايس فلسفة واستراتيجية (الفوضى الخلاقة) لتفتيت المنطقة العربية من داخلها , وتعريضها للغزو الايراني .
ورغم زعمها محاربة الارهاب والديكتاتورية , وتبشيرها بالديمقراطية في الشرق الأوسط الجديد , ولكن ما فعلته هذه الدول في العراق وليبيا وسورية واليمن يدحض مزاعمها , إذ امتنعت عن دعم الثورة السورية , وتجاهلت جرائم ايران في العراق وسورية . لأن هدفها تدمير المجتمع لا النظام نفسه فقط , وسمحت لايران تمزيق اليمن , واستمرار سيطرة حزب الله على لبنان , وتمزيق ليبيا لا احلال الديمقراطية فيها. بل تنكر الغرب لقيمه المعلنة, ورفض دعم التحول للديمقراطية للمنطقة , لأنه يفضل أنظمة استبدادية تتحكم بجماهيرها التي تناهض الغرب وتنشد التحرر . أي استكمال واستئناف المشروع العربي الذي لا يزال صالحا , بل حتميا وضروريا لوجودهم ومستقبلهم , شرط الاستفادة من تجاربهم , وتصحيح أخطائهم , وخاصة إعطاء الحريات للشعوب ودمقرطة حركاتهم السياسية , والعروبية التحررية . لأنه بلا مجتمعات مدنية حرة وحية , لا يمكن للثورات تحقيق شيء .
للأسف ارتبطت نهضة مصر ومشروعها العربي بجمال عبد الناصر , ولما مات الرجل انتكس المشروع , وتخلت مصر المنهكة عن دورها ومسؤليتها القيادية على الساحة العربية بصورة أسوأ مما كانت عليه قبل 1948 , وتكرر المثال في العراق بسبب تهميش الشعوب وتغييب الديمقراطية , وتكرر في ليبيا , واليمن . وجاءت ثورات وموجات الربيع العربي لتثبت أولوية الحرية والديمقراطية في بناء دولنا ومجتمعاتنا .
ومن المهم جدا ملاحظة أن الصراعات التي انفجرت بعد الربيع العربي في عموم المنطقة حملت بعدين ووجهين أولهما تحرري داخلي , وثانيهما دفاعي في وجه الدول المجاورة ذات المشاريع المعادية لمصالح العرب جملة , بل أولها الدفاع عن الوجود ذاته في مواجهة غزوات منظمة , من ايران واسرائيل وتركيا وروسيا أميركا , هدفه إعادة ترتيب المنطقة وتركيبها وفق مخططات أعدتها الدول الكبرى وتلعب الدول الاقليمية الرئيسية دور المقاولين المنفذين المحليين. إن هذه الصراعات والحروب مجرد أدوات تنفيذية لمشاريع الآخرين التي تريد توسيع مناطق نفوذهم وأدوارهم على مسرح الاقليم , على حساب العرب تحديدا بشيء من التنسيق فيما بينهم لأن الجميع متفقون على اضعاف العرب وضرب غالبيتهم السنية العربية . وتتقاطع هذه المشاريع الخمسة في مربعات وأهداف استراتيجية عليا يجري التعاون والتواطؤ الأكيد فيها, وهي:
1 – تدمير المشروع القومي العربي للوحدة والنهضة , وإحلال مشروع بديل يظهر من رحم التفاعلات الجارية الآن , ومن بين ركام الفوضى الخلاقة .
2 – تدمير الهوية العربية الجامعة وتحويل العرب الى هويات بديلة لا يجمعها جامع وتهميشهم , وتسهيل الفصل التالي من العملية أي تقسيمهم اجتماعيا , وتقسيم بلادهم واستتباعهم , كما كان حالهم في القرون التي سبقت الفتح العربي , والتي سادت أيام الهيمنة الصفوية والعثمانية .
3 – تقاسم اسرائيل وايران وتركيا وروسيا برعاية اللاعب الأكبر أميركا دول المنطقة العربية , وتقاسم النفوذ فيها على حساب العرب .
4 – تفكيك المنطقة وخلق كيانات جديدة تدريجيا عبر مراحل انتقالية , بحجة منح الاقليات المغبونة حقوقها , وتحسين حقوق الانسان . وهي نفس الشعارات والحجج التي جرى غزو الوطن العربي تحتها في القرنين التاسع عشر والقرن العشرين . إذ حلت محاربة الإرهاب الآن محل محاربة القرصنة , في القرن 19 , وحل شعار حقوق الانسان والديمقراطية , محل شعار مكافحة الرق , وحل شعار حظر انتشار الأسلحة غير التقليدية , محل شعار مكافحة انتشار البارود في القرن 19 , كأن شيئا لم يتغير بعد قرنين ! .
=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=



