مقالات

العرب وتحديات العولمة.. نحو تحديث العروبة و”دمقرطة” الحركة القومية “2”

خاص “المدارنت”..

محمد خليفة/ اوروبا

العودة للتاريخ: من هم العرب.. وما هي العروبة؟.. قبل أن نصل الى تحديد التحديات التي تواجه العرب في هذا العصر، واستشراف المستقبل، علينا العودة الى فجر التاريخ، ومعاينة مسيرة العرب وتطورهم كأمة عبر حقب التاريخ المختلفة، وتشكل هويتهم وتبلورها. وتلخيص هذه المسيرة في ثلاث مراحل رئيسية: قبل الاسلام، بعد الاسلام، في العصر الحديث.

أولا: العرب: النشأة والتكوين

يتفق المؤرخون أن العرب سلالة بشرية ظهرت قبل ميلاد المسيح بمئات أو آلاف الاعوام، بين الجزيرة العربية واليمن، ويختلفون أي الفرعين أسبق، فرع اليمن الذي ينتسب الى قحطان، أم فرع الجزيرة الذي ينتسب الى عدنان. وتؤيد الرواية القرآنية ظهورهم في الجزيرة أولا، وبالتحديد في مكة “1”، وتذهب روايات معاصرة عديدة إلى أن الجزيرة هي الموطن الأول للانسان، ولكل الاجناس البشرية، ومنها خرجت الهجرات الكبرى، لا سيما بعد اصابتها بالجفاف وتحولها الى صحارى قاحلة. وبالنسبة للجنس العربي، يجمع المؤرخون على أن جميع العرب والساميين خرجوا من الجزيرة، وتوزعوا بين بلاد الرافدين والشام ووادي النيل وشمال أفريقيا وصولا الى موريتانيا (2).

وقد مروا في قرونهم الأولى بظروف بيئية سببت هلاك جماعة منهم، فسميت “العرب البائدة”،  بعد انهيار سد مأرب. وانقسم الآخرون بين “عرب عاربة” أي أصيلة، و”عرب مستعربة”، أي اكتسبت عروبتها .وإذا اعتمدنا العامل اللغوي دليلا، سنجد روايات عديدة :

تقول أولاها: إن العربية وجدت مع آدم، وأنه تحدثها في الجنة والارض. وهناك أحاديث نبوية وقدسية تؤكد كون “العربية” لغة أهل الجنة .

وتقول رواية ثانية: إن رسول الله اسماعيل بن ابراهيم أول من نطقها وهو صبي، وإنها أوحيت اليه وحيا (3).

 وتقول ثالثة: إن أول من نطقها “يعرب”، الذي اشتق من اسمه اسم السلالة واسم اللغة معا .

وتجدر الإشارة الى أن رقيماً اكتشف قرب دمشق، يرجع للقرن الرابع قبل الميلاد، مكتوب بالأبجدية التي حرر بها رسول الله محمد كتبه الى ملوك الدول في القرن السابع م. ولا زالت مستعملة الى اليوم. وفي المقابل، عثر على كتابات بالآرامية في الجزيرة العربية تعود لمئات الاعوام ق. م .

وإذا انتقلنا من المكتشفات التاريخية الى دراسات الباحثين المحدثين، نشير الى أبحاث المستشرقين الذين اهتموا بحقبة ما قبل الاسلام، اهتماما فاق اهتمام المؤرخين العرب، الذي لم يزل محدودا بسبب بعض المحاذير الدينية. ولكن الحال تغير مع المؤرخين والبحاثة العرب المعاصرين، أمثال جواد علي وكمال الصليبي .

لقد دمج بعض الباحثين الغربيين الساميين بالعرب، كالبريطاني أنتوني نتنج، الذي أرجع جذور العرب الى ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد، وعدّهم الذرية الخامسة لسام بن نوح، ووحّدهم مع الآراميين والآشوريين والبابليين والفينيقيين والكنعانيين والعبرانيين (4). إلا أن المؤرخ العربي المحدث جواد علي في كتابه الموسوعي “المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام”، رفض المقولة من دون نفي إمكان أن تكون أصول الأقوام المذكورة من الجزيرة العربية، وهاجروا منها كما هاجرت قبائل عربية كالغساسنة والمناذرة. ويَقبل جواد علي وجود مشتركات بين الشعوب السامية والعرب، ولكنه يشير الى وجود اختلافات أيضا. ويرد على من ينسبهم للعرب رفعا لشأن هؤلاء، إن العرب ليسوا بحاجة لمن يرفعهم، وهم لا يعانون من مركب نقص حتى يعوضوه بإضافة الشعوب السامية لهم، أو العكس، ويرى أن حضارة تلك الشعوب اندثرت، بينما استمر العرب، وهذا يكفيهم ليكونوا أفضل من الآخرين. كما يرفض الخلط بين العروبة والسامية، (فالسامية وحدة ثقافية، اصطلح عليها اصطلاحًا، والعروبة وحدة ثقافية وجنسية وروابط دموية وتأريخية، وبين المفهومين فرق كبير). ويرى أن الوقت حان لاستبدال مصطلح عربي وعربية، بسامي وسامية (5).

ما هي العروبة..؟ في تلك الحقبة الممتدة حوالي الفي عام، ويمكننا تسميتها بمرحلة الطفولة في تطور الكينونة العربية، كانت الرابطة بين العرب تقوم على العرق واللغة. أي أن “العروبة” كانت هوية مزدوجة تجمع وحدة العرق واللسان .

وكان العرب بفضل النسب، يعرفون بعضهم بعضا، وأصولهم وأنسابهم رغم الانشطارات القبلية. وكل قبيلة تحفظ أصولها وأفخاذها وبطونها. ولذلك كانت علاقة الدم والرحم هي ما يحدد “العربي”، ويميزه عن سواه. وكل فرد منهم يحتفظ بنسبه وانتمائه الى قبيلته، لأنهما مصدر هويته ومكانته بين القبائل، إذ لا وجود للفرد خارج القبيلة. وكان أقسى عقوبة تفرضها القبيلة على فرد منها، هي العزل، لأنها بمثابة إعدام اجتماعي، (كحال الشاعر الصعلوك طرفة بن العبد، الذي قال في معلقته: الى أن تحاشتني العشيرة كلها/ وأفردت إفراد البعير المعبّد). وفي ضوء ذلك، نفهم لماذا ناضل عنترة طويلا لينال اعتراف أبيه ببنوته ويمنحه نسبه .

وفي معجمه الموسوعي “لسان العرب”، شرح ابن منظور معنى كلمة “عرب”، بأنها تعني الفرد الذي يعلم نسبه، يقابلها “أعجمي”، أي الذي لا يعرف نسبه ويقع بينهما “أعرابي”، وهو من لا يعرف نسبه بالكامل (6).

أما لفظة (هوية) الشائعة اليوم لتعريف فرد أو قوم وتحديد ماهيته، فهي غير موجودة في لغتنا القديمة، بل مصطلح صناعي مركب حديث اشتق من الضمير “هو”، وأضيفت الى أوله أل التعريف وياء النسبة وتاء التأنيث الى آخره. ويراه الاكاديمي اللبناني د. أنطوان سيف مصطلحا غير عربي أدخله المترجمون القدامى (7).

كانت القبائل تتقاطع في أنسابها، وعلى الرغم من تعدد لهجاتها، سبع لهجات، كانت “العربية” عروتها الوثقى من اليمن الى الشام، ومن العراق للجزيرة. ولم تكن أداة تفاهم فقط، كما هي عند الشعوب البدائية، بل امتازت بالتطور الكبير والبلاغة والجمال ودقة المعنى، ومثلت حافظتهم الذهنية الفكرية والجماعية والبوتقة التي تصهر ثقافتهم وقيمهم، وتعزز القول بعراقتهم وتحضرهم. وكانت مقولة “الشعر ديوان العرب” ذات معان أبعد من كونه فنا يميزهم، لأنها تعني في الواقع أن الشعر “موسوعة أو دائرة معارف العرب”. وللاستدلال على عظمة الشعر الجاهلي، نشير الى أن الفيلسوف اليوناني ارسطو طاليس، الذي عاش بين 384 و322 ق.م. اعترف في كتبه الخمس عن طبائع الحيوان، أنه استمد أغلبها من شعر العرب وأمثالهم، التي تضمنت معلومات علمية شاملة في منتهى الدقة، تغطي خصائص مئات الانواع الحية، وتكاد تكون نادرة حتى اليوم.

والى جانب هذا المثال العلمي، هناك مثال أعظم عن رقي وتمدن العرب، أرى من الأهمية بمكان إيضاحه تصحيحا للمفهوم الدارج عن “الجاهلية”، بكونها فترة انحطاط عقائدي واجتماعي، لأنه فهم خاطئ لا يتحمل الاسلام وزره، فالمجتمع العربي حينها كان مثاليا في أغلب جوانب حياته وقيمه، مقارنة ببقية المجتمعات. وامتاز بدرجة عالية من السمو الاخلاقي والتطور المادي والاجتماعي، شمل نظم حياتهم كافة، باستثناء بعض الجوانب الدينية.

وعلى سبيل المثال، فالمجتمع المكّي الذي استقبل الوحي، لم يكن محكوما بسلطة مركزية أو دولة ذات أجهزة قمعية، كالتي عند الروم والفرس والقبط والحبش، بل كان يدير شؤونه طبقا لأعراف وقيم راقية، حتى بمعايير عصرنا الراهن. تسوده الحرية والمساواة، ولا يعرف التنكيل السياسي أو الديني، ولا التمييز العنصري، عدا ما كان بين الاحرار والعبيد والتفاخر في قيم الكرم والشجاعة والأخلاق. وكان اختيار زعماء القبائل يعتمد الخيار الحرّ، لا الإكراه، وسلطتهم محدودة وغير قابلة للتوريث. كان مجتمعا لا يعرف الجريمة المنظمة والفردية، كالسرقة والاحتيال والاغتصاب إلا استثناء. حتى الكذب كان مرذولاً يتعالى عنه الناس. ولم يعرف سوى “الثأر”، الذي يمثل في ظروفه “قانونا جنائيا عادلا”، أشاد به علماء الاجتماع، لأنه حقن من الدماء أكثر مما أهرق.

وعلى الرغم من احترابها، عرفت القبائل “التضامن فيما بينها” في مواجهة العدوان الأجنبي من الاحباش والفرس. وكانت تبرم معاهدات مثالية لاحقاق حقوق الانسان، مثل “حلف الفضول”، الذي التأم عام 590 م. وتعهد فيه زعماء القبائل بالدفاع عن كل مظلوم، وإغاثة كل ملهوف، وحماية كل مستجير بصرف النظر عن قبيلته ونسبه.

وشاء الله، أن يحضره الرسول مع جده وهو صبي، وباركه بعد النبوة، وقال: “لو دعيت له في الاسلام لأجبت”. وكانت القبائل تلتزم بهدنة “الاشهر الحرم”، فلا تنتهكها، وتنظم مواسم للرياضة واللهو والشعر والعبادة والحج، من دون تمييز ديني، مما سمح بانتشار اليهودية والمسيحية والحنيفية، اضافة الىىلو الوثنية بين القبائل. وكان في مكة ابرشية تتبع كنيسة بصرى الشام. ونظموا “15 سوقا تجارية” وقوافل للتجارة، وعرفوا نظام “السوق الاقتصادية الاقليمية المشتركة”،  إذ أبرموا اتفاقات اقتصادية مع الشام ومصر اسموه “نظام الايلاف”، الذي ذكره القرآن، والذي يعادل ما نسميه حاليا “السوق العربية المشتركة”، وهو دليل قاطع على علاقات ومبادرات قومية مبكرة بين الشام والجزيرة ومصر (8)، وأقاموا علاقات متطورة مع الروم والاقباط والأحباش والافارقة والهنود. أما علاقاتهم مع الفرس، فهي الاستثناء الوحيد، واتسمت دائما بالعداء والقطيعة باستثناء العرب المناذرة.

كان المجتمع العربي في الجاهلية مثالياً في كثير من أوجهه ونظمه، فلا عجب أن يقول الرسول: “إنما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق”.

ولولا مثاليته ورقيه لما اختاره الله لاستقبال رسالته الخاتمة،  ولولا أن عربه كانوا مؤهلين حضاريا وأخلاقيا لما اختارهم الله لحمل رسالته الخاتمة للعالمين، ولما اختار أعظم رسله منهم، ولما اختار مكّة لتكون مهد الاسلام وموطن الوحي والقرآن، ولولا أن لغتهم كانت مؤهلة لحمل الخطاب الالهي ومعانيه المتعددة الى الناس، ونقل شريعته، وقادرة على استيعاب الاعجاز البياني الساحر لما اختارها دون بقية لغات العالم، ولما اختارها لتكون لغته هو جل جلاله، ولغة الجنة يوم القيامة.

كل العناصر السابقة لا تدل على تحضر العرب وحسب، وإنما تعني بالمفهوم السوسيولوجي الدقيق وجود “أمة عربية” مكتملة التكوين والهوية، ذات ركائز جغرافية واجتماعية وثقافية راقية، تؤهلها الى دور رائد ومشرّف على المستوى العالمي.

مصادر ومراجع:

  • راجع كتاب جواد علي ( المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام).

(2) راجع كتب د. كمال الصليبي التوراة جاءت من جزيرة العرب، وخفايا التوراة، وتاريخ الجزيرة العربية .

(3)  راجع كتاب المسعودي “مروج الذهب” ج1 .

(4)  راجع كتاب انطوني نتنج “العرب” الترجمة العربية الصادرة عن مكتبة مدبولي – مصر .

(5)  المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام/ الجزء 2

(6)  لسان العرب لابن منظور، ج1/ طبعة دار صادر في بيروت .

(7)  د. انطون سيف “وعي الذات وصدمة الاخر” صادر عن دار الطليعة

(8) راجع كتاب د. فيكتور سحاب “الايلاف” صادر عن المؤسسة العربية للنشر في بيروت.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى