العرب وتحديات العولمة: نحو تحديث العروبة و”دمقرطة” الحركة القومية “5”

خاص “المدارنت”..
العروبة والألفية الثالثة.. تعود جذور العروبة – كما أوضحنا – لآلاف الاعوام, منذ كانت رابطة عرقية لقبائل الجزيرة العربية الى أن غدت رابطة حضارية لأمة كبيرة تمتد على عدة قارات. ومن المنطقي أنه لم يكن للعروبة أن تستمر فاعلة آلاف السنين, لولا قدرتها على التطور والتجدد, وهذه هي خاصيتها الجوهرية, إذ كانت في كل عصر تتجدد – كما رأينا – وتكتسب محتوى جديدا جراء تفاعلاتها مع مفاهيم وثقافات كل عصر.
هذه الخاصية الجوهرية تؤهلها لثورة جديدة تمكنها من الانتقال الى آفاق الألفية الثالثة, ومواجهة تحديات الحداثة وما بعد الحداثة, واستحقاقات العولمة وما بعد العولمة, تأكيدا لقدرتها على التطور والتكيف مع معطيات عالمنا الجديد. ولكن هذه العملية ليست تلقائية, أو ميكانيكية, بل جدلية ديالكتيكية تتطلب جهدا خلاقا تقوم به الفعاليات الاجتماعية والنخب الفكرية التي تحمل راية العروبة وتدرك أهميتها وحتميتها, بالنسبة لمصير العرب كلهم ومستقبلهم.
والواقع أن العرب كانوا يتقدمون على صراط مستقيم إبان مرحلة التحرر الوطني, ولكنهم انحرفوا في أواخر السبعينات وضلوا الطريق, لسبب رئيسي هو تخليهم عن عقيدتهم القومية ومشروع الوحدة, بتأثير عوامل تأثير كثيرة, داخلية وخارجية.
كانوا بحاجة لاستكمال نضالهم بتحقيق الوحدة العربية, أو على الاقل تكوين كتلة صلبة تتمحور حول الجامع والحامل القومي الأوحد ممثلا بالعروبة, لأنها شرط موضوعي لمواجهة تحديات العصر والتأهل الندي للتعامل مع عالم تسوده قواعد العولمة والانفتاح والتنافس, وتتضاءل فيه عوامل الحماية والسيادة, وتحكمه التجمعات القارية والنمور الاقتصادية.
ولذلك فإن النخب الفكرية العروبية والقومية كما أسلفنا أعلاه مطالبة اليوم بمهام فكرية لا بد منها. وعلى رأسها إجراء مراجعة نقدية جذرية وعميقة لأفكارها ومذاهبها ومناهجها, وتقويم مسيرتها وتجاربها خلال القرنين الماضيين, وتشخيص أسباب قصورها واخفاقاتها ووضع تصورات علمية وحلول واقعية قابلة للتطبيق, حتى يتيسر لنا اجتياز عثرات الحاضر, ومتابعة النضال الثوري في سبيل التحرر والنهضة والوحدة.
والواقع أن هذه العملية النقدية تفرض علينا بادىء ذي بدء، تشخيص وحسم العديد من الاشكاليات المعرفية والسياسية، التي أفرزتها التجارب ومواجهة التحديات التي يلقيها علينا التطور العالمي, ووضع تصورات علمية واقعية لتحقيقها وتجاوز عثرات وأخطاء الماضي.
ويمكننا هنا الايماء الى أربع رزم من المسائل والاستحقاقات والملفات الجوهرية، التي يتعين علينا كعرب معالجتها وحسمها حتى نتمكن من الاقتراب من مشارف المستقبل :
الرزمة الأولى – الاستحقاقات التاريخية:
1 – ينبغي علينا العمل للعودة الى التاريخ, وأن نكون أمة حية وفاعلة في العالم, لا بالخطب والتمنيات, بل بالعمل الجاد لاقتحام الحداثة المعاصرة, وتبني معطياتها وقيمها كمنجز حضاري وإنساني أولا. وأن نعيش عصرنا وزماننا, لا أن نعيش بأجسادنا في الحاضر وعقولنا مشدودة للماضي. والاسلام لا يدعو ولا يقبل هذا الانفصام الذي تسببت به تيارات وحركات سلفية مأزومة تعاني من اغتراب وتقوقع وعطالة عن الابداع, يسكنها الخوف من الحداثة وتتقوقع في كهوف النصوص. وهي حالة معروفة في التاريخ مرت بها الجماعات الدينية كافة, مسيحية ويهودية وبوذية. المعروف أن الاجتهاد في الاسلام بدأ بعد بضع عشرة سنة من وفاة الرسول مع الامامين أبي حنيفة ومالك.
2 – علينا ايلاء الوعي بقضية الحرية الأهمية القصوى, باعتبارها شرط الوجود الانساني وميزته الاولى, وتعميق الوعي بأن غياب الحريات في الواقع العربي هو الأزمة الكبرى, وما الأزمات والكوارث الأخرى سوى نتائج ومترتبات حتمية لها, أو متصلة بها. وعلينا النضال بلا هوادة لتعميم الحريات في بلداننا ونواحي حيواتنا الثقافية والاجتماعية والسياسية والحقوقية.
3 – علينا حسم الموقف الفكري والسياسي من قضية (الديموقراطية) حسما نهائيا، واعتمادها شرطا من شروط الفكر والعمل القومي وتحقيق الوحدة بشكل ثابت. وعلينا أن نقاوم كل صور القمع والقهر وكبت الحريات من أي نظام جاءت, ورفض تبريرها, والتزام ثقافة وشرائع الديموقراطية المعاصرة, وحقوق الانسان, كما يحددها ميثاق الأمم المتحدة وبمعايير المجتمع الدولي.
4 – إن العولمة تمثل تطورا إنسانيا تاريخيا، يشبه حلقات التطور التاريخي قديما وحديثا, ولا يمكن مقاومته لكي لا نكرر حماقة (دون كيشوت) في حربه على الطواحين كما صورها الاديب الاسباني ميغيل دي سيرفانتس. للعولمة انعكاسات ايجابية على واقعنا العربي, وأخرى سلبية, وعلينا أن نتعاطى معها كاستحقاق تاريخي فرض نفسه, ونتفاعل معها بإيجابية, لنستفيد من إيجابياتها, ونقلل من سلبياتها.
على سبيل المثال، لقد اسقطت العولمة الحدود القطرية بين البلدان العربية، وهيأت فرصا مهمة للتفاعل بين العرب، غصباً عن أنوف الحكام وشرطة الحدود وأجهزة القمع, وهذا إنجاز عظيم لنا كعروبيين وقوميين, والعولمة تخلق اليوم تيارات وعي قومية على امتداد الساحة، بفضل قنوات الاعلام الفضائي ووسائل التواصل الاجتماعي, وفضاء الانترنت المفتوح والعابر للقارات والحواجز. وعلينا أن نلمح في ثورات (الربيع العربي) بصمات من رياح العولمة بشكل واضح. إذن يمكننا استثمار العولمة والرهان عليها كتطور ايجابي . بقدر ما نحسن التعاطي معه.
الرزمة الثانية – مسائل الهوية والقومية:
1 – إعادة تأصيل “العروبة” باعتبارها هويتنا الحضارية والتاريخية على مبدئي “الأصالة والمعاصرة”, لا لأنها أساس وجودنا كأمة فقط, ولكن لأنها ضمانة عبورنا الى المستقبل والاستقلال والنهضة.
2 – تعميق الوعي بالعروبة عبر التعليم, في جميع مراحله, وعبر وسائل الاعلام ومراكز الابحاث, لأن العروبة ليست عنصرا مضافا الى وجودنا بل عنصرا جينيا في تكويننا, وعامل استقرار وتوازن في شخصيتنا الوطنية والقومية, بدونه تتهدد وحداتنا القطرية والقومية, ويتمزق النسيج الوطني والقومي في آن واحد. ولذلك فلا بد من استراتيجيات قومية منسقة تربوية واعلامية وثقافية لرفع مستوى الوعي بأهمية تجسيد “الأمة”، في كيان جيو – سياسي، يوفر الأمن القومي لشعوبنا ودولنا الهشة, وينمّي مقومات التنمية المستدامة والتكامل الانساني والاقتصادي في عالم ينحو نحو تجمعات دولية عملاقة.
3 – لقد غلبت على فكرنا القومي خلال عصر النهضة والتحرر القومي سمات الانشائية والأدبية والتراثية. وكان فكرا عاطفيا منفصلا عن الواقع وعن مصالح القوى الاجتماعية التي تتحمل مسؤولية تحقيق الوحدة, بناء على حسابات المصلحة لا بدوافع العواطف والبلاغة. ولذلك يجب مراجعة هذا الفكر المثالي والاخلاقي مراجعة جذرية وإعادة تأسيسه على العلم والعقل والفكر الحديث, وربطه بالمصالح المادية الدائمة للعرب, وللقوى الاجتماعية.
4 – إعادة بلورة وصياغة مشروعنا الحضاري المعاصر. وتكييفه مع قيم الحداثة والديموقراطية والعولمة. أي بمواءمته وملاءمته مع عالمنا. لأن هويتنا دون هذه العملية الحيوية، تفقد القدرة على توحيدنا والتفاعل مع عالمها.
5 – دراسة أسباب خمول الوعي القومي بأهمية الوحدة في أوساط النخب والشعوب معا، وبدرجات متفاوتة، خلال العقود القليلة السابقة, لا عند الزمر والأسر المالكة والحاكمة فقط, كما تزعم أدبياتنا الاديولوجية. ولا بد أن نعترف بأن المؤشر البياني للوعي القومي في انخفاض مطرد, لا في إرتفاع, ولا بد من البحث عن أسبابها, ومعالجتها بأساليب علمية وعقلانية.
6 – علينا جعل قضايا الهوية والوحدة والقومية, قضايا تشاركية تتقاسم العمل في سبيلها الدول والحكومات من جانب, ومنظمات المجتمع المدني من جانب آخر, لتحرير هذه الفعاليات من أغلال البيروقراطية واحتكار الحكومات وإبعادها عن انحرافات الانظمة السياسية. وتفعيل دور منظمات المجتمع المدني, لتقوم بهذه المهام التي تتطلب مثابرة ودأبا على كافة المستويات. والأولوية هنا لمراكز الأبحاث المتخصصة والجامعات, لتقوم بتأصيل مفاهيم العروبة والهوية وصياغة استراتيجيات وتصورات نظرية وعلمية للحركة القومية, وسبل بناء الوحدة, وتمتين علاقات التضامن والتكامل والدفاع والتنمية بين كل الحكومات والمنظمات الشعبية, وطرح مبادرات مدنية مستقلة لتطوير العمل العربي المشترك. لقد كانت هذه المهام متروكة للحكومات, مع انها مهام ذات طبيعة أكاديمية وعلمية أولا, وينبغي أن تضطلع بها المؤسسات العلمية التي تقدم ثمار افكارها، لصناع القرار والحكومات والمنظمات القومية الكبرى, ولا سيما “الجامعة”.
وفي هذا الصدد، نرى ضروريا الاشارة الى ثلاثة أمثلة إيجابية واضحة. أولهما مستقل والآخران من انجازات العمل العربي الرسمي.
الاول: مركز دراسات الوحدة العربية، الذي أسّسته نخبة ممتازة ومخلصة من المفكرين العرب عام 1977، بشكل مستقل تماما عن الانظمة الرسمية, وقام بدور علمي جليل جدا في خدمة قضايا الهوية والفكر القومي تأصيلا وتطبيقا, ونجح في تشكيل جيش موحد من العلماء والمتخصصين في المجالات كافة, لعقلنة وترشيد الفكر والعمل على حد سواء, وووضع أسس التعاون الفعال بين النخب العربية من دون وصاية الحكومات, وتقديم خبراتها للدول والشعوب والقوى الحية.
الثاني: تجربة المنظمة العربية للتربية والعلوم والثقافة ،(ALECSO) التي تأسست في القاهرة عام 1970، وكانت ثمرة من ثمرات مرحلة الصعود القومي المستنير ودور مصر الرائد. لقد ساهمت على مدى خمسين سنة في خدمة الثقافة في إطار الجامعة, وكان أبرز ما قدمته هي “الخطة الشاملة للثقافة العربية”، التي شارك في إعدادها فريق ضخم من المفكرين العرب في نهاية الثمانينات بتمويل كويتي, وتعتبر بمثابة رؤية استراتيجية ثقافية قومية حديثة, تصلح أن تكون خطة عمل لتحديث وتطوير الفكر القومي المعاصر, وترسم آفاق المستقبل (17).
الثالث: هناك عشرات الأمثلة عن مؤسسات عربية تقوم بأدوار ايجابية عظيمة في تعميق وتأصيل الهوية والفكر القومي, وإسهام العرب في تاريخ الحضارة, علينا الاشادة بها وتطويرها ودعمها, مثل “مجمع اللغة العربية”, و”معهد التراث العلمي عند العرب” التابع لجامعة حلب, ومركز الاهرام للدراسات الاستراتيجية, أول مركز ابحاث عربي مختص بالشؤون الاسرائيلية, و”المنظمة العربية لعلوم الاجتماع”، وتجربة الأزهر في التقريب بين المذاهب الاسلامية والحوار بين السنة والشيعة الذي استمر اعواما, وصدرت حصائله في عدة مجلدات.
وتجدر الاشارة أيضا، الى مبادرات سياسية قومية خلاقة, كاتحاد المحامين العرب, واتحاد الصحافيين, واتحاد العمال, واتحاد الجامعات العربية, وكذلك منظمة المؤتمر القومي العربي, ومنظمة المؤتمر القومي – الاسلامي، قبل أن تستولي عليهما عصابة حزب الله الفارسية, وتطعن صدقيتهما، وتحرف بوصلتهما الى اتجاه معاكس لمبادئهما الاصلية.
كما لا بد أن نشير الى أن النضال القومي العربي المعاصر، أفرز أحزابا وحركات سياسية قومية, تجاوزت التجزئة القطرية, وأثبتت أصالة الأمة العربية, هوية وحضارة ووحدة, أبرزها حركة القوميين العرب, وحزب البعث, وحركة الطليعة العربية, وكل هذه التنظيمات لعبت أدوارا كبيرة ومهمة في البلدان العربية, على مستوى السلطة, وخارجها.
الرزمة الثالثة – فقه القومية والوحدة
1 – لا بد من مراجعة نقدية جذرية لتجارب الوحدة المعاصرة، وتشخيص العقبات والثغرات والأسباب الذاتية والموضوعية لإخفاقاتها, الداخلية والخارجية. بلا حصانة أو قدسية لأي تجربة أو زعامة, لتأتي تقييماتنا موضوعية, ومجدية.
2 – إن فشل محاولات الوحدة, وبخاصة في مصر وسورية والعراق, لا يدل على خرافية الفكرة, ولا مناهضة القوى الامبريالية لها فقط, ولكنه يعكس عدم جدية وصدقية القوى القومية والثورية أيضا, لا الرجعية فقط ونفاقها, وهناك أحزاب قومية عريقة شاركت في جرائم تدمير الوحدة عام 1961 وعام 1963.
3 – إن الاعتماد على “الدولة القطرية” لتحقيق دولة الوحدة, كما أثبتت التجربة هي رهان خائب وخاطىء منهجيا, ينطوي على تناقض صارخ, لأن الدولة القطرية مناهضة بالضرورة للوحدة, وخصوصا، في الدول التي تحكمها زمر أقلاوية مارقة معادية للعروبة, ولا مصلحة لها في التضحية بامتيازاتها، في سبيل مشروع يحتضن طموحات الغالبية الساحقة من الجماهير الفقيرة والفعاليات الواعية.
4 – يجب دراسة أسباب ارتباط الحركة القومية بأنظمة الاستبداد، في كثير من الحالات والتجارب خلال حقبة التحرر الوطني السابقة, بحيث اقترن الاثنان اقترانا وثيقا في وعي الأجيال الجديدة, وكان العروبة أو القومية حركة فاشية عنصرية تسير عكس حركة التاريخ، وتتناقض بطبيعتها مع الديموقراطية.
5 – ينبغي وضع استراتيجيات واقعية ممكنة التطبيق، تعتمد مبدأ التدرج بدلا من الفورية والاصرار على صيغة مسبقة, وتراعي الاختلافات بين خصائص الاقطار والشعوب الاصيلة، او التي أوجدتها عصور التجزئة, فبالطبع، هناك اختلافات حقيقية بين عرب السودان وعرب لبنان والشام, وبين المغاربة والموريتانيين, وعرب اليمن. ولا بد أن نقرّ أن الوحدة الكاملة لم تكن موجودة في تاريخنا, ولا الدولة المركزية.
6 – علينا الاستفادة من تجارب الوحدات الاوروبية الحديثة, ومشروع الاتحاد الاوروبي. وكما اصل مفكرونا تجارب الوحدة الاوروبية في القرن 19, واستخلصوا “القانون” الناظم فيها, بهدف وعيه في جهودنا لبناء الوحدة العربية, علينا أن نستلهم تجربة الوحدة الاوروبية حاليا, وندرس امكانية تطبيقها (18).
7 – علينا بناء منظمات حقوقية قومية, للدفاع عن حقوق الانسان وادانة الانتهاكات، بصرف النظر عن أي مبررات. إن الدفاع عن الحريات وعن حقوق الانسان، شرطان لانتسابنا الى العصر, وانتمائنا للعالم المتحضر, وهما شرطان للتقدم, بل ولتحقيق الوحدة العربية أيضا (19).
الرزمة الرابعة – إشكاليات وتحديات قومية:
1 يتعين علينا كشعوب عربية، معالجة قضايا الأقليات والتكوينات الاثنية والمذهبية، بطريقة علمية وديموقراطية تحفظ حقوق كل الاطراف, وتتجنب العنف والإلغاء والاستبداد, وتحقق العدالة والتعايش في دولة القانون والمواطنة والمساواة, والسماح بازدهار كل اللغات والثقافات في إطار الوحدة والتنوع.
2 – في موازاة العمل الفكري العلمي لاعادة تأصيل وتحديث العروبة والفكر القومي ومشروع النهضة المعاصر, يتعين علينا العمل على إعادة بناء مؤسسات العمل القومي الرسمي, وخصوصا، “الجامعة العربية”، على أساس يحفظ استقلاليتها, ويحررها من سيطرة الدولة المضيفة, لترتقى الى طموحات الشعوب, لا الدول والحكومات, وتفعيلها لتكون منظمة فوق الدول القطرية وذات سلطة قومية أعلى من السيادة القطرية، كما هي الأمم المتحدة, بدل أن تكون منظمة تستمد صلاحياتها من الدول والحكومات. ويجب أن تشمل العملية المنظمات والمؤسسات التابعة لها, كمنظمة التربية والعلوم والثقافة, كما يجب إعادة تفعيل المعاهدات والاتفاقات, ولا سيما الخاصة بالدفاع العربي المشترك. كما يتعين بناء صناعة حربية عربية مشتركة, والعمل بشكل لامتلاك أسلحة نووية للدفاع عن الأمن العربي المشترك.
3 – الاهتمام بالمجالات والدوائر الحضارية للأمة العربية , وهما بشكل أساسي ثلاث دوائر:
– الدائرة الاسلامية, والدائرة الافريقية, ووضع استراتيجيات ثقافية وتعريبية واقتصادية وسياسية لربط الأمة العربية بعمقها الاسلامي, وبعمقها الافريقي, لأن قوة العرب ونهضتهم وتحررهم مرتبطة ارتباطا وثيقا بهاتين الدائرتين. ويجب دعم السودان ليكون الشريان الرابط بين العرب وافريقيا, واستعادة اريتريا والصومال وجيبوتي الى النطاق العربي القومي.
– يجب الاهتمام بالجاليات العربية في اوروبا, لأنها تمثل وجودا حيا وكثيفا وفاعلا يزيد على عشرين مليونا ومثلهم من المسلمين, يمكن الاعتماد عليه والرهان على دورهم في التاثير العربي في هذه القارة، التي تراوحت تفاعلاتنا معها عبر آلاف السنين بين الصراع والسلام, ويجمعنا معها البحر المتوسط, وتاريخ حافل من التاثير والتلاقح المتبادل.
خاتمة: إطلالة على الحاضر والمستقبل
على الرغم من قتامة الواقع, وتكالب القوى المعادية على أمتنا حاليا, وضخامة التحديات التي يواجهها العرب, فلا شيء يدعو الى القنوط، وهناك كثير من المؤشرات والتطورات الايجابية، تعكس إرادة الحياة، والقدرة على الانبعاث والتجدد والمواجهة، في كل ميدان من ميادين الحياة, وتدعو الى التفاؤل بقدرة شعوبنا على اجتياز المرحلة الحالية, واستعادة زمام المبادرة وتحقيق نقلة نوعية الى المستقبل, وأهمها ثورات “الربيع العربي” التي حدثت، ولم تزل تفاعلاتها متقدة ومستمرة, ولا نعتقد أنها ستتوقف قبل تحقيق أهدافها في النهاية.
إن هذه الثورات تدل دلالة قاطعة على أن العرب – وعلى الرغم من الفوارق الحضارية مع بقية الأمم – لا زالوا أمة حية, يتفاعلون مع المتغيرات العالمية, وتثور للانعتاق من نظم السيطرة الداخلية والخارجية التي تعطل تقدمهم والتحاقهم بالحداثة والمعاصرة.
ومع أن هذه الثورات تعرضت لمحاولات اجهاض وسحق بقسوة دموية استثنائية, مقارنة بثورات أخرى, لا يمكن الادعاء أنها هزمت وانتهت, فموجاتها تتوالى من أقصى المغرب الى المشرق وحوافزها قوية وحية.
وتوحي القراءة العلمية المجردة لهذه التجارب وما تبعها من تفاعلات بأن العرب يمرون في حالة ثورة شعبية مجزأة, ولكنها عميقة وتاريخية, ولم يخطىء من وصفها بأنها الأعمق في تاريخهم منذ “الثورة الاسلامية” في القرن السابع الميلادي. ولذلك فنسبتها الى “ربيع أوروبا” اسقاط جزافي ومغالطة, لأن انتفاضات شرق اوروبا 1989 – 1991 كانت محض سياسية تنادي بالديموقراطية. أما ثورات “الربيع العربي” فهي أشد تعقيدا وتركيبا, وتشبه مجمومة ثورات واستحقاقات اجتماعية, ودينية, وفكرية, وسياسية, ظلت معطلة ومؤجلة قرونا, نتيجة لتداخل عوامل وظروف عديدة داخلية وخارجية. وهي أبعد وأعمق من مطالب الديموقراطية، وتتعلق بالتكوين الجيوسياسي لدولنا وأنظمتنا, والتكوين الهوياتي لشعوبنا.
بعبارة أخرى, إن شعوبنا تخوض اليوم رزمة ثورات دفعة واحدة خاضتها أمم أخرى على دفعات, واستغرقت زهاء قرنين.
– ثورة تحرر وطني للتخلص من الاحتلال والوصاية الأجنبيين.
– ثورة من أجل الحرية والديموقراطية ضد الاستعباد والطغيان, بعد أن إكتشفنا أن التحرر غير الحرية, ولا يوصل اليها تلقائيا.
– ثورة ثقافية ضد الاستبداد الاجتماعي والعصبيات القبلية والطائفية, وفي سبيل الحداثة والحكم الرشيد ودولة المواطنة.
– ثورة طبقية واجتماعية في سبيل الكفاية والعدالة الاجتماعية والتنمية والتقدم، وضد الطبقات الطفيلية والراسمالية وفساد اهل السلطة ونهب ثروات الشعب.
إن ثورات الربيع العربي، ليست استنساخا ولا محاكاة لثورات شرق أوروبا, بل ثورات وطنية أصيلة نابعة من حاجات وأشواق أمة عريقة تعرضت, وما زالت تتعرض لغزوات متتالية من الشرق والغرب, ساهمت في استنزافها ونهبها وتدمير مقومات قوتها. ويمكن القول, بل يجب القول, إنه ما من أمة في العصر الحديث تعرضت لما تعرضت له أمتنا.
– غزو أوروبي استعماري لجميع البلدان العربية.
– غزو صهيوني بدعم غربي جماعي.
– غزو فارسي بتواطؤ دولي.
– غزو روسي امبريالي.
وما من أمة خاضت في غضون مائة سنة عشرات الحروب المتلاحقة غير الامة العربية:
– حروب وثورات مع بريطانيا وفرنسا للاستقلال، ابرزها حرب استقلال الجزائر وحرب القناة 1956ضد العدوان الثلاثي, وحرب الاستقلال اليمني ضد بريطانية.
– خمسة حروب كبرى مع اسرائيل 1948 – 1956 – 1967 – 1973 – 1982 – 2006.
– الحرب اللبنانية الاهلية, وهي حرب دولية واسرائيلية في العمق.
– حروب الخليج الثلاثة: 1980 / 1991 / 2003.
– حرب ايران في اليمن 2015.
– الحرب في سوريا ضد العدوان ايران وروسيا.
– الحرب في ليبيا.
هذه الحروب والثورات، غالبيتها حروب مفتعلة وموجهة من الخارج، لأغراض امبريالية وتدميرية للوطن العربي. وغير منقطعة الجذور عن ثورات التحرر الوطني، التي خاضها العرب في القرن 19 للتخلص من السيطرة التركية, ولا عن محاولاتهم المستمرة للحاق بركب التقدم، عبر مشاريع النهضة وتحقيق الوحدة طوال القرنين الأخيرين.
في المنظور التاريخي، تندرج هذه الثورات والأحداث في سياق واحد, باعتبارها حركات تحررية واحيائية لأمة كبيرة، لا تكل عن تكرار وثباتها للعودة الى مسرح التاريخ، واستعادة مكانتها على الساحة العالمية.
وبالمنظور نفسه، تتضافر العناصر الثقافية والسياسية في ثوراتنا. وهو أمر بديهي لأن الثورة السياسية تستمد مشروعيتها من الوعي الوطني الذي ينبع من الوعي بالتاريخ, والوعي بالهوية والذات, فهو نقطة البداية.
وبديهي أيضا أن المشروع الوطني السياسي، لا بد أن يتناسق مع مشروع الامة الحضاري. ومن هنا فتجديد وتحديث “العروبة” و”الفكرة القومية”، كعنصرين جوهريين لهويتنا التاريخية, وإعادة اكسائهما وتغذيتهما بقيم العصر والحداثة, في كل مرحلة, وهي في المبدأ عملية خلق حيوية, يتحتم أن تكون مستمرة, ولا يصح أن تكون موسمية أو مؤقتة، وهي في هذه المرحلة بالذات أشد الحاحا وحتمية, لأننا كبقية الأمم ننتقل من عصر الى عصر جديد له أنساقه الفكرية وحضارته.
=====
(17) يمكن لمن يريد الاطلاع على هذه الخطة الرجوع اليها على موقع المنظمة على شبكة الانترنت, وهي صادرة في كتاب ورقي منذ سنوات عن المنظمة ايضا وبالعنوان ذاته.
(18) راجع كتاب الدكتور نديم البيطار (من التجزئة.. الى الوحدة/ القوانين الاساسية لتجارب التاريخ الوحدوية) صادر عن مركز دراسات الوحدة العربية 1986.
(19) تأسست أول منظمة عربية قومية حقوقية عام 1983, وما زالت قائمة وفاعلة في معظم البلدان العربية, ولها مجلس امناء قومي, وهي الوحيدة المسجلة في الأمم المتحدة.



